وطن-أصدرت محكمة تركية، الجمعة، حكماً بالسجن لمدة عامين وشهر واحد بحق أكرم إمام أوغلو، رئيس بلدية إسطنبول الموقوف عن العمل، على خلفية اتهامه بإهانة مسؤول عام أثناء أداء مهامه، في قضية تعود إلى عام 2022. ويأتي الحكم في وقت يقبع فيه إمام أوغلو في الحبس الاحتياطي منذ مارس/آذار 2025، وسط اتهامات من معسكره بأن الملاحقات القضائية المتواصلة ضده تحمل دوافع سياسية وتهدف إلى إبعاده عن المنافسة السياسية.
وقالت صحيفة «لا راثون» الإسبانية إن القضية تتعلق بتصريحات أدلى بها إمام أوغلو بحق صادي يازجي، رئيس بلدية منطقة توزلا، إحدى البلديات التابعة إدارياً لمدينة إسطنبول الكبرى. ونقلت الصحيفة، استناداً إلى صحيفة «جمهورييت» التركية، أن الحكم صدر بعد إلغاء حكمين سابقين بالبراءة خلال مراحل الاستئناف بسبب عيوب إجرائية، وإعادة الملف إلى محكمة الدرجة الأولى.
قضية تعود إلى عام 2022
وتعود الواقعة إلى افتتاح محطة لمعالجة المياه في منطقة توزلا عام 2022، حيث حضر إمام أوغلو بصفته رئيساً لبلدية إسطنبول الكبرى، والتقى خلال المناسبة رئيس بلدية توزلا المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم.
وبحسب ما أوردته «لا راثون»، قال إمام أوغلو أمام الحاضرين، في إشارة إلى يازجي: «هذا الزميل جاء إلى هنا ليعرقل. لا تلتفتوا إليه، إنه سيئ اللسان».
واعتبرت المحكمة أن هذه العبارات تشكل إهانة لمسؤول عام أثناء أداء واجبه، وقضت بسجن إمام أوغلو لمدة عامين وشهر واحد.
غير أن الحكم لم يصبح نهائياً بعد، إذ لا يزال بإمكان فريق الدفاع الطعن فيه أمام درجات قضائية أعلى.
إمام أوغلو ينفي نية الإهانة
وخلال جلسة المحاكمة، دافع إمام أوغلو عن نفسه، مؤكداً أن تصريحاته لم تكن تستهدف إهانة يازجي أو الانتقاص من مكانته.
وقال، وفق ما نقلته الصحيفة، إنه منذ توليه رئاسة بلدية إسطنبول دأب على دعوة رؤساء البلديات المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية إلى الاجتماعات والفعاليات العامة، وإن يازجي لم يكن يشارك عادة في تلك الدعوات، باستثناء المناسبة التي وقعت فيها الحادثة.
وأوضح إمام أوغلو أن كلماته جاءت في سياق أجواء متوترة خلال الفعالية، بعدما أدلى رئيس بلدية توزلا، وفق روايته، بتصريحات اعتبرها غير لائقة. ولذلك رأى أن تحويل الواقعة إلى جريمة إهانة لا يعكس سياقها الحقيقي.
وبحسب صحيفة «جمهورييت»، كان القضاء قد أصدر حكمين سابقين ببراءة إمام أوغلو في القضية نفسها، قبل أن تلغي محكمة أعلى الحكمين لأسباب إجرائية وتعيد الملف إلى المحكمة الابتدائية، لتنتهي الإجراءات في جولتها الأخيرة إلى الحكم بالسجن.
من إسطنبول إلى مواجهة أردوغان
ولا يمكن فصل الحكم الجديد عن المكانة السياسية التي اكتسبها إمام أوغلو منذ عام 2019، عندما نجح في انتزاع رئاسة بلدية إسطنبول من حزب العدالة والتنمية، في واحدة من أكثر النتائج الانتخابية رمزية في تاريخ السياسة التركية الحديث.
فإسطنبول ليست مجرد أكبر مدن تركيا، بل كانت أيضاً نقطة الانطلاق السياسية للرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تولى رئاسة بلديتها في تسعينيات القرن الماضي قبل صعوده إلى قيادة البلاد.
ولهذا، تحول فوز إمام أوغلو إلى رسالة سياسية قوية بشأن قدرة المعارضة على اختراق إحدى أهم معاقل الحزب الحاكم، وجعل رئيس البلدية المعارض أحد أبرز الأسماء المطروحة لمنافسة أردوغان في المستقبل.
ومنذ ذلك الوقت، دخل إمام أوغلو في سلسلة من المعارك القضائية والسياسية التي جعلته في قلب الصراع بين الحكومة والمعارضة.
13 محاكمة و82 جلسة
وبحسب ما نقلته «لا راثون»، يرى إمام أوغلو أن الملاحقات التي يتعرض لها تمثل جزءاً من حملة سياسية تستهدف إبعاده عن المشهد العام.
وتصاعدت الضغوط عليه بصورة خاصة بعد وضعه في الحبس الاحتياطي في مارس/آذار 2025 في قضية مرتبطة باتهامات بالفساد، قبل أن تتوالى ملفات قضائية أخرى تتضمن اتهامات بالإهانة والتهديد والتزوير والتعاون مع الإرهاب، وصولاً إلى اتهامات بالتجسس.
وقال إمام أوغلو، وفق الصحيفة، إنه شارك منذ سجنه في 82 جلسة قضائية ضمن 13 محاكمة مختلفة، مضيفاً أنه اضطر في بعض الأيام إلى المثول أمام ثلاث قضايا منفصلة خلال اليوم نفسه.
ويرى رئيس بلدية إسطنبول الموقوف أن هذا العدد من القضايا والجلسات لا يمكن فصله عن محاولة ممنهجة، بحسب وصفه، لإبعاده عن الحياة السياسية ومنعه من خوض الانتخابات المقبلة.
منافس أردوغان خلف القضبان
وتكمن حساسية ملف إمام أوغلو في أنه لا يتعلق فقط بمسؤول محلي يواجه حكماً قضائياً، بل بشخصية أصبحت تمثل أحد أهم رهانات المعارضة التركية في مواجهة أردوغان وحزب العدالة والتنمية.
فبعد فوزه في إسطنبول، تحول إمام أوغلو إلى رمز لقدرة المعارضة على تحقيق الانتصار في مواجهة الحزب الحاكم، وأصبح اسمه مطروحاً بقوة كأحد المرشحين المحتملين لمنافسة أردوغان في الاستحقاقات الرئاسية المقبلة.
ورغم وجوده خلف القضبان، يواصل إمام أوغلو تقديم نفسه باعتباره قادراً على مواجهة الرئيس التركي انتخابياً، بل يتحدث عن إمكانية «هزيمة أردوغان» عبر صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، ترى المعارضة التركية أن استمرار الملاحقات القضائية ضده يهدد مبدأ المنافسة السياسية، وتعتبر أن استخدام القضاء بهذه الصورة قد يؤدي إلى إقصاء أحد أبرز منافسي الحكومة قبل الوصول إلى أي انتخابات جديدة.
معركة تتجاوز الحكم الأخير
ومع أن الحكم الصادر الجمعة يتعلق بواقعة تعود إلى عام 2022، فإن تداعياته السياسية تتجاوز تفاصيل القضية نفسها. فإمام أوغلو يخوض معركة قضائية مفتوحة، فيما تحولت محاكماته إلى جزء أساسي من النقاش حول مستقبل المعارضة التركية واستقلال القضاء وحدود المنافسة السياسية في البلاد.
وفي الوقت نفسه، يبقى الحكم قابلاً للطعن، ما يعني أن المسار القضائي للقضية لم ينته بعد. لكن مجرد صدور حكم بالسجن بحق شخصية تتمتع بهذا الوزن السياسي يعيد إمام أوغلو إلى واجهة المشهد التركي، ويزيد من حدة التوتر بين الحكومة والمعارضة.
وهكذا، لا يبدو أن المعركة بين أكرم إمام أوغلو ورجب طيب أردوغان تُحسم فقط داخل قاعات المحاكم. فخلف الحكم الأخير تقف مواجهة سياسية أوسع حول من يملك القدرة على تمثيل المعارضة التركية في الانتخابات المقبلة، وما إذا كان إمام أوغلو سيتمكن، رغم سجنه والملاحقات القضائية التي يواجهها، من البقاء منافساً فعلياً للرئيس التركي.
وفي النهاية، قد يتحول الحكم الجديد من أداة لإضعاف إمام أوغلو إلى محطة أخرى تعزز حضوره السياسي، خصوصاً إذا نجحت المعارضة في تقديم قضيته باعتبارها رمزاً للصراع على مستقبل الديمقراطية والتنافس الانتخابي في تركيا.
اقرأ المزيد
اعتقال الكوميدي دنيز غوكتاش بعد عرض ساخر عن أردوغان.. وقضية جديدة تهز حرية التعبير في تركيا
أحمد داود أوغلو يحل حزب المستقبل وينسحب من السياسة الحزبية بعد فشله من منافسة أردوغان

