وطن – القدس – في تصعيد سياسي جديد قبيل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، كشف وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير عن خطة تستهدف إبعاد جميع الفلسطينيين من قطاع غزة إلى خارج الأراضي الفلسطينية، واصفاً المقترح بأنه “واقعي” و”ملموس”، رغم أن التهجير القسري للسكان المدنيين في الأراضي المحتلة يُعد جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف.
وقالت صحيفة الغارديان البريطانية إن بن غفير طرح، خلال الأيام الأخيرة، تصوراً يقوم على إخراج نحو 250 ألف فلسطيني من غزة خلال السنة الأولى، على أن يتم تهجير بقية سكان القطاع، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، خلال السنوات الست التالية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، زعم بن غفير أن هناك دولاً “مستعدة” لاستقبال الفلسطينيين من قطاع غزة، من دون أن يكشف أسماء هذه الدول أو يوضح طبيعة التفاهمات المفترضة معها. وقال الوزير الإسرائيلي إن خطته ليست مجرد شعار انتخابي، بل هي “ثمرة عام ونصف من العمل”، على حد تعبيره.
خطة تحت عنوان “الهجرة الطوعية” رغم طابعها القسري
وأشارت الغارديان إلى أن الخطة وردت في وثيقة من 20 صفحة تحمل عنواناً مخففاً هو: “خطة عمل وطنية للهجرة الطوعية من قطاع غزة”. غير أن استخدام مصطلح “الطوعية” لا يغيّر، وفق تقديرات دولية واسعة، من جوهر المشروع الذي يُنظر إليه باعتباره تهجيراً قسرياً، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها سكان غزة نتيجة الحرب والحصار والدمار الواسع.
وأضافت الصحيفة أن الطابع القسري للخطة يتضح من الهدف المعلن لبن غفير نفسه، وهو إزالة الوجود الفلسطيني من القطاع، وليس مجرد فتح باب السفر لمن يرغب. كما أن القانون الدولي يحظر نقل أو ترحيل السكان المدنيين من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، ويعتبر ذلك من الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف.
وتأتي تصريحات بن غفير في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الإسرائيلية سباقاً بين قوى اليمين واليمين المتطرف لتقديم رؤى أكثر تشدداً بشأن مستقبل غزة، بالتوازي مع استمرار الهجمات الإسرائيلية، وتعثر جهود وقف إطلاق النار التي حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب دفعها، وفق ما ذكرت الغارديان.
بن غفير يطالب بوزارة مختصة بـ”الهجرة” في الحكومة المقبلة
وقال بن غفير إن حزبه “القوة اليهودية” سيطالب، خلال مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، بإنشاء وزارة خاصة تكون مسؤولة عن ملف “الهجرة” من غزة. وبحسب الصحيفة البريطانية، يسعى الوزير اليميني المتطرف إلى تحويل فكرة تهجير الفلسطينيين من القطاع إلى برنامج حكومي رسمي في حال مشاركته في الائتلاف المقبل.

وتزامنت هذه التصريحات مع أجواء انتخابية محتدمة في إسرائيل، حيث يحاول بن غفير تعبئة قاعدته اليمينية المتشددة عبر مواقف وخطابات تصعيدية ضد الفلسطينيين. ولفتت الغارديان إلى أن الوزير الإسرائيلي كثّف خلال الفترة الأخيرة ظهوره الإعلامي ومداخلاته المثيرة للجدل، في محاولة لتعزيز موقع حزبه قبل انتخابات أكتوبر.
وفي سياق متصل، ذكرت الصحيفة أن لجنة تحقيق أممية مستقلة خلصت، في وقت سابق من هذا العام، إلى أن إسرائيل واصلت ارتكاب أعمال إبادة جماعية في غزة، بما في ذلك الاستهداف المتعمد للأطفال الفلسطينيين، وهو ما يزيد من حساسية أي طرح إسرائيلي يتحدث عن إبعاد سكان القطاع أو تغيير تركيبته السكانية بالقوة.
وزير الدفاع الإسرائيلي يتحدث عن تنسيق مع إدارة ترامب
ولم تكن تصريحات بن غفير معزولة عن مواقف أخرى داخل الحكومة الإسرائيلية. فقد نقلت الغارديان عن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوله إن إسرائيل تسعى للحصول على موافقة إدارة ترامب على خطة لتهجير الفلسطينيين من غزة، مشيراً إلى أن المشروع ما زال قيد البحث بعدما “جمّده” ترامب في وقت سابق.
وجاءت تصريحات كاتس خلال مؤتمر نظمته صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، حيث قال إن إسرائيل ستسهّل خروج الفلسطينيين “بأي وسيلة”، وهي عبارة فسّرتها الصحيفة البريطانية على أنها تحمل دلالة واضحة على سياسة ضغط وإكراه، لا على هجرة اختيارية بالمعنى الحقيقي.
وكان ترامب نفسه قد أثار موجة غضب دولية في بداية ولايته الثانية، عندما اقترح أن يغادر جميع الفلسطينيين البالغ عددهم نحو مليوني شخص قطاع غزة، وأن تتولى الولايات المتحدة إعادة تطوير القطاع. غير أن الرئيس الأميركي تراجع لاحقاً عن المقترح بعد انتقادات واسعة، بحسب ما أوردته الغارديان.
تصعيد انتخابي ورسائل للقاعدة اليمينية المتطرفة
وبحسب الصحيفة، يستخدم بن غفير ملف غزة وملف الأسرى الفلسطينيين كجزء من حملة سياسية موجهة إلى جمهور اليمين المتطرف داخل إسرائيل. فقد نشر في الفترة الأخيرة مقاطع مصورة من موقع قال إنه مخصص لتنفيذ أحكام إعدام بحق فلسطينيين أدانتهم محاكم عسكرية إسرائيلية بتنفيذ هجمات قاتلة، في حين لا تشمل هذه السياسة متطرفين يهوداً متهمين بجرائم مماثلة.
كما ظهر بن غفير في مقطع آخر وهو يتباهى بسوء معاملة معتقلين فلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، في مشهد أثار انتقادات حقوقية واسعة. وتقول الغارديان إن هذه المواقف تأتي ضمن سلسلة تدخلات استفزازية من الوزير الإسرائيلي، الذي سبق أن أدين بالتحريض على العنصرية ودعم منظمة إرهابية، كما فُرضت عليه عقوبات من عدة دول.
وتشير استطلاعات الرأي، وفق ما نقلته الصحيفة، إلى أن حزب “القوة اليهودية” الذي يقوده بن غفير قد يحصل على نحو سبعة مقاعد في الانتخابات المقبلة، وهو ما قد يمنحه قدرة على التأثير في تشكيل الائتلاف الحكومي المقبل، خاصة إذا احتاج رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى دعم أحزاب اليمين المتطرف للبقاء في السلطة.
نتنياهو: لن ننسحب من المناطق التي نسيطر عليها في غزة
في المقابل، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، في زيارة إلى موقع عسكري داخل غزة، مؤكداً أن إسرائيل لن تنسحب من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع. وقال نتنياهو، بحسب ما نقلت الغارديان: “نحن لا ننسحب. نحن باقون على هذا الخط. نسيطر على 60% من القطاع، وما زال هناك المزيد، لأننا نواصل القضاء على الإرهابيين الذين يهددوننا، نفعل ذلك يوماً بعد يوم”.
غير أن نائب رئيس الأركان الإسرائيلي، اللواء تمير ياداي، قال إن إسرائيل تسيطر حالياً على 65% من مساحة قطاع غزة، وهي نسبة تتجاوز بكثير نسبة 53% التي جرى الاتفاق عليها ضمن وقف إطلاق النار الذي رعاه ترامب العام الماضي.
وتعكس هذه التصريحات، وفق الصحيفة البريطانية، اتجاهاً إسرائيلياً متزايداً نحو تثبيت السيطرة العسكرية على أجزاء واسعة من غزة، في وقت يتحدث فيه وزراء في الحكومة عن تهجير السكان أو دفعهم إلى مغادرة القطاع، ما يفتح الباب أمام مواجهة أوسع مع القانون الدولي والمجتمع الدولي.
دعوات لترحيل نواب ومعارضين بدعوى “عدم الولاء”
ولم تقتصر مواقف بن غفير على قطاع غزة فقط. فقد دعا الوزير الإسرائيلي، بحسب الغارديان، إلى ترحيل نائبين في الكنيست وآخرين وصفهم بأنهم “غير موالين لدولة إسرائيل”، مشيراً إلى أن هذا الطرح قد يشمل حتى يهوداً في حال اعتبرتهم السلطات غير موالين.
وقال بن غفير إنه سيدفع باتجاه تبني هذه السياسة إذا شارك في الحكومة المقبلة، ما يضيف بعداً داخلياً خطيراً إلى برنامجه السياسي، إذ لا يقتصر على الفلسطينيين في غزة أو الضفة، بل يمتد إلى معارضين ومواطنين داخل إسرائيل نفسها.
وبين خطط تهجير الفلسطينيين من غزة، وتثبيت السيطرة العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، والتصعيد الانتخابي داخل إسرائيل، تبدو القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة التعقيد. فالمقترحات التي يطرحها بن غفير وحلفاؤه لا تمس مستقبل غزة فقط، بل تضع إسرائيل مجدداً في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي، وسط تحذيرات من أن استخدام مصطلحات مثل “الهجرة الطوعية” قد يكون غطاءً سياسياً لسياسات تهجير قسري واسعة النطاق.

