وطن-تتحرك الإمارات لإعادة رسم خريطة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، عبر خطة توسع ضخمة تقودها شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك»، في خطوة لا تبدو تجارية فقط، بل تحمل أبعاداً استراتيجية مرتبطة بتقليل اعتماد صادرات الطاقة على مضيق هرمز.
وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد المخاطر الأمنية في الخليج، وتحول المضيق إلى نقطة ضغط رئيسية على حركة ناقلات النفط والغاز، الأمر الذي يدفع دول المنطقة إلى البحث عن طرق بديلة لتصدير الطاقة إلى الأسواق العالمية.
«أدنوك» تستثمر 8 مليارات دولار في الغاز
أعلنت «أدنوك» استثمار نحو 8 مليارات دولار لتوسيع أعمالها في قطاع الغاز، في إطار خطة تستهدف رفع القدرات الإنتاجية والتصديرية للإمارات وتعزيز حضورها في سوق الغاز الطبيعي المسال.
وتتضمن الخطة إنشاء وحدة جديدة لمعالجة الغاز في منشأة حبشان، التي تعد من أكبر منشآت معالجة الغاز الطبيعي في الإمارات، إلى جانب تطوير منشأة لتصدير الغاز في الرويس.
ومن شأن هذه المشاريع أن تمنح أبوظبي قدرة أكبر على الاستفادة من الطلب العالمي المتزايد على الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً في الأسواق الآسيوية والأوروبية.
مشروع الرويس يرفع قدرة الإمارات التصديرية
يشكل مشروع الرويس أحد أبرز مكونات استراتيجية الإمارات الجديدة في قطاع الغاز. وتعمل «أدنوك للغاز» على توسيع قدراتها التصديرية من خلال المشروع، بما يتيح رفع الطاقة التصديرية إلى نحو 15 مليون طن سنوياً، أي أكثر من ضعف مستوياتها السابقة.
لكن التطور الأكثر أهمية يتمثل في دراسة إنشاء منشأة لتصدير الغاز الطبيعي المسال خارج نطاق مضيق هرمز، وهي خطوة تعكس إدراك أبوظبي للمخاطر التي يمكن أن تواجهها حركة ناقلات الطاقة في حال تصاعد التوترات الإقليمية.
لماذا تريد الإمارات تجاوز مضيق هرمز؟
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في تجارة الطاقة العالمية، وأي اضطراب في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس سريعاً على أسواق النفط والغاز وأسعار الطاقة.
وتعتمد نسبة كبيرة من صادرات الطاقة الخليجية على المرور عبر المضيق، ما يجعل أمنه مسألة تتجاوز دول المنطقة لتصل تداعياتها إلى الأسواق العالمية.
ولهذا تسعى الإمارات إلى امتلاك خيارات إضافية تسمح لها بتصدير الطاقة حتى في حال تعرض حركة الملاحة عبر المضيق لاضطرابات.
الفجيرة.. الورقة الإماراتية الأقوى
تمتلك الإمارات بالفعل ميزة استراتيجية تتمثل في خط أنابيب النفط الذي يصل إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، خارج مضيق هرمز.
وقد منح هذا المسار أبوظبي قدرة على نقل جزء من صادراتها النفطية إلى الأسواق العالمية من دون الاعتماد الكامل على المرور البحري عبر المضيق.
وتعمل الإمارات كذلك على تطوير بنية تحتية إضافية تصل إلى الفجيرة، بما يمكن أن يعزز قدراتها التصديرية ويحوّل الميناء إلى مركز أكثر أهمية في تجارة الطاقة الإقليمية.
وبذلك، لا تقتصر استراتيجية أبوظبي على زيادة إنتاج النفط والغاز، وإنما تشمل أيضاً بناء طرق ومنافذ بديلة للتصدير.
قطر تواجه المعادلة نفسها
لا تقتصر مخاطر مضيق هرمز على الإمارات وحدها. فقطر، التي تعد من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، تعتمد بصورة أساسية على النقل البحري للوصول إلى الأسواق الدولية، ما يجعل أمن الملاحة في الخليج عاملاً بالغ الأهمية بالنسبة إلى صادراتها.
وقد أثارت التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة مخاوف بشأن مستقبل حركة ناقلات الغاز، في وقت تحاول فيه الدول الخليجية تقليل تعرض منشآتها وشحناتها لمخاطر الصراعات الإقليمية.
وهنا يظهر الاختلاف بين وضع الإمارات وقطر؛ إذ تمتلك أبوظبي بنية تحتية تسمح لها بتجاوز مضيق هرمز جزئياً في صادرات النفط، بينما يبقى قطاع الغاز أكثر ارتباطاً بالبنية البحرية ومسارات الناقلات.
الإمارات تعيد حساباتها في سوق الطاقة
تأتي استراتيجية «أدنوك» الجديدة بالتزامن مع توجه إماراتي أوسع لزيادة الإنتاج والاستفادة من القدرات التي استثمرت فيها أبوظبي مليارات الدولارات خلال السنوات الماضية.
وترتبط هذه السياسة أيضاً بإعادة ترتيب موقع الإمارات داخل سوق النفط العالمي، خصوصاً بعد خروجها من منظمة «أوبك» في مايو 2026، وهو قرار فتح الباب أمام أبوظبي لتبني سياسة إنتاج أكثر استقلالية.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى ارتفاع الإنتاج النفطي الإماراتي إلى مستويات قياسية، ما يعكس رغبة الدولة في استثمار قدراتها الإنتاجية بدلاً من إبقائها غير مستغلة.
سباق خليجي لتجاوز هرمز
الإمارات ليست الدولة الخليجية الوحيدة التي تبحث عن طرق بديلة. فالسعودية تمتلك خط أنابيب الشرق-الغرب، الذي يسمح بنقل النفط إلى البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز، بينما تبحث دول أخرى عن مشاريع مماثلة لتقليل اعتمادها على الممر البحري الحيوي.
وفي العراق، ظهرت أيضاً مشاريع لإعادة فتح مسارات تصدير عبر سوريا وصولاً إلى البحر المتوسط، في محاولة لمنح بغداد خياراً إضافياً بعيداً عن الخليج.
ويعكس ذلك اتجاهاً إقليمياً متنامياً: تقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة في تجارة الطاقة.
مليارات الدولارات لتأمين صادرات الطاقة
ويرى محللون أن المخاطر الأمنية المتزايدة حول مضيق هرمز يمكن أن تدفع دول الخليج إلى ضخ عشرات المليارات من الدولارات في خطوط الأنابيب وموانئ التصدير والمنشآت البرية خلال السنوات المقبلة.
فالاستثمار في هذه البنية التحتية لا يتعلق فقط بزيادة الطاقة التصديرية، بل بتأمين القدرة على استمرار تدفق النفط والغاز حتى في أسوأ السيناريوهات الأمنية.
وهذا يجعل الفجيرة والرويس وحبشان وغيرها من المنشآت الإماراتية جزءاً من استراتيجية أكبر لإعادة توزيع المخاطر في قطاع الطاقة.
الإمارات أمام مرحلة جديدة
وتكشف استثمارات «أدنوك» أن أبوظبي لا تنظر إلى الغاز الطبيعي المسال باعتباره مجرد قطاع اقتصادي قابل للنمو، بل كأداة استراتيجية لتعزيز مكانتها في سوق الطاقة العالمي.
فزيادة الإنتاج، وتوسيع منشآت المعالجة، ورفع قدرات تصدير الغاز، وتطوير موانئ بديلة، كلها تتحرك في اتجاه واحد: منح الإمارات قدرة أكبر على التحكم في مسارات صادراتها وتقليل تعرضها للصدمات الجيوسياسية.
ومع استمرار التوترات حول مضيق هرمز، قد تتحول هذه المشاريع من مجرد خطط استثمارية إلى مكونات أساسية في أمن الطاقة الخليجي.
وبينما يظل مضيق هرمز أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية، يبدو أن أبوظبي تريد أن يكون لديها طريق آخر عندما يصبح المرور عبر المضيق أكثر خطورة.
اقرأ المزيد
هجمات الحوثيين على ناقلات النفط السعودية تضغط على صادرات الرياض عبر البحر الأحمر
ثورة إنتاج لعام 2026: كيف قفزت الإمارات إلى الرقم القياسي 4.1 ملايين برميل يومياً خارج مظلة أوبك؟
صندوق الـ 300 مليار دولار: كيف يرسم الاتفاق الأمريكي الإيراني الجديد خريطة المنطقة؟

