وطن-في أسواق دبي القديمة، لا تزال روائح الزعفران والكمون تعبق في الأزقة، بينما تملأ أكياس الفستق واللوز الإيراني واجهات المتاجر، في مشهد يبدو وكأن المسافة بين ضفتي الخليج قادرة على تجاوز الحرب والعقوبات والتوترات السياسية المتصاعدة.
ورغم إعلان الإمارات، الشهر الماضي، تعليق التبادلات التجارية والمالية مع إيران، في خضم تصاعد التوترات المرتبطة بالهجمات الأميركية والرد الإيراني واستهداف دولة حليفة لواشنطن، إلى جانب تشديد طهران قبضتها على مضيق هرمز الاستراتيجي، تكشف أسواق دبي القديمة عن واقع أكثر تعقيداً من القرارات الرسمية.
تجارة يصعب قطعها
بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، لا يعتقد التجار الإيرانيون الذين استقروا في دبي القديمة منذ عقود أن الروابط التجارية التي نشأت بين المركز الاقتصادي الإماراتي وجنوب إيران يمكن أن تنقطع بسهولة، حتى في ظل الحرب والعقوبات والضغوط السياسية.
في محال البهارات والمكسرات، يقر التجار بأن بعض المنتجات الإيرانية أصبحت أقل توافراً منذ اندلاع الحرب، فيما ارتفعت أسعار منتجات أخرى بصورة ملحوظة. لكن الانقطاع الكامل للتجارة لم يحدث.
ويقول مرتضى أسعدي، الذي يدير متجر البقالة الذي أسسه والده عام 1963، إن السوق تأثر بالفعل، لكنه يؤكد أن البضائع لا تزال تصل.
وبحسب الوكالة، ما زالت معظم المواد الغذائية التقليدية متوافرة في الأسواق، من بينها المكسرات وحبوب «زرشك»، وهي ثمار حمراء صغيرة تشتهر باستخدامها في المطبخ الفارسي. ويختصر أسعدي المشهد قائلاً: «البضاعة تصل. كيف؟ لا أعرف، لكنها تصل».
موانئ عُمانية بدل الطرق المعتادة
وتكشف شهادات تجار الجملة عن استمرار بعض قنوات التوريد بصورة غير مباشرة. وقال تاجران لوكالة الصحافة الفرنسية، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما، إنهما لا يزالان يحصلان على بضائع من إيران، خصوصاً عبر موانئ عُمانية.
وأوضح أحدهما أن التجار لم يعودوا قادرين على التصدير من الإمارات بالطريقة المعتادة، لكن بعض السلع لا تزال تدخل إلى السوق عبر مسارات أخرى.
ولا تقتصر هذه التجارة على المواد الغذائية وحدها. ففي متجر ياسر المتخصص في بيع الزعفران، لا يزال هذا المنتج الإيراني مرتفع الثمن يصل جواً من مدينة مشهد شمال شرقي إيران، بعد استئناف الرحلات الجوية التي توقفت لفترة قصيرة.
وهكذا يبقى الزعفران الإيراني حاضراً في أسواق دبي، رغم الاضطرابات السياسية والقيود المفروضة على التجارة.
جالية إيرانية وشبكات عمرها عقود
تضم دبي جالية إيرانية كبيرة، تُقدَّر بمئات الآلاف، وأسهمت على مدى عقود في تنشيط الحركة التجارية في الإمارة، كما حافظت على روابط اقتصادية واجتماعية عابرة للخليج رغم تكرار الأزمات بين أبوظبي وطهران.
ومنذ تشديد الولايات المتحدة عقوباتها على إيران عام 2012، عملت شبكات الأعمال الإيرانية في دبي على إبقاء خطوط التجارة مفتوحة.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مهران حقيريان، من مؤسسة «بورصة وآ بازار» البحثية في لندن، أن التجار الإيرانيين تمكنوا آنذاك من إقناع شركائهم في أبوظبي بأن استمرار التجارة، رغم العقوبات، يصب أيضاً في مصلحة الاقتصاد الإماراتي.
وتكشف أرقام التجارة عن حجم هذه العلاقة. ففي عام 2024، كانت الإمارات البوابة الرئيسية لدخول السلع إلى إيران، إذ استحوذت على أكثر من 30 في المئة من وارداتها، بقيمة بلغت نحو 21 مليار دولار.
وفي المقابل، كانت الإمارات ثالث أكبر وجهة للصادرات الإيرانية، مستقبلة نحو 12 في المئة منها، بقيمة تجاوزت 7 مليارات دولار، وفق بيانات منظمة التجارة العالمية التي أوردتها الوكالة.
دبي تحت الرقابة الأميركية
هذا الحجم من النشاط جعل دبي مركزاً مالياً وتجارياً مهماً للشركات الإيرانية، لكنه وضعها أيضاً تحت رقابة أميركية متواصلة. وتتهم واشنطن جهات عاملة في الإمارة بالمشاركة في شبكات مالية وتجارية تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات المفروضة عليها.
وفي إطار سياسة الضغط الاقتصادي على طهران، أعلنت الولايات المتحدة في نهاية أغسطس إجراءات جديدة استهدفت شركاء تجاريين لإيران، كما فرضت عقوبات على مدير فرع بنك «ملي» الإيراني في دبي.
ومع ذلك، لا تزال المؤسسة تستقبل العملاء. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن أحد موظفي فرعي البنك في دبي قوله: «نحن تحت العقوبات منذ سنوات».
وتعكس هذه العبارة مدى اعتياد بعض المؤسسات والتجار في دبي على العمل في بيئة تتداخل فيها العقوبات الدولية مع علاقات تجارية عمرها عقود.
قرار سياسي لا ينهي العلاقات التجارية
ويرى مهران حقيريان أن إعلان أبوظبي تعليق العلاقات مع إيران يأتي في إطار جهود تهدف إلى دفع طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، وإظهار اصطفاف الإمارات مع الولايات المتحدة خلال مرحلة شديدة الحساسية.
لكن القرار الرسمي لا يعني بالضرورة أن جميع التدفقات التجارية غير الرسمية أو العلاقات بين القطاع الخاص ستتوقف فوراً.
فهذه الروابط، بحسب ما نقلته الوكالة، تمتد عميقاً على جانبي الخليج، وتستند إلى علاقات عائلية وتجارية تشكلت قبل عقود، ما يجعل تفكيكها أكثر تعقيداً من مجرد إصدار قرار سياسي.
ويحذر حقيريان من أن استمرار القطيعة لفترة طويلة قد يترك أثراً على اقتصاد دبي، لأن جزءاً من النشاط التجاري المرتبط بإيران لا يمكن تعويضه بسهولة.
الأمن أولاً
في المقابل، قلل رجل الأعمال الإماراتي والمسؤول السابق في دبي ناصر الشيخ من حجم هذه المخاوف خلال مؤتمر عقد في الإمارة، معتبراً أن إيران «لم تعد مهمة لاقتصاد دبي كما كانت قبل سنوات».
لكنه أقر في الوقت نفسه بأن العلاقة بين الجانبين كانت قائمة على منفعة متبادلة. وقال الشيخ، وفق وكالة الصحافة الفرنسية، إن «في أوقات الحرب تتغير الأولويات»، مؤكداً أن «الأمن القومي يأتي أولاً».
وتعكس هذه التصريحات التحول في الحسابات الإماراتية، حيث قد تتراجع المصالح الاقتصادية أمام اعتبارات الأمن والسياسة في ظل تصاعد المواجهة الإقليمية.
مياه الخليج لا تقطعها القرارات
ورغم ذلك، لا يبدو أن التجار في أسواق دبي القديمة مستعدون للتسليم بسهولة بانتهاء مرحلة طويلة من التجارة مع إيران. ففي متجره في بر دبي، يبدي مرتضى أسعدي ثقة بأن العلاقات التجارية ستتمكن من تجاوز الأزمة الحالية، كما تجاوزت أزمات سابقة.
ويشير أسعدي إلى مياه الخليج التي تفصل الإمارات عن السواحل الجنوبية لإيران، قائلاً: «هل ترى الماء هناك؟ الماء يستطيع أن يشق الجبل».
وربما تختصر هذه العبارة طبيعة العلاقة الاقتصادية بين دبي وإيران: علاقة يمكن أن تتأثر بالحرب والعقوبات والقرارات السياسية، لكنها تستند إلى جغرافيا قريبة وشبكات تجارية واجتماعية تشكلت على مدى عقود.
وفي الوقت الذي تستطيع فيه الحكومات تعليق العلاقات الرسمية أو تشديد القيود، تبدو إزالة هذه الروابط بالكامل أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تكون التجارة قد أصبحت جزءاً من النسيج الاقتصادي والاجتماعي للطرفين.
اقرأ أيضاً
إيران تعلن تحويل 7.5 مليارات دولار من عائدات النفط إلى البنك المركزي رغم الحصار الأمريكي
الإمارات تتحدى مضيق هرمز.. “أدنوك” تستثمر 8 مليارات دولار لتوسيع صادرات الغاز

