وطن-في الحياة اليومية، قد يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى التعامل مع أشخاص تبدو الحوارات معهم أكثر تعقيداً من المعتاد. فقد يتحول خلاف بسيط إلى مواجهة حادة، أو تتحول محادثة عادية إلى مصدر للتوتر والضغط. لكن التعامل مع هذه المواقف لا يرتبط فقط بطبيعة الطرف الآخر، وإنما أيضاً بقدرتنا على إدارة الحوار وضبط الانفعال ووضع حدود واضحة.
وتناولت “سان إي ناتيرال” الفرنسية مجموعة من المهارات والسلوكيات التي يمكن أن تساعد على التعامل مع الشخصيات صعبة المراس، مشيرة إلى أن الناس لا يستجيبون بالطريقة نفسها للمواقف المتوترة. فبينما يفقد البعض هدوءه سريعاً، يستطيع آخرون أخذ مسافة من الانفعال ومحاولة احتواء الخلاف قبل أن يتصاعد.
من هو الشخص «الصعب»؟
وصف شخص بأنه «صعب» يظل نسبياً، إذ قد يُستخدم للتعبير عن شخص شديد التمسك برأيه، أو يجد صعوبة في تقبل وجهات النظر المختلفة، أو يميل إلى الجدال المستمر. وفي بعض الحالات، قد يظهر ذلك في صورة عدوانية لفظية أو سلوك متوتر أو محاولة مستمرة لفرض الرأي.
لكن من المهم عدم تحويل هذا الوصف إلى تشخيص نفسي. فالسلوك الذي يبدو صعباً في موقف معين قد يكون مرتبطاً بالظروف أو بالتوتر أو بطبيعة العلاقة، كما أن ما يعتبره شخص ما سلوكاً مزعجاً قد لا يراه شخص آخر بالطريقة نفسها.
لذلك، فإن الهدف من التعامل مع هذه المواقف ليس تغيير شخصية الطرف الآخر، وإنما التحكم في طريقة الاستجابة وتقليل فرص تحول الخلاف إلى مواجهة أكبر.
1. المرونة الذهنية.. لا تحصر الموقف في تفسير واحد
من المفيد عند الدخول في خلاف ألا ينغلق الإنسان على تفسير واحد لما حدث. فالقدرة على النظر إلى الموقف من زاوية أخرى لا تعني الموافقة على الطرف الآخر أو تبرير سلوكه، وإنما تساعد على فهم ما يمكن أن يكون وراء رد فعله.
وقد يكون من المفيد طرح سؤال بسيط على النفس: هل ما فهمته من كلام الطرف الآخر هو بالضرورة ما قصده؟ وهذه المسافة الصغيرة بين ما قيل وما فهمناه يمكن أن تمنع كثيراً من سوء الفهم، خصوصاً عندما يكون الحوار مشحوناً بالمشاعر.
وتشير الأدبيات المتعلقة بالتعاطف وتنظيم المشاعر إلى أن القدرة على تبني وجهة نظر شخص آخر يمكن أن ترتبط بطريقة أكثر هدوءاً في التعامل مع النزاعات، وإن كانت طبيعة هذه العلاقة تختلف باختلاف الأشخاص والظروف.
2. التعاطف لا يعني قبول الإساءة
قد يكون إظهار التعاطف صعباً عندما يكون الطرف الآخر مستفزاً أو جارحاً. لكن محاولة فهم ما يشعر به لا تعني تبرير ما يفعله.
يمكن مثلاً إعادة صياغة كلام الشخص الآخر بطريقة هادئة: «أفهم أنك شعرت بأن ما حدث لم يكن عادلاً بالنسبة إليك». مثل هذه العبارة لا تعني أن موقفه صحيح، وإنما تظهر أنك استمعت إليه وفهمت ما يريد التعبير عنه.
وتشير بعض الأبحاث المتعلقة بإدارة النزاعات إلى أن إعادة صياغة كلام الطرف الآخر بطريقة متعاطفة قد تساعد في خفض حدة المشاعر السلبية خلال الخلاف. لكن التعاطف يحتاج إلى حدود. ففهم خوف شخص أو غضبه لا يمنحه الحق في الإهانة أو التهديد أو ممارسة الضغط النفسي.
3. تنظيم المشاعر قبل الرد
عندما يرتفع التوتر، يصبح الرد الفوري أكثر خطورة، لأن الإنسان قد يقول أشياء يندم عليها لاحقاً. لهذا يمكن أن يكون أخذ لحظات قليلة قبل الإجابة مفيداً. وقد يساعد التنفس ببطء، أو الصمت لثوانٍ، أو تأجيل النقاش مؤقتاً، على استعادة قدر من الهدوء يسمح بالتفكير قبل الرد. والهدف هنا ليس إخفاء الغضب أو التظاهر بعدم الانزعاج، بل منع المشاعر القوية من التحكم الكامل في السلوك.
وفي العلاقات التي تتكرر فيها الخلافات، يمكن أن يصبح تعلم تنظيم المشاعر وسيلة لتغيير نمط الحوار تدريجياً، بدلاً من الدخول في الحلقة نفسها من الاستفزاز ثم الغضب ثم التصعيد.
4. اعرف ما الذي يستفزك أنت
ليس الطرف الآخر وحده هو الذي يحتاج إلى الفهم. فالإنسان نفسه لديه كلمات ومواقف وتصرفات يمكن أن تثير غضبه بسرعة أكبر من غيرها. قد يكون رفع الصوت مثلاً محفزاً قوياً لدى شخص ما، بينما يشعر شخص آخر بالتوتر عندما تتم مقاطعته أو تجاهل كلامه.
إن معرفة هذه المحفزات تساعد على اكتشاف لحظة التوتر في وقت مبكر. فعندما يشعر الإنسان بأن غضبه بدأ في الارتفاع، يمكنه التوقف للحظة والسؤال: «ما الذي أثارني تحديداً؟ وهل ردة فعلي الحالية تناسب حجم المشكلة؟»
وهنا يصبح الشعور بالغضب معلومة تساعد على فهم الذات، وليس بالضرورة دليلاً على أن تفسيرنا للموقف صحيح بالكامل.
5. اليقظة الذهنية تمنحك مساحة قبل التصرف
تقوم اليقظة الذهنية على ملاحظة الأفكار والمشاعر والإحساسات الجسدية في اللحظة الحالية، بدلاً من الانجراف معها بصورة تلقائية.
وعند حدوث خلاف، قد تساعد هذه الممارسة الإنسان على ملاحظة غضبه أو توتره قبل أن يتحول إلى رد فعل مباشر. فبدلاً من التفكير فوراً في «ماذا سأقول له؟»، يمكن أولاً الانتباه إلى تسارع ضربات القلب أو ارتفاع التوتر أو الرغبة في الرد بعنف.
وتشير بعض الدراسات إلى وجود ارتباط بين اليقظة الذهنية وطريقة أكثر هدوءاً في التعامل مع الخلافات داخل العلاقات. لكن ذلك لا يعني أنها حل سحري لكل المشكلات؛ فنتائج أي ممارسة نفسية أو سلوكية يمكن أن تختلف من شخص إلى آخر.
التواصل الواضح يقلل سوء الفهم
إلى جانب المهارات السابقة، تلعب طريقة التعبير دوراً مهماً في إدارة الخلاف. فبدلاً من قول: «أنت دائماً تفعل هذا»، يمكن استخدام صيغة أكثر تحديداً مثل: «عندما يحدث هذا الأمر أشعر بالضغط، وأحتاج إلى أن نتحدث عنه بطريقة أكثر هدوءاً».
هذه الطريقة لا تلغي الخلاف، لكنها تقلل من لغة الاتهام التي قد تدفع الطرف الآخر إلى الدفاع عن نفسه بدلاً من الاستماع. ومن المفيد أيضاً التركيز على المشكلة الحالية بدلاً من فتح ملفات قديمة لا علاقة مباشرة لها بالنقاش.
وضع الحدود ليس قسوة
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن التعامل الجيد مع الآخرين يعني تحمل كل شيء. في الواقع، يمكن أن يجتمع التعاطف مع الحزم. فالحدود لا تهدف إلى التحكم في سلوك الآخرين، وإنما إلى تحديد ما يقبله الشخص وما لن يقبله، وما الذي سيفعله إذا تم تجاوز هذه الحدود.
قد يكون ذلك مثلاً بإنهاء الحوار مؤقتاً عندما يتحول إلى إهانات، أو رفض مواصلة النقاش أثناء الصراخ، أو تقليل الاحتكاك عندما يصبح السلوك المؤذي متكرراً.
ووضع الحدود قد يكون صعباً خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يخشون إغضاب الآخرين أو فقدان قبولهم. لكن الحفاظ على علاقة جيدة لا ينبغي أن يعني التخلي المستمر عن الراحة النفسية أو الكرامة الشخصية.
الهدوء لا يعني الاستسلام
التعامل مع الأشخاص صعبي المراس لا يعتمد على مهارة واحدة، وإنما على مجموعة من السلوكيات التي يمكن تطويرها مع الوقت: المرونة في التفكير، وتنظيم المشاعر، ومعرفة المحفزات الشخصية، والتعاطف، واليقظة الذهنية، والتواصل الواضح، ووضع الحدود. لكن هناك فرقاً مهماً بين شخص يصعب التفاهم معه في بعض المواقف، وبين علاقة تتضمن إساءة متكررة أو تهديداً أو عنفاً أو تلاعباً مستمراً.
في الحالة الثانية، لا ينبغي أن يتحول التعاطف أو الصبر إلى مبرر لتحمل الأذى. ففهم مشاعر الآخر شيء، والسماح له بتجاوز الحدود شيء آخر. والهدف من إدارة الخلاف ليس دائماً أن ينتصر أحد الطرفين، بل أن يتمكن الإنسان من الحفاظ على هدوئه وكرامته وحدوده، وأن يختار الطريقة التي تناسب طبيعة العلاقة والموقف.
اقرأ المزيد

