وطن-في الهند، قد لا تكون مائدة الطعام مجرد مائدة، خصوصاً عندما تكون أمام قادة العالم وفي مناسبة دبلوماسية كبرى. وهذا ما حدث خلال العشاء الرسمي لقادة مجموعة بريكس في نيودلهي، بعدما اختارت الحكومة الهندية تقديم قائمة نباتية بالكامل، ما فتح باباً لجدل سياسي داخل البلاد.
أقيم العشاء الذي استضافه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة بريكس، في مركز «بهارات ماندابام» بالعاصمة نيودلهي، وقدم للضيوف مجموعة واسعة من الأطباق الهندية النباتية التي تمثل مناطق وتقاليد مختلفة من البلاد.
لكن غياب اللحوم عن القائمة لفت الانتباه سريعاً، وأثار انتقادات من شخصيات في المعارضة الهندية، التي اعتبرت أن القائمة لا تعكس التنوع الحقيقي لعادات الطعام في الهند.
قائمة فاخرة.. لكن بلا لحوم
لم تكن المائدة تقتصر على أطباق بسيطة، بل تضمنت قائمة متنوعة من المأكولات الهندية. ومن بين المقبلات، قُدمت لفائف «خاندي» المصنوعة من دقيق الحمص، إلى جانب طبق من فطر «غالوتي». أما الأطباق الرئيسية فتضمنت «بانير لابابدار»، وفطر «غوتشي» من جبال الهيمالايا مع الهليون، إضافة إلى خضروات مطهوة وتشكيلة من الأرز والدال والخبز الهندي.
كما شملت قائمة الحلويات كريمة فواكه من دلهي القديمة مع الجليبي، وحلوى «فيرني» بالتوت. ورغم التنوع الكبير في القائمة، كان هناك عنصر واحد غائب تماماً: اللحوم.
راهول غاندي يدخل على الخط
سرعان ما تحولت قائمة الطعام إلى موضوع سياسي، بعدما نشر زعيم المعارضة في مجلس النواب الهندي، راهول غاندي، تعليقاً على مواقع التواصل الاجتماعي قال فيه إن 80 في المئة من الهنود يتناولون اللحوم، مضيفاً أن الطعام الهندي غير النباتي «لذيذ»، إلى جانب صورة لطبق «تشولي بهاتوري» الذي أعدته شقيقته، وفق ما نقلته وسائل إعلام هندية.
ولم يذكر غاندي رئيس الوزراء مودي بالاسم في منشوره، لكن التعليق جاء بعد يوم واحد فقط من العشاء النباتي الذي أقيم لقادة بريكس، ما فُسر على نطاق واسع باعتباره انتقاداً لاختيار القائمة.
كما انتقد مسؤولون آخرون في حزب المؤتمر الحاكم، بينهم باوان خيرا، تقديم قائمة نباتية بالكامل، معتبرين أن المطبخ الهندي أكثر تنوعاً ويشمل تقاليد واسعة من الأطعمة غير النباتية.
الحكومة ترفض تسييس قائمة الطعام
في المقابل، رفضت الحكومة الهندية الانتقادات، معتبرة أن اختيار الأطباق لا يتعلق بفرض نمط غذائي معين على الضيوف.
وقال وزير الاتحاد كيرين ريجيو إن المعارضة «تسيس» حتى الطعام المقدم إلى قادة دول بريكس، مشيراً إلى أن الضيوف استمتعوا بالمطبخ الهندي النباتي الذي يعكس، بحسبه، تنوع التقاليد الإقليمية في البلاد.
وبذلك أصبح الخلاف يدور حول تفسير القائمة نفسها: فالحكومة تقدمها باعتبارها عرضاً للتنوع الإقليمي والتراث الغذائي الهندي، بينما ترى المعارضة أن غياب الأطعمة غير النباتية يجعل الصورة المقدمة عن المطبخ الهندي غير مكتملة.
لماذا أصبح الطعام قضية سياسية؟
لا تتعلق القصة فقط بما كان موجوداً في الأطباق، بل بالسياق الثقافي والسياسي الأوسع في الهند. فالطعام، وخصوصاً مسألة تناول اللحوم، يرتبط في بعض المناطق والمجتمعات الهندية باعتبارات دينية وثقافية، كما أن النباتية لها ارتباطات خاصة لدى بعض الجماعات الهندوسية، في حين أن كثيراً من الهندوس وغيرهم يتناولون اللحوم.
وتشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن قضايا الطعام أصبحت في السنوات الأخيرة أكثر حساسية سياسياً وطائفياً في الهند، في ظل الانقسامات المتعلقة بالدين والهوية وسياسات حكومة مودي. لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن الهندوس ليسوا جميعاً نباتيين.
ولهذا، فإن غياب اللحوم عن مأدبة رسمية تضم قادة دول من أنحاء مختلفة من العالم لم يُقرأ من الجميع باعتباره مجرد اختيار للطعام، بل أصبح بالنسبة إلى منتقدي الحكومة جزءاً من نقاش أوسع حول الهوية الثقافية في الهند.
ليست المرة الأولى
العشاء النباتي في قمة بريكس لم يكن حالة منفردة، إذ ذكرت «نيويورك تايمز» أن قادة أجانب زاروا الهند خلال العام الجاري، من بينهم رئيس سيشل ورئيس فيتنام، قُدمت لهم أيضاً وجبات نباتية خلال مناسباتهم في نيودلهي.
كما سبق للهند أن قدمت في مناسبات دولية كبرى قوائم تعكس جوانب محددة من تراثها الغذائي. وخلال قمة مجموعة العشرين التي استضافتها نيودلهي عام 2023، ركزت قائمة رسمية على الحبوب التقليدية، في سياق الترويج للحبوب الدخنية التي حظيت بدعم الحكومة الهندية خلال ذلك العام.
الطعام.. أداة في الدبلوماسية
في المناسبات الدولية، لا يُنظر دائماً إلى الطعام باعتباره مجرد وجبة. فقد تستخدم الدول المأكولات التقليدية لإبراز ثقافتها، أو لإظهار الاحترام للضيوف، أو لخلق أجواء تساعد على التقارب والحوار.
وتنقل «نيويورك تايمز» عن باحثة في الدبلوماسية الغذائية أن المائدة الدبلوماسية يمكن أن تكون وسيلة لإبراز جانب من هوية الدولة أمام الضيوف، كما يمكن أن تستخدم لإظهار الاحترام أو تسهيل التواصل. وفي المقابل، فإن اختياراً غذائياً غير موفق يمكن أن يتحول إلى مصدر للجدل.
وهنا تحديداً اكتسبت مأدبة بريكس أهمية إضافية، لأن القائمة جاءت في وقت تشهد فيه الهند نقاشات سياسية حادة حول الدين والهوية والثقافة.
عندما تتحول المائدة إلى رسالة سياسية
في النهاية، لم يكن الخلاف حول عشاء بريكس مجرد نقاش بين من يفضل الطعام النباتي ومن يفضل اللحوم. فقد أصبح اختيار القائمة مناسبة جديدة لتبادل الاتهامات بين الحكومة والمعارضة.
وبالنسبة إلى الحكومة، كانت المائدة فرصة لتقديم أطباق نباتية متنوعة تمثل مناطق مختلفة من الهند أمام ضيوف دوليين. أما المعارضة، فاستغلت غياب اللحوم للتذكير بأن المجتمع الهندي متنوع في عاداته الغذائية، وأن المطبخ الهندي لا يقتصر على الأطباق النباتية.
وهكذا، تحولت مائدة دبلوماسية يفترض أن تكون مساحة للاحتفاء بالمطبخ الهندي إلى موضوع سياسي جديد، يؤكد مرة أخرى أن الطعام في المناسبات الرسمية قد يحمل رسائل تتجاوز حدود المذاق، خصوصاً عندما تتداخل الثقافة والدين والهوية مع السياسة.
اقرأ المزيد
بزشكيان في قمة بريكس بنيودلهي.. اختبار صعب لوحدة التكتل وسط انقسامات حرب الشرق الأوسط
تكتل بديل للأحادية الأمريكية: قمة “منظمة شانغهاي” تجمع القوى الكبرى في مواجهة النفوذ الأمريكي
من مزحة على الإنترنت إلى حركة احتجاجية.. “حزب الصراصير” يربك حكومة ناريندرا مودي
دبلوماسية الكراميل.. كيف أشعلت حلوى “ميلودي” بورصة بومباي بعد هدية مودي لميلوني؟

