وطن-دخلت كوسوفو مرحلة سياسية شديدة الحساسية بعد توقيعها رسمياً، عقب موافقة إسرائيل، على الانضمام إلى ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الذي يطرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإلى «قوة الاستقرار الدولية» في غزة، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الدولة ذات الغالبية المسلمة، وفتحت الباب أمام تساؤلات قانونية وأخلاقية بشأن طبيعة الدور الذي تستعد بريشتينا للاضطلاع به في مشروع يرتبط مباشرة بمستقبل قطاع غزة.
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية، جرت مراسم التوقيع يوم الاثنين، وسط ترحيب من «مجلس السلام»، الذي وصف الخطوة في بيان نشره على منصة «إكس» بأنها «محطة بارزة» تعكس التزام كوسوفو بمهمة قوة الاستقرار الدولية، ودعمها المستمر للأهداف الاستراتيجية الواردة في «خطة ترامب للسلام» المؤلفة من 20 نقطة.
وكشفت الصحيفة، في الوقت نفسه، أن البيان أشار إلى إرسال كوسوفو جنوداً إلى إسرائيل في وقت مبكر من الربيع، أي قبل فترة طويلة من الإعلان عن وجودهم للرأي العام. ووفق الرواية المنشورة، تولى هؤلاء أدواراً في التخطيط اللوجستي والشؤون المدنية، إلى جانب العمل داخل غزة والمشاركة في إزالة الذخائر غير المنفجرة.
مهمة تثير الانقسام داخل كوسوفو
ورغم تقديم المهمة رسمياً باعتبارها مساهمة في تحقيق الاستقرار، فإن المشاركة الكوسوفية تبدو أكثر إثارة للانقسام داخل البلاد. فكوسوفو ذات الغالبية المسلمة شهدت احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين، إلى جانب تعاطف شعبي واضح مع سكان غزة، في ظل الحرب المستمرة وما تصفه جهات دولية وحقوقية بأنه انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
وترى «ميدل إيست آي» أن الفجوة بين الموقف الشعبي والمؤسسة السياسية تبدو واسعة، إذ اختارت النخبة الحاكمة، سواء بدافع الخوف أو الحسابات الأيديولوجية والجيوسياسية، الاستجابة لمطالب إدارة ترامب، في توجه يتقاطع بدرجة كبيرة مع المصالح الإسرائيلية.
وكان رئيس الوزراء الكوسوفي ألبين كورتي قد قال في 30 مارس إن بلاده مستعدة للمشاركة في الجهود الرامية إلى مساعدة سكان غزة، مستشهداً بتجربة كوسوفو نفسها مع القوات الدولية منذ عام 1999.
وقال كورتي: «نحن مستعدون للمشاركة ومساعدة شعب غزة، لأننا نحن أيضاً كنا وما زلنا مستفيدين من القوات الدولية منذ عام 1999».
ويشير كورتي بذلك إلى التدخل الدولي بقيادة الولايات المتحدة في كوسوفو عام 1999، عندما شنت قوات حلف شمال الأطلسي حملة جوية على صربيا استمرت نحو 78 يوماً، في محاولة لوقف الانتهاكات والعنف ضد ألبان كوسوفو.
مقارنة بين كوسوفو وغزة
لكن هذه المقارنة لا تحظى بالقبول لدى بعض الباحثين. ونقلت «ميدل إيست آي» عن برونيلدا بالي، الأستاذة المساعدة في ديناميات النزاع وحلّه بقسم العلوم السياسية في جامعة أمستردام، قولها إن المقارنة بين التجربتين «غير مقنعة من الأساس».
وبحسب بالي، جاء التدخل الدولي في كوسوفو بعد حرب شهدت انتهاكات واسعة، وكانت القوى الدولية قد خلصت آنذاك إلى وجود كارثة إنسانية خطيرة. أما غزة، فتطرح، من وجهة نظرها، إشكالية مختلفة، لأن الولايات المتحدة، بوصفها داعماً رئيسياً لإسرائيل خلال الحرب، لا يمكن النظر إليها باعتبارها طرفاً محايداً أو موثوقاً في مهمة لحفظ السلام.
وتزداد حساسية هذه المقارنة بسبب المسار القانوني الدولي المرتبط بالحرب على غزة. فقد رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية تتهم إسرائيل بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، بينما أصدرت المحكمة في يوليو/تموز 2024 رأياً استشارياً خلص إلى عدم قانونية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بالحرب في غزة.
مخاطر قانونية على بريشتينا
لكن «ميدل إيست آي» ترى أن هناك فارقاً أساسياً بين تجربة كوسوفو عام 1999 والوضع الحالي في غزة، يتمثل في الدور الذي تلعبه إسرائيل في تحديد طبيعة القوة الدولية وتركيبتها، وفي من يمكنه الدخول إلى القطاع والمشاركة في ترتيباته الأمنية.
وترى بالي أن مشاركة كوسوفو قد تضع جنودها وحكومتها أمام مخاطر قانونية وسمعة دولية كبيرة، خصوصاً إذا انتهى الانتشار الدولي إلى تسهيل التهجير القسري للسكان الفلسطينيين، أو تكريس السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من غزة، أو المشاركة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في أفعال قد تتعارض مع القانون الدولي.
وتزداد المخاوف، وفق الصحيفة، في ظل تصريحات وخطط أطلقها مسؤولون إسرائيليون بشأن مستقبل سكان غزة وإمكانية تهجيرهم، إلى جانب الدعوات التي ظهرت داخل إسرائيل لإعادة إقامة مستوطنات في القطاع.
ومن هنا، تقول بالي إن المشاركة في قوة الاستقرار قد تعني مطالبة الفلسطينيين بقبول هيكل أمني دولي تتمتع فيه الولايات المتحدة، وهي طرف رئيسي في دعم إسرائيل، بنفوذ واسع على البيئة الأمنية والسياسية، في حين تظل قدرة الفلسطينيين على التأثير في المؤسسة التي قد تحدد مستقبلهم محدودة.
«مجلس السلام» تحت المجهر
ولم تقتصر الانتقادات على طبيعة القوة الدولية، بل امتدت إلى «مجلس السلام» نفسه. فبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي»، وصف ثمانية خبراء مستقلين تابعين للأمم المتحدة المجلس بأنه «مناورة غير قانونية وغير شرعية» تقودها دول قوية، معتبرين أنه يتعارض مع حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
كما وصفت مؤسسة «الحق» الفلسطينية لحقوق الإنسان المجلس وقوة الاستقرار الدولية بأنهما مشروع قد يؤدي إلى «احتلال أجنبي غير محدد زمنياً» وإلى ضم فعلي لأجزاء واسعة من قطاع غزة.
وفي المقابل، يقدم مؤيدو المبادرة تصوراً مختلفاً، يقوم على أن القوة الدولية يمكن أن تساعد في تثبيت الأمن، وإدارة المرحلة الانتقالية، ودعم إعادة الإعمار، ومنع عودة القتال. لكن طبيعة الجهة التي ستدير هذه العملية، وحدود صلاحياتها، ومدى مشاركة الفلسطينيين في اتخاذ القرار، تبقى من أبرز نقاط الخلاف.
لماذا اختيرت كوسوفو؟
وفي قراءة لأبعاد مشاركة كوسوفو، قال شبند كورساني، المحاضر في العلاقات الدولية بمعهد يوهان سكيت للدراسات السياسية في جامعة تارتو بإستونيا، إن اختيار كوسوفو وألبانيا والمغرب لم يكن عشوائياً، بالنظر إلى كونها دولاً ذات غالبية مسلمة وتحظى بموافقة إسرائيلية على مشاركتها.
وبحسب ما نقلته «ميدل إيست آي» عن كورساني، فإن وجود هذه الدول يمكن أن يؤدي وظيفة سياسية تتمثل في إضفاء صورة أكثر قبولاً على الانتشار العسكري، وإرسال رسالة إلى الفلسطينيين مفادها أن دولاً مسلمة تشارك في جهود مساعدة غزة.
لكن كورساني يشدد، في الوقت نفسه، على أن «مجلس السلام» لا يمثل مشروعاً دولياً بالمعنى القانوني والمؤسساتي المعروف، بل هو مبادرة مرتبطة بإدارة ترامب وتتحرك بالتوازي مع الجهود التي تقودها الأمم المتحدة.
كوسوفو وهاجس واشنطن
بالنسبة إلى كوسوفو، لا يمكن فصل القرار عن حساباتها الجيوسياسية الأوسع. فالدولة التي أعلنت استقلالها عن صربيا عام 2008 لم تحصل حتى الآن على عضوية الأمم المتحدة، بسبب معارضة دول من بينها روسيا والصين، ولا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأمريكي في ملفات الأمن والسيادة والاعتراف الدولي.
وتستضيف كوسوفو قاعدة «كامب بوندستيل»، إحدى أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في البلقان، والتي تضم نحو ألف جندي أمريكي. وتمثل القاعدة، بالنسبة إلى قطاعات واسعة في بريشتينا، عنصراً أساسياً في منظومة الردع أمام أي احتمال لتصعيد جديد مع صربيا.
ولهذا، ترى سيديتا كوشي، الأستاذة المساعدة في العلوم السياسية بكلية ماونت هوليوك في الولايات المتحدة، أن كوسوفو تبدو مستعدة لإعطاء الأولوية لتحالفها مع واشنطن، أملاً في حماية أمنها وسيادتها من خلال المشاركة في مبادرات السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن كوشي تحذر، وفق الصحيفة، من أن الانخراط السياسي الكامل في توجهات واشنطن لا يضمن لكوسوفو بالضرورة موقعاً مفضلاً لدى أي إدارة أمريكية مستقبلاً، ولا سيما في ظل النهج المتقلب الذي تتبعه إدارة ترامب في عدد من الملفات الدولية.
رهان قد تكون كلفته مرتفعة
وتشير هذه المعطيات إلى أن قرار بريشتينا لا يتعلق بغزة وحدها، بل يرتبط أيضاً بالموقع الهش لكوسوفو داخل النظام الدولي، وحاجتها المستمرة إلى الدعم الأمريكي في مواجهة التحديات الإقليمية.
لكن المشكلة تكمن في أن هذا الرهان قد يضع كوسوفو أمام معادلة صعبة: فهي تسعى إلى حماية مصالحها الأمنية والسياسية عبر الاقتراب أكثر من واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تخاطر بالظهور كطرف مشارك في ترتيبات مستقبلية لغزة قد تكون موضع نزاع قانوني وسياسي واسع.
وبالنسبة إلى دولة تستند في جزء كبير من شرعيتها الدولية إلى مفهوم حق الشعوب في تقرير مصيرها، فإن المشاركة في مشروع ينتقده خبراء حقوقيون باعتباره قد يحد من قدرة الفلسطينيين على تحديد مستقبلهم تطرح مفارقة سياسية وأخلاقية يصعب تجاهلها.
وهكذا، تبدو مشاركة كوسوفو في قوة الاستقرار الدولية في غزة أكبر من مجرد خطوة عسكرية أو دبلوماسية. إنها رهان على واشنطن وعلى الرؤية التي تطرحها إدارة ترامب لمستقبل القطاع، وفي الوقت نفسه اختبار لمدى قدرة بريشتينا على الموازنة بين تحالفاتها الاستراتيجية واعتباراتها الأخلاقية والقانونية.
فإذا تحولت القوة الدولية إلى أداة لتحقيق الأمن وإعادة الإعمار مع ضمان مشاركة الفلسطينيين وحقهم في تقرير مستقبلهم، فقد تقدم بريشتينا مشاركتها باعتبارها امتداداً لتجربتها الخاصة مع القوات الدولية. أما إذا ارتبطت القوة بترسيخ السيطرة أو التهجير أو ترتيبات سياسية تفرض على الفلسطينيين من الخارج، فقد تجد كوسوفو نفسها أمام تبعات سياسية وقانونية قد تستمر آثارها لسنوات.
قد يعجبك
“تقنيات قتل عن بُعد في غزة”.. تحقيق حصري يكشف الوجه المظلم لرعاية المتحف البريطاني!
خطة “مجلس السلام”: 100 مليون دولار إماراتية لتمويل شرطة غزة الجديدة وقوة دولية بقيادة المغرب
أوغندا توافق على نشر قوات في غزة مع دراسة دول إفريقية الانضمام للخطّة الأمنية الأمريكية-الإسرائيلية

