وطن-في ظل الحرب المستمرة في السودان، تحولت مجموعات مدنية مسلحة إلى لاعب مؤثر في المعارك إلى جانب القوات المسلحة السودانية، ولا سيما في إقليم كردفان، حيث تتسع المواجهات مع قوات الدعم السريع.
وبينما يرى مقاتلو هذه المجموعات أن حمل السلاح أصبح ضرورة لحماية السكان ومواجهة الانتهاكات، يحذر ناشطون وقوى مدنية من أن ما يعرف بـ«المقاومة الشعبية» قد يتحول إلى أداة سياسية وعسكرية تسمح بعودة شخصيات وقوى مرتبطة بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير إلى المشهد.
المدنيون يحملون السلاح في مواجهة الحرب
وقال موقع “ميدل إيست آي“، في تقرير أعده الصحفي محمد أمين من مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، إن السودانيين اضطروا منذ الأشهر الأولى للحرب إلى تنظيم أنفسهم وحمل السلاح للدفاع عن مناطقهم، بعدما امتدت المعارك وتزايدت الانتهاكات ضد المدنيين.
ففي مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور، خلال صيف 2023، حمل أبناء قبيلة المساليت السلاح للدفاع عن أنفسهم مع تصاعد الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع ومجموعات مسلحة متحالفة معها.
وفي ولاية الجزيرة، جنوب الخرطوم، تصدت قرى محلية لمقاتلي الدعم السريع بعد توسع انتشارهم في المنطقة. أما في الفاشر، عاصمة شمال دارفور، فقد تمكن السكان والقوات المدافعة عن المدينة من إبقاء قوات الدعم السريع خارجها لأكثر من 550 يوماً، قبل أن تنهار خطوط الدفاع في أكتوبر 2025، وفق التقرير. وأعقب سقوط المدينة موجة عنف واسعة، قُدّر عدد ضحاياها بنحو 60 ألف شخص، بحسب ما أورده الموقع البريطاني.
ومع انتقال مركز الثقل العسكري إلى كردفان، الغنية بالموارد والمهمة استراتيجياً، عادت مشاركة المدنيين إلى الواجهة، سواء من خلال مجموعات مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش أو عبر مبادرات مدنية وإغاثية تهدف إلى حماية السكان ومساعدة النازحين.
البرهان يوسع «المقاومة الشعبية»
وبحسب “ميدل إيست آي”، أُنشئت قوات المقاومة الشعبية بقرار من قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في يونيو 2023، بينما تولت القوات المسلحة تسليح وتدريب عشرات الآلاف من المدنيين.
ولا تنتمي هذه المجموعات إلى خلفية سياسية واحدة، إذ تضم أفراداً من تيارات اجتماعية وسياسية مختلفة، بينهم ناشطون مؤيدون للديمقراطية كانوا في السابق معارضين للبرهان وللحكم العسكري.
لكن إدماج المدنيين في الحرب أثار مخاوف داخل القوى المدنية السودانية، خصوصاً لدى تحالف «صمود» الذي يضم قوى سياسية مدنية ويقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك.
ويرى التحالف أن المقاومة الشعبية تخضع في بعض المناطق لتأثير تيارات محافظة دينياً، وأن قوى مرتبطة بالنظام السابق قد تستغلها لإعادة بناء نفوذها السياسي والعسكري.
كردفان.. الخوف من «الدعم السريع» يتغلب على السياسة
في شمال كردفان، حيث شهدت مدن وقرى المنطقة معارك عنيفة، يقول مقاتلون في المقاومة الشعبية إن الأولوية لم تعد للخلافات السياسية، وإنما لحماية السكان من قوات الدعم السريع.
ونقل “ميدل إيست آي” عن مصطفى كرم الدين، وهو صيدلي من مدينة بارا، قوله إنه التحق بالمقاومة الشعبية تحت قيادة الجيش بعد مقتل شقيقه ونهب منزله خلال العام الماضي.
وقال كرم الدين إن قوات الدعم السريع داهمت منزله وقتلت شقيقه وعدداً من سكان الحي، مضيفاً أنه لم يجد أمامه خياراً سوى حمل السلاح لحماية نفسه وعائلته وجيرانه.
وبحسب روايته، تعاملت قوات الدعم السريع بعنف مع المدنيين عند دخولها المدينة، مؤكداً أن الانتهاكات لم تقتصر على المقاتلين. ويرى كرم الدين أن قوات الدعم السريع عادت إلى بارا بدافع الانتقام بعد أن تمكن الجيش من السيطرة عليها لفترة قصيرة، خصوصاً بعدما احتفل السكان بخروج القوات شبه العسكرية من المدينة.
وقال إن عناصر الدعم السريع كانوا يمتلكون مقاطع فيديو وقوائم بأسماء أشخاص، بينهم من اتهموا بالارتباط بالمقاومة الشعبية.
كيف تشكلت مجموعات المقاومة في بارا؟
مع تكرر الهجمات، بدأ سكان بارا ومناطق أخرى في كردفان البحث عن وسائل للدفاع عن أنفسهم. وقال كرم الدين إن بعض السكان دخلوا مراكز الشرطة ومخازن السلاح للحصول على الأسلحة، بينما حصل آخرون على السلاح والتدريب من الجيش السوداني.
وبمرور الوقت، بدأت مجموعات المقاومة الشعبية تتشكل في بارا والأبيض ومناطق أخرى من كردفان، قبل أن تتوسع أعدادها مع اتساع سيطرة الدعم السريع على مناطق واسعة من شمال وغرب كردفان.
وتحظى بارا بأهمية استراتيجية، كونها تقع على طريق الصادرات الرئيسي في كردفان، وقد انتقلت السيطرة عليها بين الجيش والدعم السريع أكثر من مرة خلال الحرب.
وبحسب التقرير، أصبحت المدينة تحت سيطرة الجيش منذ يوليو الماضي. وقال كرم الدين إنه يقاتل إلى جانب القوات المسلحة منذ أكتوبر الماضي، معتبراً مشاركته جزءاً من معركة استعادة مدينته وحماية سكانها.
اتهامات بالدعم الخارجي
وأشار “ميدل إيست آي” إلى أن قوات الدعم السريع واجهت اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين في مناطق مختلفة من السودان، كما اتهمتها الولايات المتحدة ومنظمات حقوقية بارتكاب إبادة جماعية في دارفور.
وتواجه الإمارات بدورها اتهامات بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي وتسببت في توتر سياسي ودبلوماسي واسع. ونقل الموقع عن كرم الدين قوله إن الحرب تحولت، من وجهة نظره، إلى مواجهة مع ما وصفه بـ«غزو أجنبي إماراتي» يستخدم قوات الدعم السريع أداة له.
وقال إن الجيش عثر، بعد استعادة بارا، على أسلحة ومعدات قال إنها قادمة من الإمارات، كما تحدث عن اعتقال مقاتلين أجانب من كولومبيا وجنوب السودان ودول أخرى أثناء قتالهم إلى جانب الدعم السريع في مناطق أم سيالة وجبرة الشيخ.
مئات الشباب يتلقون التدريب
من جهته، قال جودات عبد الهادي، أحد قيادات المقاومة الشعبية، إن مجموعاته في الأبيض توفر تدريبات عسكرية لمئات الشباب الذين نزحوا من بارا إلى المدينة. وأوضح أن المقاومة الشعبية في الأبيض وبارا ومناطق أخرى بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، قبل أن يصدر القرار الرسمي بتوسيعها ووضعها تحت قيادة الجيش.
وأضاف أن أعداد المنضمين إليها ارتفعت مع تمدد قوات الدعم السريع في شمال وغرب كردفان وتصاعد الانتهاكات ضد السكان. لكن الانضمام إلى المقاومة لم يكن خياراً مقبولاً بالنسبة إلى جميع المدنيين، وخصوصاً الناشطين الذين شاركوا في الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية.
ناشطو الثورة بين خيارين صعبين
يروي محمد آدم، وهو ناشط مؤيد للديمقراطية وعضو سابق في شبكة لجان المقاومة التي قادت الاحتجاجات ضد نظام البشير عام 2019، كيف وجد نفسه وسط معركة لم يكن يريد الانخراط فيها.
وبحسب “ميدل إيست آي”، كان آدم يجتمع مع أصدقائه وجيرانه في بارا لمناقشة مبادرات إنسانية لمساعدة السكان بعد هجوم سابق للدعم السريع، عندما تعرضت المدينة لهجوم جديد في أكتوبر الماضي.
لم يكن آدم مقتنعاً بأن حمل السلاح إلى جانب الجيش هو الحل، رغم أن بعض أصدقائه وأقاربه كانوا مسلحين، لكن دخول قوات الدعم السريع إلى المدينة غيّر حساباته، إذ أصبح مجرد الاشتباه في ارتباط شخص بالمقاومة المسلحة كافياً، وفق روايته، لتعريضه للقتل أو الملاحقة.
وقال آدم إن مجموعة من الشباب المسلحين كانت موجودة داخل منزله، لكنها لم تتمكن من الالتحاق بوحداتها بسبب كثافة إطلاق النار. وبقوا مختبئين لساعات، قبل أن يدركوا أن الجيش تراجع وأن قوات الدعم السريع بدأت بمهاجمة المدنيين. ولذلك سارعوا إلى إخفاء الأسلحة والملابس العسكرية التي بحوزتهم، وأعطى آدم أصدقاءه ملابس مدنية تمهيداً لمغادرة المدينة.
لكن قبل مغادرتهم، اقتحمت عناصر من الدعم السريع منزله وهددت الموجودين، واتهمتهم بأنهم من «الفلول»، وهو التعبير المستخدم في السودان للإشارة إلى أنصار النظام السابق وشبكات الدولة المرتبطة به. ولم تعثر القوات على الأسلحة والملابس العسكرية المخفية، وتمكن آدم وأصدقاؤه في وقت لاحق من الفرار نحو الأبيض.
«عشرات الجثث كانت في الشوارع»
قال آدم إنه عندما غادر منزله شاهد مشهداً وصفه بالكارثي، مع وجود جثث في الشوارع وجرحى ونازحين على امتداد الطريق. وأضاف أن سكان القرى القريبة قدموا للناجين الطعام والماء وبعض الإسعافات الأولية، في صورة تعكس حجم الدور الذي لعبته المجتمعات المحلية في مساعدة الفارين من مناطق القتال.
وأشار إلى أن سكان بارا عاشوا أياماً قاسية تحت سيطرة الدعم السريع، متحدثاً عن حادثة قال إنها كانت نقطة تحول بالنسبة إلى كثير من السكان. وأوضح أن أحد أبناء الحي قُتل، ثم تعرضت مراسم عزائه لهجوم من قوات الدعم السريع، ما أدى إلى سقوط قتلى آخرين، وفق روايته.
ويرى آدم أن مثل هذه الأحداث دفعت كثيراً من السكان إلى التخلي عن أي تردد سابق بشأن الدفاع المسلح عن مناطقهم.
مخاوف من عودة نظام البشير
ورغم المخاوف الأمنية، لا يزال ناشطون ديمقراطيون في كردفان ينظرون إلى المقاومة الشعبية بعين الريبة. ونقل “ميدل إيست آي” عن أحد أعضاء لجان المقاومة في بارا، طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، قوله إن بعض الوحدات التي تعمل تحت اسم المقاومة الشعبية يهيمن عليها محافظون دينياً وأشخاص مرتبطون بنظام البشير.
وحذر الناشط من استخدام الحرب لإعادة بناء نفوذ النظام السابق، معتبراً أن بعض الشخصيات المرتبطة به قد تستغل المقاومة الشعبية والجيش لاستعادة مواقع سياسية فقدتها بعد سقوط البشير.
وأضاف أن الحرب يجب أن تتوقف عبر مختلف الوسائل والتنازلات، لأن استمرارها أدى إلى تدمير البلاد وفتح المجال أمام القوى القديمة للعودة إلى المشهد.
بين مقاومة «الدعم السريع» والخوف من المستقبل
في المقابل، يرى محمد آدم أن كثيراً من السودانيين، وخصوصاً الشباب في المناطق التي تعرضت للهجمات، لم يعد لديهم مجال واسع للاختيار بين حمل السلاح والابتعاد عن الحرب.
ويقول إن قوات الدعم السريع هاجمت مختلف فئات المجتمع، من المدنيين والعسكريين إلى الشباب وكبار السن والنساء، وإن سكان بارا باتوا يرون أنفسهم أمام خطر مباشر يستوجب الدفاع عن النفس.
ومع ذلك، لا يخفي آدم موقفه من قيادة الجيش، مؤكداً أنه يفضل عدم حمل السلاح تحت قيادته، لكنه في الوقت نفسه يرفض مطالبة أشخاص تعرضوا للقتل والنهب والإهانة بعدم الدفاع عن أنفسهم.
وتلخص هذه المواقف المتناقضة واحدة من أعقد معضلات الحرب السودانية: فالمقاومة الشعبية قد تكون بالنسبة إلى سكان المناطق المتضررة وسيلة للبقاء والدفاع عن النفس، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف من إعادة إنتاج القوى العسكرية والسياسية التي حكمت السودان لعقود.
وبينما تستمر المعارك في كردفان ومناطق أخرى، يبقى السؤال مفتوحاً حول مصير هذه التشكيلات بعد انتهاء الحرب: هل ستعود الأسلحة إلى مخازن الجيش وينتهي دور المقاومة الشعبية، أم تتحول إلى قوة سياسية وعسكرية جديدة تعيد رسم موازين السلطة في السودان؟
اقرأ المزيد
بارا السودانية بعد انسحاب الدعم السريع.. مدينة الليمون تتحول إلى معقل لرائحة الجثث
شركة صينية مدعومة إماراتياً تستحوذ على حصة في منجم ذهب بإثيوبيا قرب منطقة الحرب في السودان
«داون» تطالب بحظر فوري للسلاح على الإمارات بسبب حرب السودان واتهامات دعم قوات الدعم السريع

