وطن-لم تكن هذه المرة حكاية من مسلسل تلفزيوني، ولا مشهدًا تمثيليًا عن مدرسة مثالية تحاول إنقاذ طلابها من الإهمال، بل قصة مديرة مدرسة مصرية حقيقية وجدت نفسها مضطرة إلى إنفاق مالها الخاص من أجل إصلاح ما يمكن إصلاحه، بعدما تقول إنها تقدمت بطلبات ومذكرات إلى الجهات المختصة من دون أن تجد الاستجابة التي كانت تنتظرها.
القصة بدأت داخل مدرسة الشهيد أحمد سمير في كفر الجزار بمحافظة القليوبية، عندما دخلت مديرة المدرسة صالحة أبو الفضل في نقاش مع المحافظ بشأن حالة المبنى وتجهيزاته. لكن اللافت أنها لم تكتفِ بالكلام، بل أخرجت الفواتير والمستندات التي قالت إنها تثبت إنفاقها من مالها الخاص على عدد من الإصلاحات داخل المدرسة.
«أنا دفعت من جيبي»
الجملة التي قالتها المديرة أمام المحافظ، «أنا دفعت من جيبي»، كانت كفيلة بتحويل النقاش من مجرد حديث عن مدرسة تحتاج إلى الصيانة، إلى قصة أوسع عن المسؤولية التي قد يجد بعض العاملين في المؤسسات التعليمية أنفسهم مضطرين لتحملها عندما تتأخر الحلول الرسمية.
وبحسب ما ظهر في المقاطع المتداولة، تحدثت أبو الفضل عن مشكلات طالت الكهرباء ودورات المياه وشبكات الصرف الصحي، إلى جانب احتياجات أخرى تتعلق بالمقاعد والدهانات وتجهيزات المدرسة.
ولم تكن المشكلة مجرد أعطال بسيطة يمكن تأجيلها، إذ قالت المديرة إن مياه الصرف الصحي كانت تغرق أجزاء من المدرسة، بما يؤثر في البيئة التي يتلقى فيها الطلاب تعليمهم ويهدد انتظام العملية الدراسية.
حين يتحول الإصلاح إلى مبادرة شخصية
أمام هذه الظروف، لم تنتظر المديرة وصول الحلول من المكاتب، وفق روايتها، بل بادرت إلى التدخل بما تستطيع، وساهمت من مالها الخاص في معالجة بعض المشكلات.
والأهم أنها، بحسب ما ظهر في حديثها، لم تكتفِ بالإنفاق، وإنما احتفظت بالفواتير والمستندات التي توثق ما دفعته، وكأنها كانت تدرك أن ما يحدث داخل المدرسة لن يكون مجرد قصة تروى، بل ملفًا يحتاج إلى أدلة ووثائق.
وهنا تحولت عبارة بسيطة مثل «دفعت من جيبي» إلى مفتاح لفهم حجم المشكلات التي كانت تواجهها المدرسة، وإلى سؤال أكبر: هل يفترض بمدير المدرسة أن يتحمل من ماله الخاص تكلفة إصلاح منشأة تعليمية يفترض أن تتولى الجهات المسؤولة توفير احتياجاتها؟
المدرسة لم تكن تعاني من الصرف فقط
مشكلات المدرسة، وفق الرواية المتداولة، لم تتوقف عند الكهرباء والصرف الصحي. فقد أشارت المديرة أيضًا إلى غياب الحراسة، وهو ما تسبب في تعرض بعض الأشياء للسرقة، وجعلها تتحمل في بعض الحالات تكلفة تعويض ما فقدته حتى لا تتعطل احتياجات الطلاب.
وهكذا وجدت أبو الفضل نفسها أمام سلسلة من المشكلات المتراكمة: مبنى يحتاج إلى إصلاح، تجهيزات تحتاج إلى متابعة، صرف صحي يسبب أزمة، وحراسة غير كافية، بينما تظل المدرسة مطالبة في النهاية بمواصلة عملها واستقبال الطلاب.
من «أبلة صالحة» إلى «أبلة حكمت»
سرعان ما انتقلت القصة من المدرسة إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث أشاد عدد من المتابعين وأولياء الأمور بما قامت به المديرة، وشبهوها بشخصية «أبلة حكمت»، المعلمة والمديرة التي ارتبط اسمها في الذاكرة العربية بصورة المربي الذي يرى التعليم رسالة تتجاوز حدود الوظيفة.
لكن التشبيه هنا لا يعني أن صالحة أبو الفضل نسخة من الشخصية الدرامية، بل يعكس الطريقة التي نظر بها الجمهور إلى تصرفاتها؛ مديرة اختارت، وفق روايتها، أن تتدخل بنفسها عندما وجدت أن بعض احتياجات المدرسة لا تحتمل الانتظار.
فـ«أبلة حكمت» كانت شخصية على الشاشة، أما «أبلة صالحة» فهي امرأة حقيقية وجدت نفسها وسط مدرسة حقيقية ومشكلات حقيقية، وقررت أن تتحرك بالطريقة التي رأت أنها ممكنة.
القصة أكبر من مديرة مدرسة
ربما لهذا السبب تحديدًا لاقت قصة صالحة أبو الفضل هذا التفاعل. فالمشهد لم يعد متعلقًا بمديرة أنفقت من مالها فحسب، وإنما فتح نقاشًا حول واقع المدارس واحتياجاتها، وحول الحدود الفاصلة بين المسؤولية المهنية والمبادرات الشخصية.
فإذا كانت المديرة قد اضطرت فعلًا إلى استخدام مالها الخاص لمعالجة مشكلات أساسية داخل المدرسة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند الإشادة بها، بل يمتد إلى معرفة أسباب وصول المدرسة إلى هذه المرحلة أصلًا، وما إذا كانت المشكلات التي تحدثت عنها قد عولجت بصورة مستدامة أم أن الحل كان مجرد تدخل فردي مؤقت.
«أبلة حكمت» ما زالت بيننا
قد تتغير الأسماء، وقد تختلف الظروف، لكن صورة المربي الذي يعتبر المدرسة أكثر من مجرد مكان للعمل لا تزال حاضرة.
هذه المرة لم تكن البطلة ممثلة، ولم يكن المشهد جزءًا من مسلسل، بل كانت مديرة مدرسة تقف أمام واقع يومي وتحاول، وفق روايتها، أن تفعل ما تستطيع من أجل طلابها.
ومن هنا جاءت المقارنة التي أطلقها رواد المنصات: «أبلة حكمت» خرجت من الشاشة، أو ربما لم تغادرها أصلًا، لأن بعض الشخصيات التي صنعتها الدراما قد تجد طريقها إلى الواقع بأسماء مختلفة.
والسؤال الذي يبقى بعد انتهاء الضجة ليس فقط: هل تستحق صالحة أبو الفضل لقب «أبلة حكمت»؟ بل أيضًا: لماذا تحتاج بعض المدارس إلى «أبلة صالحة» حتى تحصل على أبسط احتياجاتها؟
قد يعجبك
“لم أعد أستطيع أن أحيا حياة كريمة”.. هروب مصارعين مصريين يفتح ملف معاناة الرياضيين
لاجئون في مصر بلا عدالة.. قيود قانونية واعتداءات تهدد النساء والأطفال
القاضي المزيّف يهز مصر.. تحقيقات تكشف كيف انتحل عاطل صفة قاضٍ داخل محكمة واستولى على ملايين الجنيهات
“المركب بتغرق”.. مقترح محمود عمارة للخروج الآمن للسيسي يفتح جدلاً حول مستقبل مصر

