وطن-في قصة تجمع بين المال والسياسة والرياضة والنفوذ الروسي، برز اسم رجل الأعمال الروسي عمر كريمليف مجدداً على الساحة الدولية، بعدما ربطت تقارير صحفية اسمه بتغطية نفقات باهظة مرتبطة بزفاف دونالد ترامب جونيور، نجل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في جزر الباهاماس، في وقت تكشف فيه مسيرته عن صعود لافت من ماضٍ جنائي إلى مواقع مؤثرة في عالم الملاكمة وشبكات الأعمال والسلطة في روسيا.
وقالت صحيفة “إلدياريو” الإسبانية إن كريمليف أمضى السنوات الأخيرة في بناء شبكة واسعة من العلاقات داخل الأوساط السياسية والاقتصادية والرياضية الروسية، قبل أن يظهر اسمه في تحقيقات صحفية تتناول علاقاته بمراكز النفوذ في موسكو، ودوره المزعوم في تمويل جانب من حفل زفاف دونالد ترامب جونيور على عارضة الأزياء بيتينا أندرسون.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن تحقيق نشرته بروبابليكا، دفع كريمليف مئات الآلاف من الدولارات لتغطية نفقات مرتبطة بالزفاف الذي أقيم في 24 مايو الماضي في جزر الباهاماس. ووفق التحقيق، شملت النفقات استئجار جزيرة خاصة لاستقبال الضيوف وإقامتهم، إلى جانب تكاليف أخرى من بينها عرض للألعاب النارية.
بداية مثيرة للجدل
وُلد عمر كريمليف عام 1982 في مدينة سيربوخوف الصناعية، على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب موسكو. وكان قد تحدث في مناسبات سابقة عن ممارسته رياضة الملاكمة حتى سن التاسعة عشرة، لكنه لم يحترفها، مرجعاً ذلك لاحقاً إلى ما وصفه بنقص الانضباط.
غير أن مسيرته لم تبدأ من عالم الرياضة وحده، إذ تشير المعلومات التي نقلتها إلدياريو إلى أنه أُدين عام 2004 في قضية ابتزاز، ثم أُدين مرة أخرى عام 2007 في قضية اعتداء.
وبعد سنوات، عاد كريمليف إلى الواجهة في منتصف العقد الماضي من بوابة الملاكمة، عندما بدأ يظهر بوصفه مروجاً للرياضة ورجل أعمال يسعى إلى توسيع نفوذه داخل هذا القطاع.
ومن خلال شركته «باتريوت»، دخل تدريجياً إلى دوائر الملاكمة، وارتبط اسمه بعدد من الشخصيات الرياضية، من بينها بطل العالم الأمريكي السابق روي جونز جونيور، الذي حصل لاحقاً على الجنسية الروسية.
وفي تلك الفترة، تخلى كريمليف عن اسم عائلته الأصلي «لوتفولوييف»، واعتمد اسم «كريمليف». وترى إلدياريو أن تغيير الاسم ساعده على الابتعاد عن ماضيه الجنائي، فيما بدا الاسم الجديد أكثر ارتباطاً بالهوية الروسية، فضلاً عن التشابه اللافت بينه وبين كلمة «الكرملين».
من الملاكمة إلى محيط بوتين
مع توسع نشاطه، بدأ كريمليف في بناء علاقات مع شخصيات قريبة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ووفق ملف نشره موقع التحقيقات الروسي «بروإكت»، حضر كريمليف لقاءات لنادي «ذئاب الليل»، وهو نادٍ للدراجات النارية معروف بتوجهاته القومية المتشددة وعلاقاته الوثيقة بمؤسسات السلطة الروسية.
وكانت إحدى أبرز محطات هذه المرحلة تعرفه إلى أليكسي روبيجني، وهو لواء نافذ في جهاز الحماية الفيدرالي الروسي، المسؤول عن حماية كبار مسؤولي الدولة.
وبحسب ما أوردته المصادر نفسها، أصبح روبيجني لاحقاً من أبرز داعمي كريمليف، وساعده في الوصول إلى مواقع مهمة والدفاع عن مصالحه أمام مؤسسات الدولة.
كما تشير المعلومات التي نشرها موقع «بروإكت» إلى وجود صلة عائلية بين الرجلين، إذ يُقال إن كريمليف متزوج من شقيقة روبيجني، وهو ما أضاف بعداً عائلياً إلى شبكة العلاقات التي رافقت صعوده.
القفزة الكبرى في عالم الملاكمة
جاءت القفزة الأبرز في مسيرة كريمليف عام 2017، عندما تولى منصب الأمين العام للاتحاد الروسي للملاكمة. وخلال هذه المرحلة، عزز علاقاته داخل النخبة الروسية. وكان روبيجني يرأس مجلس الرقابة في الاتحاد، فيما ارتبط بالمجلس أيضاً اسم إيغور سيتشين، المدير التنفيذي لشركة النفط الحكومية «روسنفت» وأحد أبرز الحلفاء السياسيين والاقتصاديين لبوتين.
وفي عام 2020، انتُخب كريمليف رئيساً للاتحاد الدولي للملاكمة للهواة، الذي أصبح اسمه لاحقاً الرابطة الدولية للملاكمة. وبذلك أصبح رجل أعمال روسي يرتبط اسمه بشبكات نفوذ داخل موسكو على رأس مؤسسة رياضية دولية تشرف على واحدة من أبرز الرياضات الأولمبية. لكن وصول كريمليف إلى هذا الموقع لم يضع حداً للجدل المحيط به، بل نقل الخلاف إلى مستوى دولي.
صدام مع اللجنة الأولمبية
في عام 2023، سحبت اللجنة الأولمبية الدولية اعترافها بالرابطة الدولية للملاكمة، بعد سنوات من المخاوف المتعلقة بإدارة المنظمة وتمويلها ونظام التحكيم فيها.
ورد كريمليف على القرار بانتقادات حادة لمسؤولي الحركة الأولمبية، ووصل خطابه إلى حد توجيه تهديدات وتصريحات مسيئة ضد شخصيات رياضية بارزة، وفق ما نقلته إلدياريو.
ورغم فقدان الاعتراف الأولمبي، واصل كريمليف تنظيم بطولات تابعة للرابطة في دول بقيت اتحاداتها الوطنية مرتبطة بالمنظمة، كما تعهد بتقديم دعم مالي وإنشاء مراكز متخصصة في الملاكمة، في محاولة للحفاظ على نفوذ الرابطة خارج الإطار الأولمبي.
وفي السياق نفسه، اتخذ كريمليف موقفاً مؤيداً لعودة الملاكمين الروس والبيلاروسيين إلى المنافسات، مع السماح لهم بالمشاركة تحت أعلامهم الوطنية وبمصاحبة أناشيدهم، في وقت كانت فيه منظمات رياضية دولية تفرض قيوداً على مشاركة الرياضيين الروس والبيلاروسيين بسبب الحرب في أوكرانيا.
وكان كريمليف من المنتقدين البارزين لهذه القيود، معتبراً العقوبات المفروضة على الرياضيين الروس غير عادلة.
توسع اقتصادي داخل روسيا
لم يقتصر صعود كريمليف على الرياضة، إذ توسعت مصالحه التجارية داخل روسيا بصورة كبيرة. وتشير معلومات نقلتها إلدياريو عن شخصين مطلعين على ثروته إلى أنه يسيطر فعلياً على ثلاث من أكبر شركات المراهنات في روسيا، كما استفاد، بحسب الصحيفة، من الإصلاحات التي أعادت تشكيل سوق القمار في البلاد.
وفي عام 2024، استحوذ كريمليف على مجموعة «رولف»، إحدى أكبر شبكات وكلاء السيارات في روسيا، بعد أن انتقلت ملكيتها إلى الدولة الروسية في أعقاب مصادرتها من مؤسسها سيرغي بتروف، الذي غادر البلاد وكان معروفاً بانتقاداته للكرملين.
وتعتبر إلدياريو أن الصفقة شكلت مؤشراً جديداً على اتساع نفوذ كريمليف داخل الاقتصاد الروسي، خصوصاً أنها جاءت بعد تدخل الدولة في ملكية واحدة من أكبر الشركات الخاصة في قطاع السيارات.
من موسكو إلى زفاف نجل ترامب
وفي مؤشر آخر على موقعه داخل دوائر السلطة الروسية، انضم كريمليف إلى وفد رجال الأعمال الذي رافق الرئيس فلاديمير بوتين خلال زيارة إلى الصين، قبل فترة وجيزة من سفره إلى جزر الباهاماس.
وهناك، وفق التحقيق الذي نقلته إلدياريو عن بروبابليكا، ارتبط اسمه بتغطية نفقات مرتبطة بزفاف دونالد ترامب جونيور على بيتينا أندرسون.
وتعيد هذه القضية اسم كريمليف إلى الواجهة في الولايات المتحدة، ليس فقط باعتباره رجل أعمال روسياً ثرياً، وإنما بوصفه شخصية صعدت خلال سنوات عبر تقاطع المال والرياضة والعلاقات السياسية.
وفي مقابلة مصورة عام 2024، تحدث كريمليف بوضوح عن تقديره للرئيس الروسي، قائلاً إن وجود «شخص واحد» أتاح فرصاً واسعة لتحقيق المال والطموح، قبل أن يحدد أن المقصود هو الرئيس فلاديمير بوتين.
وبين سوابق جنائية تعود إلى بدايات حياته العامة، وتغيير اسم العائلة، والصعود في عالم الملاكمة، والعلاقات مع شخصيات نافذة في أجهزة الدولة الروسية، والتوسع في قطاعات اقتصادية مربحة، وصولاً إلى ظهوره في قضية مرتبطة بزفاف نجل ترامب، يقدم عمر كريمليف نموذجاً لشخصية روسية تمكنت من بناء نفوذ واسع عند نقطة التقاء الرياضة والأعمال والسياسة.
ويبقى الجدل حول كريمليف مرتبطاً بالسؤال الأكبر عن طبيعة الشبكات التي صنعت صعوده، ومدى ارتباط مصالحه التجارية والرياضية بعلاقاته داخل دوائر السلطة الروسية، خصوصاً في ظل ظهوره المتكرر إلى جانب شخصيات قريبة من الكرملين.
اقرأ المزيد
ترامب: أوكرانيا وروسيا تتفقان على وقف استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية
من المحتوى الإباحي إلى المسيّرات.. هل تحوّل أوكرانيا “صناعة الجنس” إلى سلاح في حربها ضد روسيا؟
موسكو تشتعل.. مئات المسيّرات الأوكرانية تضرب قلب روسيا

