وطن-كشف جندي احتياط إسرائيلي خدم مشغلاً للطائرات المسيّرة في قطاع غزة، في شهادة أدلى بها لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن تفاصيل قال إنها تعكس انهياراً واسعاً لقواعد الاشتباك داخل الجيش الإسرائيلي، مؤكداً أن التعامل مع الفلسطينيين في القطاع تحول، في بعض الوحدات، إلى ما يشبه اعتبار السكان المدنيين «أهدافاً» يمكن استهدافها من دون ضوابط واضحة أو خشية من المحاسبة.
وقالت «هآرتس» في تقرير نشرته الخميس إن الجندي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، وروى وقائع من خدمته العسكرية قال إنها تكشف اتساع نطاق قتل المدنيين الفلسطينيين، وتراجع القيود التي يفترض أن تحكم استخدام القوة خلال الحرب على غزة.
وبحسب الصحيفة، التحق الجندي بالجيش الإسرائيلي عام 2008، وقال إنه قتل ما لا يقل عن 54 فلسطينياً حتى أكتوبر/تشرين الأول 2023، بينهم مدنيون غير مسلحين. وخلال الحرب الحالية، خدم في وحدة هجومية للطائرات المسيّرة قبل أن يغادر الجيش في يوليو/تموز الماضي.
وقال الجندي لـ«هآرتس»: «في الأيام الأولى لم تكن هناك أي قواعد»، واصفاً بذلك ما قال إنها حالة من الفوضى رافقت بدايات الحرب، وغياب تعليمات واضحة بشأن كيفية التعامل مع الفلسطينيين واستخدام القوة ضدهم.
هجوم رفح.. لحظة غيّرت نظرته للحرب
ومن بين الوقائع التي قال الجندي إنه شاهدها الهجوم الإسرائيلي على سيارات إسعاف في حي تل السلطان بمدينة رفح في مارس/آذار 2025، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 من العاملين في المجال الطبي والإغاثي الفلسطيني، وفق ما أوردته الصحيفة.
وكان الجيش الإسرائيلي قد نفى في البداية ارتكاب مخالفات في الحادثة، قبل أن يعلن لاحقاً فتح تحقيق عقب العثور على جثامين الضحايا في مقبرة جماعية.
وقال الجندي، في روايته لما حدث، إن سيارات الإسعاف كانت واضحة المعالم، وإن القوات البرية أطلقت النار عليها، قبل أن يخرج أفراد الطواقم الطبية ويحاولوا الاحتماء خلف المركبات وطلب النجدة.
وأضاف أن الجنود أطلقوا النار عليهم واحداً تلو الآخر، معتبراً أن ما شاهده شكّل نقطة تحول في نظرته إلى ما كان يجري داخل القطاع.
وقال، بحسب «هآرتس»: «بعد هذه الواقعة أدركت أن أي شخص يمكنه أن يقتل من يريد، وبالقدر الذي يريد، من دون أن يُحاسب».
«لديك مليونان من الأهداف»
ورغم ما قال إنه شاهده في رفح، واصل الجندي خدمته العسكرية في غزة. ووفق روايته للصحيفة، حصل في وقت لاحق من العام على إجازة لمدة خمسة أيام قضاها في جورجيا، ثم عاد إلى الخدمة في أواخر أبريل/نيسان.
وقال إنه لاحظ بعد عودته تغيراً في طبيعة النقاش داخل الوحدات العسكرية، بحيث أصبح الحديث يدور بصورة متزايدة حول القتل والاستهداف.
ويروي الجندي أنه طلب لقاء ضابط استخبارات بهدف إضافة أهداف جديدة إلى نظام الحاسوب، لكنه فوجئ برد الضابط: «لديك مليونان من الأهداف في غزة».
وبحسب الجندي، كان المقصود بهذه العبارة سكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو مليوني شخص، وهو ما اعتبره مؤشراً على تحول خطير في النظرة إلى السكان المدنيين.
وتأتي هذه الشهادة في ظل أعداد ضخمة من الضحايا الفلسطينيين منذ اندلاع الحرب، إذ تشير السلطات الصحية في غزة إلى مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، بينهم أعداد كبيرة من النساء والأطفال.
«الخط الأصفر».. حدود تتغير على الأرض
وتحدث الجندي كذلك عن «الخط الأصفر»، وهو خط الفصل الذي حددته ترتيبات وقف إطلاق النار لتوضيح حدود انتشار القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة.
وقال إن كبار القادة العسكريين كانوا، وفق روايته، يغيرون موقع هذا الخط بناء على تقديراتهم الخاصة. وأوضح أن قائد الفرقة كان يأمر أحياناً بدفع الحواجز الخرسانية باتجاه الغرب لمسافات تصل إلى مئات الأمتار، بما يؤدي عملياً إلى نقل الحدود الميدانية التي يفترض أن تحدد المناطق المحظورة.
ويقول الجندي إن المدنيين الفلسطينيين لم تكن لديهم وسيلة واضحة لمعرفة الموقع الذي أصبح يمثل الحد الجديد، أو المسافة التي يمكنهم الاقتراب منها من دون التعرض لإطلاق النار.
وبحسب روايته، كان بعض القادة يشجعون الجنود على استهداف أي شخص يقترب من الخط، حتى في الحالات التي لا تتوافر فيها معلومات استخباراتية واضحة بشأن وجود تهديد.
كما قال إن بعض الضباط كانوا يسعون إلى تقديم مبررات لاحقة لقتل الأشخاص المستهدفين، من خلال وصفهم بأنهم يشكلون خطراً، من دون وجود معلومات مسبقة تثبت ذلك، وفق ما نقلته الصحيفة.
«يطلقون النار على كل من يرونه»
وقال الجندي إن مفهوم «الأضرار الجانبية» تراجع سريعاً داخل الوحدة التي خدم فيها، مضيفاً أن التعامل مع إطلاق النار أصبح، بحسب وصفه، أكثر عشوائية مع مرور الوقت.
ونقلت «هآرتس» عنه قوله: «يطلقون النار على كل من يرونه». ووصف الجندي الأجواء داخل وحدة الهجوم بالطائرات المسيّرة بأنها تشبه أحياناً أجواء ملعب كرة القدم، حيث يتحول إطلاق النار والقتل إلى ما يشبه لحظة حماس جماعي.
وقال: «كما يصرخون للاعب: هيا، سجّل هدفاً، كانوا يصرخون للجندي: اقتله، هاجمه».
وبحسب شهادته، تعرض هو وزملاؤه لضغوط لفتح النار على فلسطينيين يقتربون من المناطق التي يعتبرها الجيش حدوداً ميدانية، حتى عندما لم تكن هناك معلومات دقيقة تشير إلى أنهم يشكلون خطراً مباشراً.
مراقبة عمليات نهب وإحراق
وفي جزء آخر من شهادته، تحدث الجندي عن مشاهد قال إنه رآها من الجو، وتتعلق بأعمال نهب وإحراق ارتكبتها جماعات فلسطينية مسلحة أو ميليشيات قال إنها كانت مدعومة من الجيش الإسرائيلي.
وقال إن القوات الإسرائيلية كانت تراقب هذه الأفعال من الجو من دون أن تتدخل لوقفها، مضيفاً: «كانوا يحرقون صفوفاً من المنازل، ونحن نراقبهم من الأعلى. حرائق، نهب، إطلاق نار».
وتأتي هذه الرواية بعد تقارير سابقة نشرتها «هآرتس» تحدثت فيها عن سماح الجيش الإسرائيلي، وفق الصحيفة، لجماعات مسلحة وعصابات إجرامية بالعمل داخل مناطق في غزة.
وكانت الصحيفة قد ربطت في تقرير سابق بين هذه الممارسات وبين مخاوف من وقوع انتهاكات خطيرة للقانون الدولي الإنساني، في إشارة إلى مسؤولية القوات التي تسيطر على المنطقة عن حماية المدنيين ومنع الانتهاكات.
شهادة تفتح ملف قواعد الاشتباك
وتضيف شهادة الجندي، إذا صحت تفاصيلها، بعداً جديداً إلى الجدل بشأن طبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ولا سيما ما يتعلق بقواعد الاشتباك، وآليات تحديد الأهداف، وحماية المدنيين، ومدى فعالية أنظمة التحقيق والمحاسبة داخل المؤسسة العسكرية.
لكن أهمية الشهادة تكمن أيضاً في مصدرها: فهي ليست تقريراً مستقلاً يثبت بمفرده كل الوقائع التي رواها الجندي، وإنما شهادة فردية نقلتها صحيفة إسرائيلية عن جندي قال إنه شارك في العمليات وشاهد بعضها بشكل مباشر.
ومع ذلك، فإن ما ورد فيها يثير أسئلة كبيرة حول كيفية اتخاذ قرارات الاستهداف داخل بعض الوحدات، وحول الحدود الفاصلة بين استهداف مقاتلين يُعتقد أنهم يشكلون تهديداً وبين التعامل مع السكان المدنيين باعتبارهم أهدافاً محتملة.
وفي حال تأكدت هذه الروايات من خلال تحقيقات مستقلة، فإنها قد تفتح الباب أمام أسئلة أكثر خطورة بشأن المسؤولية القيادية، ومدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، وما إذا كانت الانتهاكات المزعومة تمثل تجاوزات فردية أم جزءاً من نمط أوسع داخل العمليات العسكرية في غزة.
وبذلك، لا تكشف شهادة الجندي فقط ما قال إنه رآه في الميدان، بل تعيد طرح السؤال الأوسع: هل كانت قواعد الاشتباك في غزة قادرة فعلاً على حماية المدنيين، أم أن الحرب خلقت داخل بعض الوحدات مساحة واسعة للقتل من دون رقابة أو محاسبة؟
اقرأ المزيد
بن غفير يطرح خطة لتهجير جميع الفلسطينيين من غزة: إخراج 250 ألفاً في العام الأول والبقية خلال 6 سنوات
“تقنيات قتل عن بُعد في غزة”.. تحقيق حصري يكشف الوجه المظلم لرعاية المتحف البريطاني!
من تحت الركام إلى تحمل مسؤوليات الكبار.. مأساة أطفال غزة الناجين وحدهم
ضابط إسرائيلي أمر بقصف قافلة إغاثية في غزة.. “لست نادماً” رغم مقتل 7 عاملين

