وطن-دخلت الحرب في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، مع إطلاق القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية هجوماً مضاداً على مواقع جماعة الحوثي في عدة جبهات، بالتزامن مع تجدد الهجمات الحوثية على جنوب السعودية، في تطورات تهدد بإعادة إشعال واحدة من أطول حروب المنطقة بعد سنوات من الهدوء النسبي.
وفي الوقت الذي تتسع فيه رقعة المواجهات داخل اليمن، تؤكد الرياض أن باب الدبلوماسية لم يُغلق، لكنها تشدد في الوقت نفسه على استعدادها للدفاع عن أراضيها ومصالحها أمام الهجمات العابرة للحدود.
صنعاء تعود إلى واجهة المعركة
وقالت وسائل إعلام، بينها «ميدل إيست آي» و«الجزيرة»، إن القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية بدأت هجوماً واسعاً ضد الحوثيين، مع اشتداد المعارك في محافظات الجوف والبيضاء وتعز، وهي جبهات يمكن أن تؤثر في طرق الإمداد والاقتراب من العاصمة صنعاء.
وقال نائب وزير الدفاع اليمني، اللواء سمير الصبري، في تصريحات للتلفزيون الرسمي، إن الحكومة قررت «استعادة صنعاء»، في مؤشر على تحول واضح في خطاب القوات الحكومية بعد سنوات من الجمود النسبي على الجبهات الرئيسية.
بدوره، قال المتحدث باسم القوات الموالية للحكومة، ماجد النزيلي، إن العملية تهدف إلى ما وصفه بـ«تحرير اليمن من قبضة» الحوثيين واستعادة صنعاء بوصفها عاصمة لجميع اليمنيين. كما حذرت القوات الحكومية المدنيين من استخدام عدد من الطرق المؤدية إلى العاصمة والمناطق المحيطة بها.
اتساع رقعة الاشتباكات
وتتركز المعارك الجديدة في عدة محاور، بينها الجوف والبيضاء وتعز، وسط استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والمدفعية، وفق روايات الأطراف المتحاربة.
وفي الجوف، تحدثت القوات الحكومية عن عمليات باتجاه جبال اللبنات ومنطقة اليتمة، بينما أفاد الحوثيون بأنهم تمكنوا من صد بعض الهجمات واستهداف تعزيزات للقوات الحكومية.
وتتبادل الجماعة والحكومة الاتهامات بشأن المسؤولية عن التصعيد وحجم الخسائر، في وقت يصعب فيه التحقق بصورة مستقلة من جميع الأرقام المعلنة ميدانياً.
الحوثيون يردون من داخل اليمن
من جانبهم، اتهم الحوثيون السعودية بتكثيف غاراتها الجوية على مواقع في محافظات يمنية عدة.
وقال المتحدث العسكري باسم الجماعة، يحيى سريع، إن السعودية نفذت 121 غارة جوية خلال ثلاثة أيام على محافظات مأرب والبيضاء والحديدة وتعز والجوف، مؤكداً أن الجماعة سترد بضربات وصفها بأنها «أشد وأوسع». وهذه الأرقام صادرة عن الحوثيين ولم تُتحقق منها بصورة مستقلة.
وفي تطور آخر، أعلنت السلطات الحوثية أن غارة سعودية استهدفت سجناً في مدينة الحزم بمحافظة الجوف، وأسفرت عن سقوط ضحايا بين السجناء والزوار. ولم تعلن الرياض تأكيداً مستقلاً لهذه الرواية حتى الآن.
73 مصاباً في جنوب السعودية
لكن التصعيد لم يبق داخل الأراضي اليمنية. وقالت السعودية إن هجمات حوثية استهدفت مواقع مدنية واقتصادية في مدن أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأسفرت عن إصابة 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال. ووصف المتحدث باسم قوات التحالف، اللواء تركي المالكي، الهجمات بأنها «تصعيد خطير» وانتهاك لسيادة المملكة.
وأكدت الرياض أنها ستتخذ «الإجراءات العملياتية اللازمة» لمواجهة الهجمات ومصادر التهديد، في رسالة تعكس استعدادها للرد العسكري إذا استمرت الضربات.
منشآت الطاقة تحت النار
الأخطر أن الهجمات طالت أيضاً قطاع الطاقة السعودي. وقالت وزارة الطاقة السعودية إن عدداً من منشآت ومرافق قطاع الطاقة في المناطق الجنوبية تعرض لهجمات في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين والمقيمين واندلاع حرائق في مواقع عدة، إضافة إلى توقف مؤقت لبعض العمليات.
وأعلن الحوثيون بدورهم مسؤوليتهم عن هجوم واسع استخدموا خلاله عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقالوا إنهم استهدفوا منشآت تابعة لشركة أرامكو ومواقع عسكرية في جنوب السعودية. ولا تزال تفاصيل الأضرار الفعلية التي لحقت بهذه المنشآت قيد التقييم.
الرياض: الدبلوماسية لم تُغلق
ورغم التصعيد العسكري، أبقت السعودية على خطاب سياسي يترك الباب مفتوحاً أمام الحلول الدبلوماسية.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إن الحوثيين يحاولون، بحسب تعبيره، تصدير أزماتهم إلى السعودية والحكومة اليمنية، مؤكداً أن المملكة ستواصل دعم الحلول الدبلوماسية، لكنها «لن تتردد» في الدفاع عن نفسها وحماية مصالحها.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي التصعيد الحالي إلى انهيار ما تبقى من قنوات التهدئة التي ساعدت خلال السنوات الماضية على خفض مستوى القتال المباشر.
البحر الأحمر وباب المندب في قلب الأزمة
ولا تقتصر تداعيات التصعيد على اليمن والسعودية، إذ يمتد تأثيره إلى البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وكان الحوثيون قد أعلنوا خلال الأسابيع الماضية فرض حصار بحري على السعودية واستهداف سفن مرتبطة بها، في حين أدى التصعيد الإقليمي الأوسع إلى زيادة المخاوف بشأن سلامة الملاحة في البحر الأحمر والممرات المؤدية إلى قناة السويس.
وبذلك باتت الجبهة اليمنية مرتبطة بصورة أكبر بالتوترات الإقليمية، ولا سيما الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وما ترتب عليها من اضطرابات في حركة الملاحة والطاقة.
الهدنة الأممية تتعرض لأخطر اختبار
منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022، شهدت اليمن فترة من الهدوء النسبي مقارنة بالسنوات الأولى للحرب، رغم عدم التوصل إلى تسوية سياسية نهائية.
لكن المعارك الأخيرة تمثل أخطر تصعيد منذ ذلك الحين، بحسب تقارير إعلامية، مع انتقال القتال إلى جبهات متعددة وارتفاع عدد النازحين.
وقالت منظمة الصحة العالمية إن نحو 1078 شخصاً قُتلوا أو أصيبوا منذ 24 أغسطس، فيما تجاوز عدد النازحين 21 ألف شخص منذ الخميس، وفق أحدث الأرقام التي نقلتها وسائل إعلام عن المنظمة.
أزمة إنسانية تفتح من جديد
ويأتي التصعيد العسكري في بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تهدد عودة القتال الواسع بزيادة أعداد النازحين والضغط على الخدمات الصحية والغذائية.
وفي الوقت الذي تتبادل فيه الأطراف الاتهامات بشأن بدء التصعيد، يبقى المدنيون في مرمى النيران، خصوصاً مع اتساع العمليات من تعز والجوف والبيضاء إلى مناطق قريبة من طرق استراتيجية ومراكز سكانية.
اليمن أمام منعطف خطير
المشهد اليمني اليوم لم يعد مجرد عودة إلى الاشتباكات التقليدية بين الحكومة والحوثيين، بل بات يحمل أبعاداً إقليمية أكثر خطورة.
فالحكومة تتحدث عن استعادة صنعاء، والحوثيون يهددون بتوسيع ضرباتهم داخل السعودية، فيما تواجه منشآت الطاقة والملاحة البحرية مخاطر متزايدة.
وبينما تؤكد الرياض أن الحل الدبلوماسي لا يزال ممكناً، فإن اتساع العمليات العسكرية وتبادل الضربات عبر الحدود يضعان هذا المسار أمام اختبار حقيقي.
وإذا استمر التصعيد على الوتيرة الحالية، فقد لا تكون اليمن أمام مجرد جولة جديدة من القتال، بل أمام عودة شاملة للحرب بعد سنوات من الهدوء النسبي، بما قد يهدد أمن الملاحة والطاقة ويعمّق الكارثة الإنسانية في البلاد.
اقرأ المزيد
تقديرات إسرائيلية: إيران تنسق مع حزب الله وحماس والحوثيين لهجوم متعدد الجبهات على إسرائيل
هجمات الحوثيين على ناقلات النفط السعودية تضغط على صادرات الرياض عبر البحر الأحمر
تهديدات الحوثيين في باب المندب تضغط على آخر مسارات النفط السعودية بعد أزمة هرمز..
هجمات الحوثيين تقترب من أرامكو.. هل دخلت منشآت الطاقة السعودية مرحلة الخطر الجديد؟

