وطن-لم تكن نوبات التشنج جزءاً من حياة الناشطة الفلسطينية لقاء كردية قبل دخولها احتجاز سلطات الهجرة الأمريكية، لكن بعد أكثر من عام قضته خلف القضبان، تقول إن جسدها لا يزال يحمل آثار تلك التجربة.
كردية، البالغة من العمر 33 عاماً، أعلنت تعرضها لنوبة تشنج جديدة، هي الخامسة منذ الإفراج عنها في مارس 2026، مؤكدة أن هذه النوبات بدأت أثناء احتجازها لدى هيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية، المعروفة اختصاراً باسم «آيس»، واستمرت بعد خروجها.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، وقعت النوبة الأخيرة بعد وقت قصير من عودتها إلى منزلها عقب مشاركتها في ندوة أقيمت الأحد في كنيسة ريفرسايد بمدينة نيويورك. وكانت كردية تؤدي الصلاة ولا تزال ترتدي ملابس الصلاة عندما باغتتها النوبة.
وكتبت الناشطة في منشور عبر حسابها على «إنستغرام»: «كنت خائفة، منهكة، مصابة بالدوار ومشوّشة»، مضيفة أنها لم تتعرض لأي نوبة تشنج قبل احتجازها من جانب سلطات الهجرة.
368 يوماً خلف القضبان
وصلت لقاء كردية إلى الولايات المتحدة عام 2016 قادمة من الضفة الغربية المحتلة، وكانت تحمل جواز سفر صادراً عن السلطة الفلسطينية. وبدأت إقامتها في الولايات المتحدة بصفتها زائرة، قبل أن تغير وضعها إلى طالبة بعد بدء دراسة اللغة الإنجليزية.
وفي مارس 2025، توجهت كردية طوعاً إلى لقاء مع مسؤولي الهجرة في مدينة نيوارك بولاية نيوجيرسي، بعدما علمت أن أشخاصاً يعرفونها خضعوا للاستجواب بشأن حياتها، وأن عناصر من سلطات الهجرة اقتربوا أيضاً من منزلها.
وفي 13 مارس من ذلك العام، تسلمت إشعاراً للمثول أمام المحكمة، قبل أن تُنقل خلال الليل إلى منشأة احتجاز في ولاية تكساس. وبحسب «ميدل إيست آي»، أمضت كردية 368 يوماً في الاحتجاز، قبل أن يأمر قاضٍ مختص بقضايا الهجرة بالإفراج عنها في 13 مارس 2026. لكن الخروج من مركز الاحتجاز لم يكن نهاية المعاناة.
أول نوبة داخل مركز الاحتجاز
ظهرت أول نوبة تشنج لكردية علناً في فبراير 2026، عندما كانت لا تزال محتجزة في مركز «برايريلاند» بمدينة ألفارادو في ولاية تكساس. ونُقلت الناشطة لاحقاً إلى المستشفى، بعدما قالت إن حالتها الصحية تدهورت داخل مركز الاحتجاز.
وفي مقابلة سابقة مع «ميدل إيست آي» في أبريل، قالت كردية إنها أصيبت في تلك الليلة بحمى شديدة، وإن النساء المحتجزات معها طلبن من الحراس مراراً توفير أدوية مثل الإيبوبروفين أو الباراسيتامول، لكنها قالت إن طلباتهن لم تلق استجابة.
وبعد ذلك، تعرضت لنوبة تشنج. وتتذكر كردية تلك الليلة باعتبارها واحدة من أكثر اللحظات رعباً خلال فترة احتجازها، قائلة إنها اعتقدت أنها قد تموت. ووفق الصحيفة، لم تُنقل إلى المستشفى إلا بعد عدة أيام، بعدما زالت الحمى.
«لا أستطيع استعادة 368 يوماً»
بعد مرور ستة أشهر على الإفراج عنها، تقول كردية إن النوبات لم تتوقف، وإن آثار الاحتجاز ما زالت تلاحقها جسدياً ونفسياً. وكتبت أن الأيام الـ368 التي قضتها خلف القضبان لا يمكن استعادتها، وأنها لا تستطيع العودة بصورة كاملة إلى حياتها الطبيعية.
كما عبّرت عن عدم معرفتها بما إذا كانت ستتعافى يوماً من الصدمة والمرض اللذين تقول إنهما ظهرا خلال فترة احتجازها. وتؤكد الناشطة أن عدم تعرضها لنوبات مماثلة قبل الاحتجاز يجعلها تربط بين حالتها الحالية والتجربة التي مرت بها داخل مركز الهجرة.
مخاوف أوسع بشأن الرعاية الطبية
قضية لقاء كردية تأتي في وقت تتزايد فيه الانتقادات المتعلقة بمستوى الرعاية الصحية داخل مراكز احتجاز المهاجرين التابعة لسلطات الهجرة الأمريكية.
وتقول منظمات حقوقية وطبية إن بعض المحتجزين يواجهون صعوبات في الحصول على الأدوية والعلاج، بينما تتحدث تقارير عن حالات تأخر فيها تقديم الرعاية الطبية أو لم يحصل فيها محتجزون على علاجاتهم المعتادة.
وذكرت «ميدل إيست آي» حالات أخرى أثارت مخاوف بشأن الرعاية الطبية في مراكز الاحتجاز. ومن بينها حالة السوري عماد صيفو، البالغ من العمر 65 عاماً، والذي احتجزته سلطات الهجرة في نيوجيرسي في يوليو.
وقالت عائلته للصحيفة إن بعض أدويته لم تُسجل بصورة صحيحة عند دخوله مركز الاحتجاز، ما أدى إلى عدم حصوله على علاجه المعتاد وتدهور حالته الصحية خلال فترة احتجازه التي استمرت أسبوعين.
وتشير هذه الحالة إلى مشكلة محتملة تواجه أشخاصاً يدخلون مراكز الاحتجاز وهم يعتمدون على أدوية منتظمة، إذ إن عدم تسجيل الدواء أو الوصول إليه قد يؤدي إلى انقطاع العلاج.
أدوية بقيت داخل الحقيبة
قالت كردية للصحيفة إن محتجزة كانت معها في الغرفة نفسها احتفظت بأدويتها عند توقيفها، لكن الضباط لم يسجلوها، وبقيت الأدوية داخل حقيبتها التي صودرت منها.
وبحسب رواية كردية، لم تكن المشكلة مرتبطة بتوفير دواء جديد فقط، وإنما أيضاً بعدم السماح لبعض المحتجزين بالوصول إلى أدوية كانوا يستخدمونها بالفعل.
وتسلط هذه الشهادات الضوء على أهمية الرعاية الطبية المستمرة للأشخاص الذين يدخلون مراكز الاحتجاز وهم يعانون أمراضاً مزمنة أو يحتاجون إلى علاج منتظم.
إضراب عن الطعام وانتقادات لظروف الاحتجاز
ولم تقتصر الانتقادات على الجانب الطبي. ففي مركز «ديلاني هول» بمدينة نيوارك، دخل محتجزون في إضراب عن الطعام في وقت سابق من العام احتجاجاً على ظروف الاحتجاز، بما في ذلك ما وصفوه بعدم كفاية الطعام وضعف الرعاية الطبية.
وذكرت الصحيفة أن نواباً زاروا المنشأة في مايو ونقلوا عن محتجزين شكاوى بشأن حجم الوجبات. كما قال النائب جيري نادلر للصحفيين إن بعض المحتجزين تحدثوا عن وجود ديدان في بعض الوجبات. وفي المقابل، نفت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية الاتهامات المتعلقة بسوء الأوضاع داخل المنشأة.
تقرير يحذر من «الإهمال الطبي»
وفي مارس، نشرت منظمة «مشروع فلورنس» تقريراً تناول أوضاع الرعاية الطبية في مراكز احتجاز سلطات الهجرة. وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، وثق التقرير حالات وصفتها المنظمة بأنها «إهمال طبي»، وتحدث عن زيادة مقلقة في عدد الأشخاص الذين يعانون مشكلات صحية خطيرة أو أمراضاً مزمنة أثناء الاحتجاز.
وشملت الحالات التي أوردها التقرير امرأة بدأت تعاني نوبات تشبه التشنجات بعد احتجازها، ونساء حوامل لم يحصلن، بحسب التقرير، على الرعاية المناسبة قبل الولادة.
كما تحدث التقرير عن امرأة كانت بحاجة إلى جراحة لإصلاح كسر في الكاحل قبل احتجازها في بداية عام 2025، وقال إن إصابتها بقيت من دون علاج مناسب، مع استمرار الألم.
وتقدم هذه الحالات، بحسب المنظمة، صورة عن مخاطر يمكن أن يواجهها المرضى عندما لا يحصلون على العلاج المطلوب داخل مراكز الاحتجاز.
«لا ينبغي أن يخرج أحد بصحة متضررة»
وفي تعليقها على حالة لقاء كردية، قالت سالي بيلاي، المديرة التنفيذية لمؤسسة «مامي تشيلو»، لـ«ميدل إيست آي» إن رواية الناشطة تثير «قلقاً بالغاً».
وأضافت أن المنظمة تسمع بصورة متكررة من أشخاص داخل احتجاز الهجرة شكاوى بشأن تأخر طلبات الرعاية الطبية أو تجاهلها، إلى أن تتحول الحالات إلى أوضاع طارئة.
وترى بيلاي أن احتجاز المهاجرين لا ينبغي أن يؤدي إلى أضرار صحية دائمة بسبب عدم حصول المحتجز على الرعاية الطبية المناسبة في الوقت المناسب.
أما بالنسبة إلى كردية، فإن آثار الاحتجاز لم تنته مع فتح أبواب السجن. فهي تقول إنها تحمل اليوم آثار التجربة في جسدها وذاكرتها، وإن النوبات التي بدأت داخل الاحتجاز ما زالت تلاحقها بعد الإفراج عنها.
وتختصر الناشطة تجربتها بالقول إنها تدفع ثمن رفع صوتها، ليس فقط في حياتها العامة، وإنما في جسدها أيضاً.
وبين روايتها والانتقادات الحقوقية المتزايدة لظروف احتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة، تفتح حالة لقاء كردية سؤالاً أكبر: ماذا يحدث للمحتجز عندما تنتهي فترة سجنه، لكن آثارها الصحية والنفسية تستمر معه خارج القضبان؟
قد يعجبك
سلطات الهجرة الأميركية تعتقل جاسوسة إسرائيلية سابقة في الولايات المتحدة
قاضية أمريكية تتحدى ترامب وتلغي قيود تأشيرات الهجرة لـ75 دولة..
الولايات المتحدة تعيد رسم طريق البطاقة الخضراء.. الهجرة تدخل عصر التدقيق المالي والاجتماعي
اعتقال معارضة إيرانية بتهمة صلة القرابة بسليماني في حملة مداهمات أمريكية: حين يخطئ “الذكاء” الأمني!

