وطن-رفع الطالب السابق في جامعة كولومبيا، محمود خليل، دعوى قضائية فدرالية ضد الجامعة العريقة، متهماً إدارتها بالسماح بتعرضه وطلاب فلسطينيين وعرب ومسلمين ومناصرين لفلسطين للتمييز والمضايقات، وعدم توفير الحماية اللازمة لهم، في قضية تربط بين ما شهدته الجامعة من توتر على خلفية الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين وبين اعتقال خليل من قبل سلطات الهجرة الأميركية.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن الدعوى، التي أُعلن عنها في نيويورك، تتهم جامعة كولومبيا بالتقاعس عن حماية طلابها الفلسطينيين والعرب والمسلمين ومناصري فلسطين، في ظل تصاعد حملات التشهير والتهديدات التي رافقت الاحتجاجات الطلابية ضد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وانضم إلى خليل في الدعوى «مجموعة العمل من أجل فلسطين» في جامعة كولومبيا، وهي منظمة طلابية تأسست داخل كلية الشؤون الدولية والعامة، إضافة إلى رئيسها محمد إبراهيم زبيري.
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، تزعم الدعوى أن الجامعة أبدت «لامبالاة متعمدة» تجاه ما وصفه المدعون بأنه تحرش شديد ومستمر ومنسق، استهدفهم بسبب نشاطهم المؤيد لفلسطين، وانتمائهم أو تصور انتمائهم إلى الطلاب العرب أو المسلمين، إضافة إلى أصولهم القومية ووضعهم كمهاجرين غير مواطنين.
وتوضح الدعوى أن محمود خليل فلسطيني مسلم يحمل جواز سفر جزائرياً، بينما محمد إبراهيم زبيري مسلم باكستاني يحمل جواز سفر باكستانياً.
خليل: الجامعة مهدت الطريق لاعتقالي
وخلال مؤتمر صحفي في مدينة نيويورك، حمّل خليل جامعة كولومبيا جانباً من المسؤولية عما تعرض له، معتبراً أن غياب الدعم القانوني من الجامعة قبل احتجازه كان عاملاً حاسماً في تطورات قضيته.
وقال خليل إن وجود دعم قانوني من الجامعة قبل اعتقاله كان يمكن أن يغيّر مسار الأحداث، مضيفاً أنه لا يقاضي الجامعة بسبب ما قامت به سلطات الهجرة، وإنما بسبب ما وصفه بالبيئة التي سبقت اعتقاله ومهدت له.
وبحسب روايته، فإن الجامعة لم تتعامل بالشكل المطلوب مع المخاوف التي أثارها الطلاب بشأن سلامتهم، وهو ما يرى أنه جعل استهدافه من جانب سلطات الهجرة أكثر سهولة.
وكان خليل قد اعتُقل في مارس 2025 من قبل إدارة الهجرة والجمارك الأميركية، في ظل حملة أطلقتها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد ما وصفته بالخطاب المناهض لإسرائيل بين غير المواطنين.
وأثارت قضية خليل اهتماماً واسعاً، خصوصاً أنه كان متزوجاً من مواطنة أميركية، كما كان يحمل سابقاً بطاقة الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة.
وقالت «ميدل إيست آي» إن عناصر من إدارة الهجرة والجمارك بملابس مدنية أبلغوا خليل عند اعتقاله بإلغاء تأشيرته الطلابية وبطاقته الخضراء.
واحتُجز خليل لمدة 104 أيام في منشأة تابعة لسلطات الهجرة، ما حرمه من حضور ولادة طفله الأول، قبل أن يأمر قاضٍ فدرالي بالإفراج عنه، في وقت واصلت فيه الحكومة الأميركية إجراءاتها القانونية بحقه.
خمسة أشهر من الشكاوى والبلاغات
وتسمي الدعوى مجلس أمناء جامعة كولومبيا، إضافة إلى عميدة كلية الشؤون الدولية والعامة كيرين يارهي-ميلو، كمدعى عليهم.
وتقول الشكوى إن خليل وزبيري وأعضاء آخرين في «مجموعة العمل من أجل فلسطين» أبلغوا مسؤولي الجامعة مراراً، وعلى مدى أكثر من خمسة أشهر، عن تعرضهم للمضايقات وحملات التشهير وكشف المعلومات الشخصية.
وجاءت هذه الشكاوى في أعقاب الاحتجاجات الواسعة التي شهدها حرم جامعة كولومبيا خلال عام 2024، احتجاجاً على الحرب الإسرائيلية على غزة.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، تزعم الدعوى أن مسؤولي الجامعة لم يتعاملوا بصورة مناسبة مع تلك البلاغات، بل اتخذوا إجراءات ضد «مجموعة العمل من أجل فلسطين»، وعرقلوا نشاطها كمنظمة طلابية من خلال تصنيف فعالياتها مراراً على أنها تمثل «مخاطر أمنية».
وقال خليل إنه التقى مسؤولي الجامعة أكثر من مرة خلال الأشهر التي سبقت اعتقاله، وإنه ناشدهم دعم المجتمع الفلسطيني، لكنه لم يرَ، وفق روايته، استجابة كافية لهذه المطالب.
كما أشار إلى أن الجامعة حظرت مجموعتين طلابيتين مؤيدتين لفلسطين هما «طلاب من أجل العدالة في فلسطين» و«الصوت اليهودي من أجل السلام».
وبحسب خليل، فإن الجامعة لم تضع سلامة الطلاب الفلسطينيين ورفاههم في مقدمة أولوياتها، في وقت كان فيه مجلس الأمناء يحاول حماية توجهاته السياسية والفكرية.
جامعة كولومبيا ترد
في المقابل، تواصلت «ميدل إيست آي» مع جامعة كولومبيا للحصول على ردها على الاتهامات. وقال متحدث باسم الجامعة في بيان عبر البريد الإلكتروني إن توفير بيئة جامعية يشعر فيها جميع أفراد المجتمع الجامعي بالترحيب والدعم والأمان يمثل جزءاً أساسياً من هوية الجامعة.
وأكد المتحدث أن الجامعة تأخذ هذه المسؤولية على محمل الجد، وأنها ملتزمة بحماية مجتمعها من التمييز والتحرش، والاستجابة بصورة سريعة ومناسبة عند ظهور أي مخاوف.
وبذلك، تأتي الروايتان أمام القضاء في ظل خلاف مستمر بشأن كيفية تعامل الجامعة مع الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين، والحد الفاصل بين حماية الطلاب من التمييز من جهة، وفرض قواعد الجامعة والحفاظ على النظام داخل الحرم الجامعي من جهة أخرى.
دعوى أخرى تتهم كولومبيا باستهداف الفلسطينيين
ولا تمثل قضية خليل أول تحرك قانوني يستهدف جامعة كولومبيا بسبب طريقة تعاملها مع الطلاب والنشطاء المؤيدين لفلسطين، فقد سبق أن رفع طلاب وموظفون فلسطينيون حاليون وسابقون دعوى ضد الجامعة، اتهموها بالتمييز ضد الفلسطينيين واستهداف النشاط الطلابي المؤيد لفلسطين داخل الحرم الجامعي.
وقدمت تلك الدعوى أمام المحكمة العليا في ولاية نيويورك، وزعمت أن الجامعة عاملت الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين الفلسطينيين بصورة غير متكافئة عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس في جنوب إسرائيل، والحرب الإسرائيلية التي تلتها على قطاع غزة.
وبحسب الشكوى، فإن الجامعة «شاركت بنشاط ووسعت» ما وصفه المدعون بأنه استهداف للفلسطينيين على أساس عرقي وإثني وسياسي. كما اتهم المدعون الجامعة بالفشل في حماية أفراد المجتمع الفلسطيني من المضايقات، وفي الوقت نفسه إخضاع نشطاء مؤيدين لفلسطين لإجراءات تأديبية وصفوها بأنها غير عادلة ومنحازة.
ومن بين الوقائع التي تضمنتها الدعوى السابقة اتهام الجامعة بالاستعانة بمحققين خاصين لمراقبة طلاب شاركوا في فعالية «المقاومة 101» التي أقيمت في مارس 2024. ووفق الدعوى، عُلقت دراسة ستة طلاب لاحقاً، كما طُردوا من السكن الجامعي.
تسوية بمئات الملايين مع إدارة ترامب
وتأتي هذه الدعاوى في وقت واجهت فيه جامعة كولومبيا ضغوطاً قانونية وسياسية متزايدة بشأن تعاملها مع الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة. وفي يوليو 2025، توصلت الجامعة إلى اتفاق مع إدارة ترامب لتسوية تحقيقات فدرالية بشأن مزاعم تتعلق بانتهاك قوانين مكافحة التمييز، إلى جانب استعادة تمويل بحثي فدرالي كانت الحكومة قد جمدته.
وبموجب الاتفاق، وافقت كولومبيا على دفع 200 مليون دولار للحكومة الأميركية، إضافة إلى 21 مليون دولار أخرى لتسوية تحقيقات لجنة تكافؤ فرص العمل المتعلقة بادعاءات معاداة السامية ضد موظفين يهود. لكن الجامعة لم تعترف بارتكاب مخالفات، كما لم توافق على استنتاج الحكومة بأنها انتهكت الباب السادس من قانون الحقوق المدنية.
وفي فبراير 2026، قامت الجامعة أيضاً بتسوية دعوى منفصلة رفعها مدعون يهود اتهموا فيها كولومبيا بالفشل في حماية الطلاب اليهود والإسرائيليين من معاداة السامية.
معركة تتجاوز قضية محمود خليل
وتضع قضية محمود خليل جامعة كولومبيا أمام اختبار قانوني جديد، في وقت لا تزال فيه الجامعات الأميركية تواجه جدلاً واسعاً بشأن كيفية التعامل مع الاحتجاجات المتعلقة بالحرب في غزة.
فمنظمات فلسطينية وجماعات مدافعة عن حرية التعبير ترى أن بعض الجامعات بالغت في تقييد النشاط المؤيد لفلسطين ومعاقبة النشطاء، بينما تؤكد إدارات جامعية أن عليها مسؤولية حماية جميع الطلاب من التمييز والتحرش والتهديدات، بما في ذلك الطلاب اليهود والإسرائيليون.
وبالنسبة إلى خليل، فإن القضية لا تتعلق فقط بما حدث له بعد اعتقاله، وإنما بما يقول إنه كان بيئة جامعية سمحت بتراكم المضايقات والتهديدات قبل وصول سلطات الهجرة إليه.
أما بالنسبة إلى جامعة كولومبيا، فإن الدعوى تمثل مواجهة جديدة بشأن مسؤوليتها تجاه طلابها وحدود تدخلها في النشاط السياسي داخل الحرم الجامعي.
وبين الروايتين، تتحول قضية خليل إلى اختبار قضائي وسياسي أوسع: هل وفرت جامعة كولومبيا الحماية المتساوية لجميع طلابها، أم أن تعاملها مع النشاط المؤيد لفلسطين أدى إلى خلق بيئة سمحت بالتمييز والمضايقات؟
وستكون الإجابة عن هذه الأسئلة من اختصاص القضاء، في وقت يستمر فيه الجدل الأميركي حول حرية التعبير، وحقوق الطلاب الفلسطينيين والعرب والمسلمين، وحدود النشاط السياسي داخل الجامعات.
قد يعجبك
دعوى قضائية تتهم جامعة كولومبيا بالتمييز ضد الفلسطينيين وملاحقة النشاط المؤيد لغزة

