وطن-تتسع دائرة الخلاف داخل إسرائيل بشأن تداعيات سياسة حكومة بنيامين نتنياهو، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على تل أبيب بسبب الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة. ومع إعلان بريطانيا حزمة جديدة من الإجراءات التي تستهدف المستوطنات والنشاط المرتبط بتوسيعها، لم تأتِ الانتقادات من الخارج فقط، بل صدرت أيضًا من شخصيات إسرائيلية معارضة، رأت أن حكومة نتنياهو تدفع البلاد تدريجيًا نحو عزلة دبلوماسية متزايدة.
لابيد: الحكومة أوصلتنا إلى هنا
وبحسب صحيفة «ميدل إيست آي»، وصف زعيم المعارضة ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يائير لابيد القرار البريطاني بأنه «خاطئ»، لكنه وجّه سهام انتقاده الأساسية إلى حكومة نتنياهو، معتبرًا أن سياساتها هي التي أوصلت إسرائيل إلى الوضع الدولي الراهن.
وقال لابيد إن الحكومة الحالية لا تفعل، في مواجهة الانتقادات الخارجية، سوى إطلاق التوبيخات والتهديدات التي لم يعد أحد يأخذها على محمل الجد، في إشارة إلى تصاعد الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل بشأن الاستيطان وعنف المستوطنين في الضفة الغربية.
وفي الاتجاه نفسه، حمّل عضو الكنيست جلعاد كاريف، من حزب الديمقراطيين اليساري، حكومة نتنياهو مسؤولية العقوبات البريطانية، رابطًا بينها وبين سياسات مصادرة الأراضي الفلسطينية والتوسع الاستيطاني.
وقال كاريف إن الحكومة اليمينية المتطرفة تقود إسرائيل إلى «عزلة دولية»، مضيفًا أن نتنياهو أصبح، بحسب تعبيره، سياسيًا «منبوذًا» على الساحة الدولية.
وكتب كاريف عبر منصة «إكس» أن الإسرائيليين يجب ألا يدفعوا ثمن ما وصفه بـ«تحالف نتنياهو الفاسد مع المتعصبين القوميين»، في انتقاد مباشر للائتلاف اليميني الذي يعتمد عليه رئيس الوزراء للبقاء في السلطة.
مسؤول إسرائيلي سابق يؤيد العقوبات
ولم تقتصر الانتقادات على السياسيين المعارضين، إذ اتخذ المدعي العام الإسرائيلي الأسبق مايكل بن يائير موقفًا أكثر وضوحًا، مرحبًا بالإجراءات البريطانية رغم تأكيده أنه لا ينظر، من حيث المبدأ، بإيجابية إلى فرض دولة حليفة لإسرائيل عقوبات عليها.
وكتب بن يائير في مقال بصحيفة «فايننشال تايمز» أن هذه الإجراءات أصبحت ضرورية للحفاظ على إمكانية التوصل إلى حل سياسي يضمن السلام والأمن لليهود والفلسطينيين الذين يعيشون بين البحر المتوسط ونهر الأردن.
واعتبر أن العقوبات البريطانية تميز بين إسرائيل كدولة وبين احتلالها للأراضي الفلسطينية، واصفًا الاحتلال بأنه غير مقبول أخلاقيًا وسياسيًا وقانونيًا.
بريطانيا تنتقل من الإدانة إلى العقوبات
وجاءت هذه المواقف في أعقاب إعلان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند إجراءات جديدة تستهدف النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.
وقال ميليباند إن الحكومة البريطانية لم تعد ترى أن الاكتفاء بإدانة الظلم والمعاناة كافٍ، معلنًا أن لندن قررت الانتقال إلى إجراءات عملية، في محاولة للضغط من أجل وقف التوسع الاستيطاني والحفاظ على إمكانية إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.
وتشمل الإجراءات البريطانية حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب عقوبات تستهدف أفرادًا وشركات مرتبطة بالبناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات والخدمات التي تساعد، بحسب لندن، على توسيع المستوطنات.
وأكد ميليباند أن الإجراءات تستهدف المستوطنات والتوسع الاستيطاني، وليس إسرائيل كدولة، مشددًا على أن بريطانيا ستواصل تجارتها مع إسرائيل ضمن حدودها المعترف بها دوليًا.
كما أعلنت لندن حظر الإعلان داخل بريطانيا عن العقارات الواقعة في المستوطنات، وفرضت إجراءات بحق مستوطنين إسرائيليين تتهمهم بدعم أو التحريض على العنف ضد الفلسطينيين.
قيود على صادرات الأسلحة
وتضمنت الحزمة البريطانية كذلك رفض منح تراخيص جديدة لصادرات الأسلحة والمواد الأخرى التي تقول لندن إنها قد تسهم ماديًا في الاحتلال، مع استمرار عدد من القيود المفروضة سابقًا على تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل.
وبررت الحكومة البريطانية موقفها بأن استمرار التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين يهددان فرص حل الدولتين، فيما اتهم ميليباند مجموعات استيطانية بممارسة ما وصفه بـ«التطهير العرقي» ضد الفلسطينيين، وقال إن الحكومة الإسرائيلية لم تتخذ إجراءات كافية لوقف هذا العنف.
دعم أوروبي وغربي متزايد
ولم تكن بريطانيا وحدها في هذا المسار، إذ صدر بالتزامن بيان مشترك عن 12 دولة، بينها فرنسا وكندا وإسبانيا والدنمارك وأيرلندا وفنلندا وآيسلندا والنرويج وبولندا والبرتغال والسويد، أعربت فيه عن دعمها لفرض قيود إضافية على التجارة المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية.
وقالت الدول الموقعة إن السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية تقوض إمكانية تحقيق حل الدولتين، داعية إسرائيل إلى وقف التوسع الاستيطاني، ومحاسبة المتورطين في عنف المستوطنين، والتحقيق في الاتهامات المتعلقة بسلوك القوات الإسرائيلية.
وبذلك يتحول ملف المستوطنات بصورة متزايدة من قضية خلافية داخل الدبلوماسية الدولية إلى مصدر لإجراءات اقتصادية وسياسية مباشرة ضد الجهات المرتبطة بها.
تل أبيب ترد بالتصعيد
لم تتأخر الحكومة الإسرائيلية في الرد. فقد أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر سلسلة إجراءات ضد بريطانيا، بينها إغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وإبعاد ممثلين بريطانيين من مركز دولي مرتبط بجهود دعم غزة ومراقبة وقف إطلاق النار.
كما أعلن ساعر إنهاء التدريب البريطاني لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، وفرض حظر دخول على عدد من البرلمانيين البريطانيين والمحامي فهد أنصاري، مدير مكتب محاماة بريطاني.
وشملت قائمة الممنوعين من دخول إسرائيل عددًا من السياسيين البريطانيين، بينهم جيريمي كوربن وزارا سلطانة وناز شاه وديان أبوت وهانا سبنسر وكارلا دينير وسيان بيري وإيلي تشاونز وجون ماكدونالد وريتشارد بورغون وأدريان رامزي.
وبرر ساعر الإجراءات الإسرائيلية بالقول إن العقوبات البريطانية تمثل، من وجهة نظره، تدخلًا في شؤون دولة ذات سيادة، واتهم لندن بمحاولة التأثير في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
كما حذر الوزير الإسرائيلي دولًا أخرى من الانضمام إلى الإجراءات البريطانية، متوعدًا بأن إسرائيل سترد على من يتخذ خطوات ضدها.
هرتسوغ وبن غفير يهاجمان لندن
وانضم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى موجة الانتقادات، معتبرًا الإجراءات البريطانية تدخلًا في الانتخابات الديمقراطية الإسرائيلية، وداعيًا الحكومات الأجنبية إلى التخلي عن سياسة العقوبات والمقاطعات لصالح الحوار والتعاون.
أما وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، فذهب أبعد من ذلك، داعيًا نتنياهو إلى إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، ومعتبرًا أن الرد الإسرائيلي يجب أن يكون حازمًا تجاه ما وصفه بـ«الوقاحة البريطانية».
وفي رسالة وجهها إلى نتنياهو وساعر، دعا بن غفير إلى إيصال رسالة واضحة إلى لندن بأن إسرائيل دولة مستقلة ذات سيادة، وأن فترة الانتداب البريطاني انتهت منذ عقود.
«إي1».. قلب المعركة على الاستيطان
وتأتي هذه المواجهة في وقت يتصاعد فيه الجدل حول مشاريع استيطانية جديدة في الضفة الغربية، وعلى رأسها مشروع «إي1» الذي يُعد من أكثر المشاريع حساسية بسبب موقعه الاستراتيجي.
وكانت إسرائيل قد فتحت في وقت سابق من العام عطاءات لبناء نحو 1200 وحدة استيطانية في المنطقة، ضمن مخطط يهدف إلى تعزيز الربط بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم والمستوطنات المحيطة بها.
ويثير المشروع اعتراضات فلسطينية ودولية، بسبب المخاوف من أن يؤدي تنفيذه إلى تجزئة الضفة الغربية وقطع التواصل الجغرافي بين أجزاء منها، بما يزيد صعوبة إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.
خلاف داخل إسرائيل.. وضغط من الخارج
وهكذا لم تعد قضية الاستيطان مجرد ملف يواجه حكومة نتنياهو في المحافل الدولية، بل تحولت أيضًا إلى نقطة خلاف داخل إسرائيل نفسها.
ففي الوقت الذي تصر فيه الحكومة على رفض الضغوط الخارجية وتعتبر العقوبات تدخلاً في شؤونها، يرى معارضوها أن التصعيد الدبلوماسي ليس سوى نتيجة مباشرة لسياساتها، وأن استمرار التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين يضع إسرائيل أمام عزلة دولية متزايدة.
وبين تهديدات تل أبيب وعقوبات لندن، يتسع الخلاف حول مستقبل الضفة الغربية وحل الدولتين، فيما يبدو أن المعركة لم تعد تدور فقط حول المستوطنات على الأرض، بل أيضًا حول مكانة إسرائيل وعلاقاتها مع حلفائها الغربيين.
اقرأ أيضاً
فرنسا وكندا تستعدان لإعلان عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية بعد خطوة بريطانيا
بريطانيا تتجه لحظر بضائع المستوطنات الإسرائيلية.. اختبار حاسم لاستقلال سياستها الخارجية
عرب بريطانيون يصعّدون الضغط على لندن: إجراءات ملزمة لوقف دعم المستوطنات الإسرائيلية
بريطانيا تقترب من حظر منتجات المستوطنات الإسرائيلية.. ضغوط متزايدة على حكومة ستارمر

