وطن-في مشهد إنساني لافت، شهدت العاصمة القطرية الدوحة جنازة مهيبة للأكاديمي الكندي المسلم ديفيد بوكر، الذي اعتنق الإسلام في قطر واختار الإقامة فيها، قبل أن يتوفى بعيدًا عن أسرته وبلده.
لكن الرجل الذي رحل عن الدنيا دون أن تكون أسرته إلى جواره، لم يرحل وحيدًا. فقد تحولت الدعوات التي انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي لحضور جنازته إلى مشهد حاشد، شارك فيه مواطنون ومقيمون، ليجد بوكر في لحظاته الأخيرة مجتمعًا احتضنه وودّعه بالدعاء.
دعوة بسيطة تحولت إلى جنازة حاشدة
بدأت القصة الخميس، عندما انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي في قطر دعوات للمشاركة في صلاة الجنازة على بوكر ودفنه في مقبرة مسيمير.
وأوضحت الدعوات أن بوكر كان حديث العهد بالإسلام، وأن أسرته ليست موجودة في الدوحة، داعية المسلمين إلى الحضور والصلاة عليه وتشييع جثمانه.
وجاء في أحد النداءات: «انتقل إلى رحمة الله أخونا ديفيد، كان مسلمًا جديدًا وليس له أهل في الدوحة، نرجو من إخوانه حضور صلاة الجنازة والدفن».
لم تمر الدعوة مرورًا عابرًا، إذ سرعان ما تفاعل معها عدد كبير من المواطنين والمقيمين، وامتلأ المسجد بالمصلين، بينما امتدت الصفوف إلى خارجه، في مشهد عكس حجم التعاطف مع الرجل الذي لم تكن أسرته قريبة منه في تلك اللحظة.
من كندا إلى قطر
كان ديفيد بوكر أستاذًا جامعيًا كنديًا، اعتنق الإسلام في قطر واختار أن يعيش فيها، كما عُرف باهتمامه بالدين ومشاركته في مشاريع ذات طابع إسلامي، وفق ما ورد في الدعوات التي سبقت جنازته.
وبعيدًا عن التفاصيل الكثيرة حول حياته الخاصة، بقيت واحدة من أبرز المعلومات المتداولة عنه أنه اختار أن يجعل قطر موطنًا له بعد اعتناقه الإسلام، قبل أن تنتهي حياته فيها بعيدًا عن أسرته في بلده الأصلي.
وهكذا، فإن الرجل الذي جاء من بلد بعيد واستقر في مجتمع مختلف عنه من حيث اللغة والثقافة والخلفية، وجد في لحظة رحيله حضورًا واسعًا من أشخاص لم تجمعه بهم صلة قرابة أو دم.
«لم يكن غريبًا»
في مقبرة مسيمير، تجمع مئات المشيعين حول جثمان بوكر، وشاركوا في حمله على الأكتاف وتشييعه إلى مثواه الأخير.
وأظهرت المقاطع والصور المتداولة صفوفًا كبيرة من المصلين والمشيعين، في مشهد سرعان ما انتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي وأثار تفاعلًا واسعًا.
ووصف دعاة ومدونون المشهد بأنه تجسيد عملي لمعاني التراحم والتكافل وأخوّة الإسلام، مؤكدين أن الرجل الذي رحل بعيدًا عن أسرته لم يكن وحيدًا في جنازته.
وقال الداعية سالم القحطاني، في تعليق على المشهد، إن مثل هذه الجموع نادرًا ما تُرى، مشيرًا إلى امتلاء المسجد بالمصلين ووصول الصفوف إلى الشارع.
حين تتحول الأخوّة إلى فعل
لم تكن جنازة بوكر مجرد مراسم لدفن رجل توفي في بلد أجنبي، بل تحولت بالنسبة إلى كثيرين إلى صورة رمزية لمعنى الانتماء الذي يمكن أن يتجاوز روابط الدم والجنسية.
فقد جاء المشيعون استجابة لنداء لم يكن موجّهًا إلى عائلة أو قبيلة أو دائرة اجتماعية محددة، وإنما إلى أفراد المجتمع للمشاركة في وداع رجل اعتنق الإسلام واختار أن يعيش بين المسلمين.
وفي هذا المشهد، بدت عبارة «غاب أهله.. فكان أهل قطر أهله» أكثر من مجرد عنوان مؤثر؛ إذ اختصر بها متابعون للمشهد حالة التضامن التي ظهرت في جنازته.
جنازة تختصر قصة حياة
لم يكن بوكر من أبناء قطر، ولم تكن أسرته موجودة إلى جواره عند وفاته، لكنه اختار أن يعيش في هذا البلد بعد اعتناقه الإسلام.
وعندما جاء وقت الرحيل، كان المشهد مختلفًا عن لحظة وفاته بعيدًا عن أسرته؛ إذ أحاط به مواطنون ومقيمون، وصلّوا عليه، وحملوا جثمانه، ورافقوه إلى مثواه الأخير.
وقد لاقت هذه الصور تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثيرون فيها مثالًا على قدرة المجتمعات على احتضان الإنسان بعيدًا عن أصله وجنسيته، وعلى أن روابط الانتماء قد تتشكل أحيانًا خارج إطار العائلة والدم.
«غاب ذووه.. فكان أهل قطر ذووه»
في النهاية، لم تكن قصة ديفيد بوكر مجرد خبر عن وفاة أكاديمي كندي اعتنق الإسلام في قطر، بل قصة عن الطريقة التي يمكن أن تتغير بها صورة الإنسان عن الوطن والأهل والانتماء.
جاء من كندا، واختار قطر موطنًا له، وعندما رحل عنها لم يكن إلى جواره أقرباؤه، لكن أعدادًا كبيرة من المواطنين والمقيمين حضرت لتوديعه.
وهكذا، غاب ذووه عن جنازته، لكن آخرين حملوا جثمانه، وصلّوا عليه، ودعوا له، ورافقوه حتى مثواه الأخير. وفي مشهد اختصر القصة كلها، بدا ديفيد بوكر في جنازته بعيدًا عن وطنه الأول، لكنه لم يكن غريبًا في وطنه الذي اختاره.
اقرأ المزيد
مجلس العلاقات الإسلامية يصنف رودي جولياني “متطرفاً معادياً للمسلمين” بعد تصريحات عنصرية ضد مامداني
تكساس تفرض منهجاً عن الأديان يصف الإسلام بـ”الراديكالي” و”الوحشي”
فرنسا تجدد الجدل حول تنظيم الإسلام: اتهامات للنصوص الدينية وإغلاق مساجد جديدة

