وطن-اندلعت احتجاجات في عدد من المناطق السورية عقب قرار حكومي برفع أسعار الوقود، في خطوة أثارت غضباً شعبياً واسعاً في بلد يعاني أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، قطع محتجون طرقاً رئيسية وأشعلوا الإطارات، فيما شهدت بعض المناطق تحركات لمنع صهاريج النفط من المرور، وسط مطالب بالتراجع عن قرار رفع الأسعار ودعوات إلى استقالة وزير الطاقة محمد البشير.
زيادات كبيرة في أسعار المحروقات
وجاءت الاحتجاجات بعد إصدار اللجنة الدائمة لتسعير المنتجات البترولية والثروات المعدنية في سوريا نشرة أسعار مؤقتة جديدة دخلت حيز التنفيذ عند منتصف ليل الأحد.
وبحسب الأرقام التي نقلتها «ميدل إيست آي»، ارتفع سعر ليتر البنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية، فيما بلغ سعر البنزين أوكتان 90 نحو 185 ليرة، بزيادة قالت الصحيفة إنها وصلت إلى 28%.
أما الديزل، أو المازوت، فشهد الزيادة الأكبر، إذ ارتفع سعر الليتر من 125 إلى 175 ليرة سورية، أي بنسبة تقارب 40%.
وأثار هذا الارتفاع مخاوف من انعكاس مباشر على تكاليف النقل والزراعة والصناعة، وبالتالي على أسعار السلع والخدمات الأساسية، في ظل الضغوط الاقتصادية التي يواجهها السكان.
الطريق الدولي بين حلب ودمشق تحت الاحتجاج
وأظهرت مقاطع مصورة، وفق ما نقلته الصحيفة، محتجين وهم يغلقون أجزاء من الطريق الدولي «إم 5» الذي يربط حلب بدمشق، مع إشعال الإطارات ورفع شعارات تطالب الحكومة بالتراجع عن قرار رفع أسعار الوقود.
كما امتدت الاحتجاجات إلى مدينة خان شيخون ومناطق أخرى في محافظة إدلب، في حين شهدت أجزاء من شمال شرقي سوريا تحركات مماثلة، شملت مناطق في ريف الحسكة والرقة.
وتحدثت تقارير محلية عن منع صهاريج نفط من المرور في بعض النقاط، في وقت أظهرت فيه صور نشرتها وكالة «رويترز» محتجين يشعلون الإطارات ويغلقون الطريق المؤدي إلى الحدود التركية.
الحكومة: ضغوط الاستيراد وراء القرار
في المقابل، بررت وزارة الطاقة السورية رفع الأسعار بالضغوط التي تواجهها سوق الطاقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف تأمين الإمدادات.
وقال وزير الطاقة محمد البشير إن القرار جاء نتيجة مجموعة من العوامل المرتبطة بالأسواق العالمية وظروف إمدادات الطاقة داخل سوريا.
وبحسب البيانات التي نقلتها «ميدل إيست آي» عن وزارة الطاقة، تحتاج سوريا إلى نحو 300 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات النفطية، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي نحو 100 ألف برميل يومياً.
ويعني هذا الفارق اعتماداً كبيراً على الاستيراد لتأمين احتياجات السوق المحلية، ما يجعل أسعار الوقود أكثر حساسية للتغيرات التي تطرأ على الأسواق العالمية وتكاليف النقل والشحن.
المازوت المستورد يمثل جزءاً كبيراً من الإمدادات
وأشارت وزارة الطاقة، وفق الصحيفة، إلى أن الوقود المستورد يشكل نحو 60% من إمدادات الديزل اليومية.
وبحسب الأرقام التي أوردتها الوزارة، يبلغ استهلاك سوريا نحو 7.72 مليون ليتر من الديزل يومياً، منها حوالي 4.63 مليون ليتر مستوردة، مقابل نحو 3.09 مليون ليتر يتم إنتاجها محلياً.
كما أوضحت الوزارة أن جزءاً من النفط الخام المنتج داخل البلاد يتميز بكونه ثقيلاً ولا يتوافق بصورة كاملة مع إمكانات المصافي الموجودة ومواصفاتها، وهو ما يحد من قدرة الإنتاج المحلي على تغطية الطلب على المشتقات النفطية.
الحرب والتوترات الإقليمية تزيدان الضغط
وربطت الحكومة ارتفاع تكاليف الاستيراد أيضاً بالاضطرابات التي تشهدها المنطقة، وما تسببت به من ارتفاع تكاليف النقل والشحن واضطراب طرق إمدادات الطاقة.
وأشارت وزارة الطاقة إلى تأثير الحرب بين الولايات المتحدة وإيران والتوترات المحيطة بممرات الملاحة الرئيسية، في وقت تواجه فيه المنطقة اضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر وخليج عدن.
وتقول الحكومة إن هذه الظروف رفعت تكلفة تأمين المشتقات النفطية المستوردة، في وقت تعاني فيه سوريا أصلاً من محدودية الإنتاج المحلي وتراجع قدرات التكرير.
صيانة مصفاة بانياس تضغط على الإمدادات
ومن العوامل الداخلية التي استندت إليها وزارة الطاقة أعمال الصيانة الجارية في مصفاة بانياس، إحدى المنشآت الرئيسية لتكرير النفط في سوريا.
وبحسب الوزارة، من المتوقع أن تستمر أعمال الصيانة لنحو شهرين، وهو ما يزيد مؤقتاً الحاجة إلى استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجات السوق.
وتأمل السلطات أن يؤدي استكمال أعمال الصيانة إلى تحسين قدرات التكرير وتقليل الضغط على واردات الوقود، لكن القرار الحالي جاء في توقيت حساس بالنسبة إلى المواطنين الذين يواجهون أصلاً ارتفاعاً في تكاليف المعيشة.
الاحتجاجات تنتقل إلى مجلس الشعب
ولم تتوقف تداعيات القرار عند الشارع، إذ دفع الغضب المتصاعد مجلس الشعب السوري إلى استدعاء وزير الطاقة محمد البشير لمساءلته بشأن رفع أسعار الوقود وتأثيراته على المواطنين.
وبحسب ما نقلته قناة «الإخبارية السورية»، وافق المجلس على عقد جلسة للمساءلة بناءً على طلب رئيس لجنة الطاقة، على أن يقدم الوزير توضيحات حول أسباب القرار والظروف الاقتصادية والفنية التي دفعت الحكومة إلى اعتماد الأسعار الجديدة.
ومن المقرر أن تتناول الجلسة أيضاً تداعيات القرار على قطاعات النقل والزراعة والصناعة، في ظل المخاوف من انتقال الزيادة في أسعار الوقود سريعاً إلى أسعار السلع والخدمات.
قرار مؤقت.. وغضب مستمر
وأكدت وزارة الطاقة أن الأسعار الجديدة مؤقتة وقابلة للمراجعة وفق تطورات الأسواق العالمية وتغير تكاليف الاستيراد، ما يعني أن الحكومة لا تقدم الزيادة الحالية باعتبارها سعراً نهائياً أو دائماً.
لكن بالنسبة إلى المحتجين، لا يتعلق الأمر فقط بسعر ليتر البنزين أو المازوت، وإنما بتأثير الزيادة على تفاصيل الحياة اليومية، من أجور النقل إلى أسعار الغذاء والخدمات.
وبين محاولة الحكومة التعامل مع أزمة إمدادات الطاقة وارتفاع كلفة الاستيراد، وتصاعد الغضب الشعبي من تدهور القدرة الشرائية، تبدو السلطات السورية أمام اختبار اقتصادي وسياسي في آن واحد. فكل زيادة في أسعار الوقود يمكن أن تتحول سريعاً إلى زيادة أوسع في تكاليف الحياة، بينما يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت الإجراءات الحكومية قادرة على معالجة أزمة الطاقة من دون تحميل المواطنين وحدهم كلفتها.
اقرأ أيضاً
واشنطن ترفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. خطوة تاريخية وسط توتر مع إسرائيل
ناقلات النفط تحصد 510 آلاف دولار يومياً وسط توتر مضيق هرمز.. حرب الخليج تقلب سوق الشحن العالمي

