وطن-في العاشر من سبتمبر من كل عام، يحيي العالم اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، في مناسبة تهدف إلى زيادة الوعي بأهمية الوقاية والانتباه إلى الإشارات التي قد تظهر لدى الأشخاص الذين يمرون بأزمات نفسية حادة.
وعلى عكس الصورة الشائعة، لا تبدو الأزمة الانتحارية دائماً في شكل حزن واضح أو عزلة كاملة أو انهيار نفسي. ففي بعض الحالات، قد تظهر مؤشرات أكثر هدوءاً وأقل وضوحاً، بينها تغير مفاجئ في المزاج أو السلوك، وهو ما يجعل ملاحظة الخطر أكثر صعوبة بالنسبة إلى العائلة والأصدقاء.
التحسن المفاجئ ليس دائماً مطمئناً
يمكن أن ترافق الأزمات النفسية مجموعة من العلامات، مثل اضطرابات النوم، التقلبات الحادة في المزاج، فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، القلق المستمر، زيادة التوتر أو العصبية، الانسحاب من المحيط، أو تغيرات ملحوظة في السلوك.
لكن مجلة «سيكولوجي» الفرنسية تشير إلى علامة قد تبدو في ظاهرها إيجابية، وهي أن يصبح الشخص الذي كان يعاني اكتئاباً شديداً أو تحدث سابقاً عن أفكار انتحارية أكثر هدوءاً أو سعادة بصورة مفاجئة.
ولا يعني ذلك أن كل تحسن في الحالة النفسية يمثل خطراً، بل إن أهمية هذه العلامة ترتبط بالسياق. فإذا جاء التغير المفاجئ بعد فترة من المعاناة الشديدة أو الحديث عن الموت وإيذاء النفس، فلا ينبغي للمحيطين أن يعتبروا الأزمة منتهية لمجرد أن الشخص يبدو أفضل.
راحة ظاهرية بعد معاناة طويلة
توضح تقارير متخصصة في الوقاية من الانتحار أن بعض الأشخاص الذين يعيشون أزمة نفسية شديدة قد يشعرون بارتياح مؤقت عندما يعتقدون أنهم وجدوا حلاً لمعاناتهم، وهو ما قد ينعكس على سلوكهم الخارجي بصورة مفاجئة.
ونقلت صحيفة «هاف بوست» عن دورين مارشال، وهي أخصائية نفسية متخصصة في الوقاية من الانتحار، أن التفكير في إنهاء الألم قد يمنح بعض الأشخاص شعوراً بالراحة، على نحو يشبه الارتياح الذي يشعر به الإنسان عندما يخف عنه ألم جسدي استمر لفترة طويلة.
لكن هذا التفسير لا يسمح بالحكم على حالة أي شخص من مظهره الخارجي وحده. فالتحسن الحقيقي ممكن، كما أن الهدوء قد يكون مجرد تغير مؤقت. ولهذا يصبح السياق السابق للحالة والتغيرات التي سبقت هذا الهدوء أكثر أهمية من الابتسامة أو المظهر الهادئ بحد ذاته.
عندما يخفي الشخص معاناته
قد يحاول بعض الأشخاص إخفاء ما يعيشونه من ألم نفسي حتى لا يقلق أفراد عائلاتهم أو أصدقاؤهم. وقد يظهر ذلك من خلال التصرف بصورة طبيعية، أو القول إن حالتهم تحسنت، أو العودة المفاجئة إلى بعض الأنشطة اليومية، رغم استمرار المعاناة الداخلية.
ولهذا فإن اختفاء بعض الأعراض الظاهرة لا يعني بالضرورة أن الخطر اختفى، خصوصاً إذا كانت هناك في السابق مؤشرات قوية على الاكتئاب الشديد أو أفكار مرتبطة بالموت أو إيذاء النفس.
وتشير الإرشادات المتخصصة إلى أهمية الاستمرار في الاهتمام بالشخص ومراقبة التغيرات غير المعتادة، مع عدم تحويل كل تغير إيجابي في المزاج إلى مصدر للشك أو الخوف.
الحديث المباشر قد يساعد
ومن أكثر الأفكار الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن سؤال شخص عن الانتحار قد يدفعه إلى التفكير فيه أو الإقدام عليه.
لكن مصادر متخصصة في الصحة النفسية، بينها «مايو كلينك»، تؤكد أن السؤال المباشر عن وجود أفكار انتحارية لا يزرع هذه الأفكار في ذهن الشخص. وعلى العكس، قد يمنحه فرصة للتحدث عن معاناته وكسر حالة العزلة التي يعيشها.
لذلك يمكن أن يبدأ الحوار بطريقة هادئة ومباشرة، من خلال التعبير عن القلق عليه وسؤاله عما يشعر به، بدلاً من تجاهل التغيرات الواضحة أو الاكتفاء بعبارات عامة مثل «لا تقلق، كل شيء سيكون بخير».
المهم أن يكون الحوار خالياً من اللوم أو التقليل من المشاعر، وأن يشعر الشخص بأن الطرف الآخر يستمع إليه بجدية ومستعد لمساعدته في الوصول إلى الدعم المناسب.
متى يصبح التدخل عاجلاً؟
تتطلب بعض المؤشرات تدخلاً سريعاً، خصوصاً عندما يتحدث الشخص بشكل مباشر عن رغبته في الموت أو إيذاء نفسه، أو يلمح إلى أنه لم يعد يرى سبباً للاستمرار، أو يودع المقربين منه بطريقة غير معتادة، أو يظهر تغيراً سلوكياً حاداً بعد فترة من أزمة نفسية شديدة.
في مثل هذه الحالات، لا ينبغي ترك الشخص بمفرده أو التعامل مع الأمر باعتباره مجرد محاولة لجذب الانتباه. ومن الضروري التواصل سريعاً مع مختص في الصحة النفسية أو خدمات الطوارئ أو خط المساعدة المتاح في البلد الذي يقيم فيه.
وفي فرنسا، يمكن الاتصال بالرقم الوطني للوقاية من الانتحار «3114»، وهو خط مخصص لتقديم الدعم للأشخاص الذين يواجهون أفكاراً انتحارية ولمن يقلقون بشأن شخص قريب منهم.
الانتباه قد يصنع الفارق
لا توجد علامة واحدة يمكنها وحدها أن تثبت أن شخصاً ما معرض للانتحار، كما أن التحسن المفاجئ لا يعني تلقائياً وجود خطر وشيك. لكن معرفة العلامات المحتملة تصبح مهمة عندما تأتي ضمن سياق من المعاناة النفسية الشديدة أو الحديث السابق عن الموت وإيذاء النفس.
وفي اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، تبقى الرسالة الأهم أن الإنصات إلى الشخص الذي يعاني، وسؤاله مباشرة عن حالته، وعدم تجاهل التغيرات المقلقة، يمكن أن تكون خطوات مهمة نحو حصوله على المساعدة المناسبة.
فالوقاية لا تبدأ دائماً من لحظة وقوع الأزمة، وإنما قد تبدأ من سؤال بسيط، ومن شخص قرر أن يتوقف قليلاً ليسأل: هل أنت بخير فعلاً؟
اقرأ المزيد
“أنا بخير” رغم كل شيء.. ماذا يحدث للجسم عندما نكبت مشاعرنا طويلاً؟
وفاة مؤثر بريطاني بعد حقن لتكبير القضيب في تايلاند.. التحقيق يكشف تفاصيل صادمة
كيف تخبر شريكك بإصابته بمرض خطير؟

