وطن-كشفت شركة أنثروبيك عن واقعة جديدة تسلط الضوء على الاستخدامات المتزايدة والمقلقة للذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والاستخباراتية، بعدما رصدت نشاطًا لجهة مرتبطة بإيران استخدمت نموذجها «كلود» لجمع وتحليل معلومات متاحة للعامة عن القوات البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وتحويلها إلى مواد استخباراتية يمكن الاستفادة منها في تتبع السفن ودراسة الأهداف المحتملة.
وتكشف هذه الواقعة وجهًا مختلفًا لدور الذكاء الاصطناعي في الحروب؛ فالأمر لا يتعلق هذه المرة بطائرات مسيّرة أو أنظمة آلية تنفذ ضربات مباشرة، وإنما بأداة قادرة على جمع آلاف المعلومات المتفرقة من مصادر مفتوحة، وربطها وتحليلها، ثم تحويلها إلى ملفات منظمة يمكن استخدامها في عمليات الاستطلاع والتخطيط العسكري.
جهة مرتبطة بإيران
وقالت أنثروبيك في تقرير استخباراتي إنها اكتشفت وأوقفت عملية نفذتها مجموعة أطلقت عليها اسم «جي تي جي-30005»، وصفتها بأنها جهة مرتبطة بإيران، واستخدمت «كلود» لجمع وتحليل معلومات متاحة للعامة بهدف تطوير توصيات لاستهداف القوات البحرية الأمريكية في المنطقة.
وشددت الشركة على أن وصف المجموعة بأنها «مرتبطة بإيران» لا يعني اتهامًا مباشرًا للحكومة الإيرانية بالوقوف وراء العملية أو إصدار أوامر بتنفيذها، وإنما يشير إلى صلة رصدتها أنثروبيك بين النشاط والمجال الإيراني.
معلومات متاحة للجميع
وبحسب التقرير، استعانت المجموعة بـ«كلود» في كتابة برامج حاسوبية وأتمتة عدد من المهام المتعلقة بجمع المعلومات البحرية وتحليلها، بما في ذلك إنشاء أدوات تساعد على تحديد مواقع السفن وتتبع تحركاتها.
ولم تعتمد العملية بالضرورة على معلومات سرية أو قواعد بيانات عسكرية مغلقة، بل جرى جمع جزء كبير من البيانات من مصادر متاحة على الإنترنت. وشملت هذه المعلومات معرفات أجهزة الإرسال والاستقبال المرتبطة بالسفن والطائرات، وصورًا عسكرية منشورة للعامة، وأسماء أفراد أمريكيين استُخرجت من التعليقات المصاحبة لبعض الصور، إلى جانب البحث عن صور أقمار صناعية تجارية ومواقع إلكترونية تنشر معلومات عن تحركات السفن الأمريكية.
وقد تبدو كل معلومة من هذه المعلومات محدودة الأهمية بمفردها، لكن المشكلة تكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على جمعها وربطها بسرعة وعلى نطاق واسع. فصورة لسفينة في ميناء، أو إشارة صادرة عن جهاز اتصال، أو صورة ملتقطة بواسطة قمر صناعي تجاري، يمكن أن تتحول عند دمجها مع معلومات أخرى إلى جزء من صورة استخباراتية أكثر شمولًا.
من التتبع إلى الاستهداف
وتقول أنثروبيك إن استخدام «كلود» تجاوز مرحلة جمع البيانات إلى إعداد توصيات لاستهداف القوات البحرية الأمريكية.
واستخدمت المجموعة النموذج للمساعدة في إعداد مواد استخباراتية تتعلق بمواقع السفن وتحركاتها، ضمن عملية هدفت إلى توفير معلومات يمكن استخدامها في التخطيط العسكري.
وهنا تكمن أهمية الواقعة؛ إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث عن معلومة محددة، بل أصبح قادرًا على المساعدة في تنفيذ سلسلة كاملة من المهام، تبدأ بجمع البيانات وتنتهي بإنتاج تحليل يمكن أن يدخل في عمليات الاستطلاع والاستهداف.
البحث عن الثغرات
ولم تقتصر العملية على تحديد مواقع السفن ومتابعة تحركاتها، إذ أشارت أنثروبيك إلى أن المجموعة استخدمت «كلود» أيضًا للبحث عن نقاط ضعف وثغرات في بعض الأنظمة والمعدات المستخدمة على متن السفن.
وشمل ذلك البحث في أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، ومعدات اتصالات تنتجها شركة سيسكو، إضافة إلى منتجات مرتبطة بأنظمة التحكم الصناعي.
ولا يعني كشف هذه الأنشطة أن المجموعة نجحت في اختراق سفن أمريكية أو السيطرة على أنظمة عسكرية، إذ يتحدث تقرير أنثروبيك عن جمع معلومات والبحث عن ثغرات محتملة، وليس عن نجاح مؤكد في اختراق تلك الأنظمة.
أنثروبيك توقف العملية
وقالت الشركة إنها تمكنت من اكتشاف النشاط وحظر الحساب المستخدم في العملية، كما طورت أنظمة إضافية للكشف عن هذا النوع من الاستخدامات، وشاركت المعلومات التي توصلت إليها مع جهات حكومية للمساعدة في تعطيل العملية ومنع استمرارها.
وتضع أنثروبيك هذه الواقعة ضمن مجموعة أوسع من الأنشطة التي رصدتها خلال الفترة الممتدة من ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى أغسطس/آب 2026، والتي شملت استخدام الذكاء الاصطناعي في التجسس الإلكتروني والمراقبة وحملات التأثير وتطوير الأسلحة التقليدية والاحتيال وغيرها من الأنشطة الضارة.
الذكاء الاصطناعي يختصر عمل الاستخبارات
وتكشف هذه الحالة عن تحول مهم في طبيعة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل العمليات الاستخباراتية. فبدل أن يستخدم المحلل عشرات المواقع وقواعد البيانات والصور بشكل منفصل، يستطيع النموذج الذكي معالجة كميات كبيرة من المعلومات في وقت قصير، ثم تنظيمها وربطها واستخلاص أنماط منها.
وفي حالة القوات البحرية، يمكن لهذا النوع من التحليل أن يساعد على الربط بين صور السفن ومواقعها ومعلومات الاتصالات وتحركاتها السابقة، بما يوفر صورة أكثر تفصيلًا عن نشاطها.
وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا بمفرده على اتخاذ قرار عسكري، لكنه يستطيع تقليص الوقت والجهد المطلوبين للوصول إلى المعلومات التي يحتاجها الأشخاص المكلفون بالتخطيط أو التحليل.
خطر يتجاوز «كلود»
وتشير الواقعة في النهاية إلى مشكلة أوسع من نموذج «كلود» أو شركة أنثروبيك نفسها. فمع تطور نماذج الذكاء الاصطناعي، أصبحت الأدوات المتاحة للعامة قادرة على تنفيذ مهام كانت تحتاج سابقًا إلى فرق من الباحثين والمحللين والمبرمجين.
وفي العملية التي كشفت عنها أنثروبيك، لم يقد الذكاء الاصطناعي سفينة، ولم يطلق صاروخًا، ولم ينفذ هجومًا عسكريًا بصورة مستقلة. لكنه، وفق تقرير الشركة، ساعد جهة مرتبطة بإيران على جمع معلومات عن القوات البحرية الأمريكية وتحليلها، والبحث عن نقاط ضعف تقنية، وإعداد توصيات مرتبطة بالاستهداف.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: قد لا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى حمل السلاح حتى يصبح جزءًا من الحرب؛ يكفي أن يجعل جمع المعلومات وتحليلها والاستعداد للاستهداف أسرع وأسهل وأكثر اتساعًا.
ومع استمرار تطور هذه النماذج، ستصبح مهمة الحكومات وشركات التكنولوجيا أكثر تعقيدًا في تحديد الحدود بين الاستخدام المشروع للذكاء الاصطناعي والاستخدام الذي يمكن أن يحول أدوات المعرفة والتحليل إلى وسائل للتجسس أو التخطيط العسكري.
اقرأ المزيد
انسداد أفق أم خريطة طريق جديدة؟ كواليس الرسالة الأمريكية الحازمة لإيران عبر الوسائط
أبراهام لينكولن تحت الضغط.. ماذا يحدث داخل حاملة الطائرات الأمريكية؟
البحرية الأمريكية ترافق ناقلات نفط عبر مضيق هرمز.. وواشنطن تربط تراجع الأسعار بزيادة التدفقات
إيران تجمع الخليج والعراق في عُمان.. هل يبدأ احتواء أزمة مضيق هرمز؟

