وطن-تجد كوريا الجنوبية نفسها أمام اختبار سياسي وأمني حساس، بعدما فتحت الحكومة الباب أمام احتمال تقديم مساهمة عسكرية أو أمنية للجهود الأمريكية الرامية إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، وسط تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران وتحذيرات إيرانية من أن أي انتشار عسكري كوري في المنطقة سيُعتبر دعماً مباشراً للعمليات الأمريكية ضد إيران.
وأثار احتمال انخراط سيول في هذه التحركات موجة اعتراض داخل البلاد، مع خروج محتجين إلى الشوارع رفضاً لأي مشاركة عسكرية قد تجعل كوريا الجنوبية طرفاً في مواجهة إقليمية لا تتعلق بأمنها المباشر، بينما ترى الحكومة أن أمن الملاحة في هرمز يرتبط بصورة وثيقة بأمن الطاقة والاقتصاد الكوري.
احتجاجات أمام السفارة الأمريكية
وتجمع عشرات المحتجين أمام السفارة الأمريكية في العاصمة سيول، رافعين شعارات تطالب الحكومة بعدم إرسال قوات أو معدات عسكرية إلى المنطقة.
وأظهرت مقاطع مصورة انتشاراً أمنياً حول السفارة، فيما تدخلت الشرطة لإبعاد المحتجين عن محيط المبنى، في مشهد يعكس حساسية النقاش داخل كوريا الجنوبية بشأن حدود التحالف العسكري مع واشنطن.
وجاءت الاحتجاجات بعد إعلان سيول أنها تدرس تقديم «مساهمات» في الجهود الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في مضيق هرمز، قبل أن ترسل لاحقاً بعثة لتقصي الحقائق إلى المنطقة من أجل تقييم الوضع والخيارات المتاحة أمامها.
إيران ترفع سقف التحذير
في المقابل، سارعت طهران إلى توجيه رسالة حادة إلى سيول، محذرة من أن أي انتشار عسكري كوري جنوبي في المنطقة سيُنظر إليه باعتباره دعماً مباشراً للطرف الذي تعتبره إيران مسؤولاً عن العدوان، وأن مثل هذه الخطوة قد تترتب عليها «عواقب خطيرة».
ويكشف التحذير الإيراني مدى حساسية أي توسع في التحالفات العسكرية المحيطة بمضيق هرمز، خصوصاً في ظل محاولة الولايات المتحدة حشد شركائها للمساهمة في حماية حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية لنقل النفط والطاقة عالمياً.
«مشاركة مباشرة في الحرب»
وفي كوريا الجنوبية، يتصاعد الرفض الشعبي لأي تورط عسكري. وقال جونغ كيونغ-جيك، من منظمة «التضامن الشعبي من أجل الديمقراطية التشاركية»، إن إرسال قوات كورية إلى المنطقة قد يعني، من وجهة نظره، مشاركة مباشرة في الحرب، معتبراً أن العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران أثارت انتقادات تتعلق بالقانون الدولي.
ويعكس هذا الموقف جزءاً من المخاوف الداخلية من أن تتحول مساهمة محدودة في حماية الملاحة إلى انخراط عسكري أوسع، خصوصاً إذا استمر التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
ترامب يضغط على سيول
وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه كوريا الجنوبية ضغوطاً متزايدة من واشنطن. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد انتقد في وقت سابق عدم تقديم سيول دعماً كافياً للتحركات الأمريكية ضد إيران، في موقف أضاف ملف هرمز إلى سلسلة الملفات التي تختبر طبيعة التحالف العسكري والأمني بين واشنطن وسيول.
وبالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن مشاركة حلفاء آسيويين وأوروبيين في حماية الملاحة يمكن أن تخفف العبء عن القوات الأمريكية وتوسع نطاق التحالف الدولي حول المضيق.
أما بالنسبة لكوريا الجنوبية، فإن المعادلة أكثر تعقيداً، لأن الانضمام إلى أي عملية عسكرية قد يعرّض مصالحها الاقتصادية والأمنية لمخاطر إضافية.
هرمز شريان الطاقة الكوري
ولا تستطيع سيول التعامل مع أزمة هرمز باعتبارها أزمة بعيدة جغرافياً، فكوريا الجنوبية تعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة التي تمر عبر المضيق، وبحسب البيانات التي أوردتها التقارير، مر عبره العام الماضي نحو 61% من واردات كوريا الجنوبية من النفط الخام و54% من وارداتها من النافثا.
ولهذا فإن إغلاق المضيق أو تعطيل حركة السفن فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار الطاقة وتكاليف النقل والصناعة في كوريا الجنوبية، وهي دولة تعتمد على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة.
وهنا تظهر المفارقة: المشاركة العسكرية قد تعرض كوريا الجنوبية للخطر، لكن الابتعاد عن جهود حماية الملاحة قد يعرض اقتصادها لخطر أكبر إذا استمر اضطراب حركة الطاقة.
طائرات وسفن وخيارات عسكرية
وتدرس سيول مجموعة من الخيارات المحتملة، من بينها إرسال طائرة دوريات بحرية من طراز بي-8 بوسيدون، إلى جانب سفينة دعم لوجستي تابعة للبحرية.
كما أشارت تقارير كورية جنوبية إلى احتمال إدراج فريق متخصص في إبطال مفعول المتفجرات ضمن الخيارات المطروحة، في حال قررت الحكومة تقديم مساهمة ذات طابع أمني أو دفاعي بدلاً من المشاركة المباشرة في العمليات القتالية.
لكن طرح هذه الخيارات لا يعني اتخاذ قرار نهائي بإرسال قوات.
قرار لا يمكن أن تتخذه الحكومة وحدها
وأوضحت الرئاسة الكورية الجنوبية أن أي انتشار عسكري جديد في المنطقة سيحتاج إلى المرور عبر الإجراءات الدستورية والسياسية المعمول بها، بما في ذلك مراجعة مجلس الأمن القومي ثم موافقة مجلس الوزراء، قبل طرح القرار أمام الجمعية الوطنية وفق المتطلبات القانونية.
وهذا يعني أن أي قرار بالمشاركة العسكرية لن يكون مجرد استجابة سريعة لضغوط واشنطن، بل سيحتاج إلى نقاش سياسي داخلي قد يكون معقداً في ظل المعارضة الشعبية.
تجربة 2019 تعود إلى الواجهة
وليست هذه المرة الأولى التي تجد فيها سيول نفسها أمام معادلة مشابهة. ففي عام 2019، وسعت كوريا الجنوبية نطاق انتشار وحدة بحرية كانت تعمل في مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية، لتشمل المياه المحيطة بمضيق هرمز، في محاولة لتحقيق توازن بين التزاماتها تجاه الولايات المتحدة وحماية مصالحها في الملاحة، من دون الانخراط في مواجهة مباشرة مع إيران.
وتحضر تلك التجربة اليوم مجدداً باعتبارها نموذجاً محتملاً لمشاركة محدودة، بدلاً من إرسال قوة عسكرية إلى مواجهة مباشرة.
لي جاي ميونغ يبحث الملف مع ماكرون
وفي خضم الجدل، بحث الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ ملف مضيق هرمز مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. لكن مكتب الرئاسة الكورية أوضح أن المحادثات تناولت مساهمات محتملة في الجهود الدولية الرامية إلى ضمان أمن الملاحة وحرية حركة السفن، وليس قراراً بإرسال قوات كورية جنوبية إلى المنطقة.
ويشير ذلك إلى أن سيول لا تزال تترك الباب مفتوحاً أمام مساهمة ما، لكنها تحاول في الوقت نفسه تجنب إعطاء انطباع بأنها اتخذت قراراً بالانضمام إلى أي عملية عسكرية ضد إيران.
بين واشنطن وطهران
وهكذا تجد كوريا الجنوبية نفسها أمام معادلة صعبة: فمن جهة، هناك تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة وضغوط أمريكية للمشاركة في حماية الملاحة، ومن جهة أخرى هناك خطر تحويل هذه المشاركة إلى عامل تصعيد مع إيران.
وفي الجانب الاقتصادي، تبدو المسألة أكثر إلحاحاً، لأن اضطراب مضيق هرمز يهدد مباشرة تدفق النفط والمواد الخام التي تحتاجها الصناعة الكورية.
لكن أي وجود عسكري كوري في المنطقة قد يجعل سيول طرفاً في مواجهة يمكن أن تمتد إلى مصالحها وسفنها ومنشآتها ومواطنيها.
ولهذا، قد تبحث كوريا الجنوبية عن حل وسط: مساهمة استخباراتية أو لوجستية أو بحرية محدودة، من دون الانخراط في عمليات قتالية مباشرة.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع سيول حماية مصالحها في مضيق هرمز من دون أن تصبح جزءاً من الحرب بين واشنطن وطهران؟
اقرأ أيضاً
مضايق هرمز وباب المندب وتايوان.. شرايين التجارة العالمية في قلب الصراع الجيوسياسي
ترامب يفرض رسوماً جمركية جديدة على 60 اقتصاداً.. تصعيد تجاري أمريكي يهدد الأسواق العالمية

