وطن-لم تعد صحة القلب لدى النساء قضية منفصلة عن التاريخ الإنجابي والهرموني. فمراجعة علمية حديثة تشير إلى أن عيادة أمراض النساء قد تكون إحدى النقاط المهمة لاكتشاف عوامل الخطر القلبية في وقت مبكر، وقبل سنوات من ظهور نوبة قلبية أو سكتة دماغية.
وبحسب ما أورده موقع ساينس أليرت العلمي، برزت هذه الفكرة بوضوح في تجربة فرنسية بدأت أواخر عام 2021، عندما انطلقت حافلة طبية عُرفت باسم «حافلة قلب المرأة» في أنحاء فرنسا لأكثر من عام، وقدمت فحوصاً للقلب وفحوصاً نسائية لآلاف النساء، خصوصاً اللواتي يعشن في أوضاع هشة أو يواجهن صعوبة في الوصول إلى الرعاية الطبية.
ولم يكن الجمع بين صحة القلب والصحة النسائية مصادفة، إذ تُعد أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة بين النساء عالمياً، بينما تشير أبحاث متراكمة إلى وجود روابط بين التاريخ الإنجابي والهرموني للمرأة وبين صحة القلب والشرايين.
الحمل.. اختبار ضغط طبيعي للقلب
يرى الباحثون أن التاريخ الصحي الإنجابي يمكن أن يحمل إشارات مبكرة إلى مستوى الخطر القلبي لدى المرأة، وهو ما يمنح طبيب أمراض النساء دوراً مهماً في اكتشاف هذه المؤشرات، خاصة أن كثيراً من النساء يراجعن عيادات النساء بانتظام، في حين قد لا يخضعن لفحوص قلبية دورية.
وتبرز فترة الحمل بشكل خاص، إذ يمكن أن تعمل باعتبارها نوعاً من «اختبار الضغط» الطبيعي للقلب والأوعية الدموية. فبعض المضاعفات التي تظهر خلال الحمل قد لا تنتهي أهميتها بانتهاء الحمل، بل يمكن أن تشير إلى ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب في السنوات اللاحقة.
وتربط دراسات سابقة بين تسمم الحمل، وارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، والولادة المبكرة، وسكري الحمل وبين ارتفاع خطر الإصابة لاحقاً بأمراض القلب والأوعية الدموية.
وبالتالي، فإن ما قد يبدو مشكلة مرتبطة بالحمل فقط يمكن أن يصبح معلومة مهمة في الملف الصحي للمرأة، تستحق المتابعة حتى بعد الولادة.
تكيس المبايض.. المشكلة تتجاوز الخصوبة
ولا يتوقف الارتباط بين صحة القلب والصحة النسائية عند الحمل. فمتلازمة تكيس المبايض، وهي اضطراب هرموني شائع، ترتبط أيضاً بمجموعة من المشكلات الأيضية، بينها اضطراب مستويات الدهون في الدم وارتفاع احتمال مقاومة الإنسولين.
وبحسب المراجعة التي نقلها موقع ساينس أليرت، أظهر تحليل شمل أكثر من مليون امرأة ارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية لدى المصابات بمتلازمة تكيس المبايض.
وهذا يعني أن التعامل مع المتلازمة لا ينبغي أن يقتصر على اضطرابات الدورة الشهرية أو الخصوبة، بل يمكن أن يشمل أيضاً الانتباه إلى عوامل الخطر المرتبطة بصحة القلب على المدى الطويل.
بطانة الرحم المهاجرة.. التهاب قد يرتبط بالقلب
وتظهر بطانة الرحم المهاجرة، المعروفة أيضاً بالانتباذ البطاني الرحمي، كعامل آخر يستحق الانتباه. فهذا المرض المزمن يصيب نحو 10% من النساء في سن الإنجاب، ويرتبط بالالتهاب المزمن، وهي آلية يمكن أن تتداخل مع العمليات المرتبطة بتراكم اللويحات داخل الشرايين.
وتشير المراجعة إلى وجود أدلة تربط بطانة الرحم المهاجرة بارتفاع خطر الإصابة بالسكتة الدماغية والنوبة القلبية.
كما تلفت الأبحاث إلى وجود علاقة بين بطانة الرحم المهاجرة والصداع النصفي، ما يضيف طبقة أخرى إلى العلاقة المعقدة بين صحة المرأة الهرمونية وصحة القلب والأوعية الدموية.
الصداع النصفي ليس مجرد صداع
ومن المؤشرات التي تستحق الانتباه أيضاً الصداع النصفي المصحوب بهالة، أي الأعراض البصرية أو العصبية التي قد تسبق الصداع أو ترافقه. وبحسب ما أورده موقع ساينس أليرت، فإن النساء المصابات بهذا النوع من الصداع لديهن خطر يقارب الضعف للإصابة بالسكتة الدماغية الإقفارية، كما يرتفع لديهن خطر الإصابة بالنوبة القلبية.
ولا يعني ذلك أن الصداع النصفي سيؤدي حتماً إلى مرض قلبي، لكنه قد يمثل أحد العوامل التي يأخذها الطبيب في الاعتبار عند تقييم الصورة الصحية الكاملة للمرأة.
انقطاع الطمث المبكر.. إشارة لا ينبغي تجاهلها
ثم تأتي مرحلة انقطاع الطمث باعتبارها محطة مهمة في صحة المرأة. فالنساء اللواتي يدخلن سن اليأس قبل سن 45 عاماً يواجهن خطراً أعلى للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، وتزداد أهمية هذا الارتباط في حالات انقطاع الطمث المبكر جداً أو الناتج عن الاستئصال الجراحي للمبيضين.
كما تشير أبحاث إلى احتمال ارتباط الهبّات الساخنة الشديدة أو المتكررة بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.
وهنا تظهر أهمية عدم التعامل مع جميع أعراض مرحلة انقطاع الطمث باعتبارها أعراضاً طبيعية يجب تحملها فقط، بل تقييمها ضمن الصورة الصحية الكاملة، خاصة عندما تكون شديدة أو مصحوبة بعوامل خطر أخرى.
ماذا تكشف برامج الفحص الفرنسية؟
استعرضت المراجعة العلمية ثلاثة نماذج فرنسية حاولت دمج تقييم صحة القلب مع الرعاية النسائية، بهدف اكتشاف عوامل الخطر والتدخل في وقت مبكر.
وفي أحد مستشفيات باريس، عُرض على نساء يراجعن العيادة بسبب قصور المبيض المبكر أو مرحلة ما قبل انقطاع الطمث أو انقطاع الطمث إجراء تقييم شامل لعوامل الخطر القلبي. ومن بين 197 امرأة خضعن للتقييم، جرى تشخيص 34% منهن حديثاً بارتفاع ضغط الدم أو السكري أو اضطراب الدهون في الدم.
كما احتاج أكثر من نصف النساء اللواتي كن يعرفن مسبقاً بإصابتهن بارتفاع ضغط الدم إلى تعديل العلاج، وكذلك أكثر من نصف المصابات باضطراب الدهون.
وبشكل عام، تلقت 58% من المشاركات تشخيصاً جديداً لعامل خطر قلبي رئيسي أو احتجن إلى تعديل علاج قائم، رغم عدم وجود تاريخ سابق لحدث قلبي وعائي كبير لديهن، مثل النوبة القلبية أو السكتة الدماغية.
70% من النساء لديهن عامل خطر واحد على الأقل
أما البرنامج الثاني، فنُفذ في مركز متخصص بمرحلة انقطاع الطمث في مدينة تولوز الفرنسية. وأظهرت نتائجه أن 70% من أكثر من ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 45 و60 عاماً كان لديهن عامل خطر واحد على الأقل للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، بينما كان لدى 35% منهن عاملان أو أكثر.
ويرى معدو المراجعة أن مرحلة ما قبل انقطاع الطمث وانقطاع الطمث قد تمثلان فرصة مهمة لفحص صحة القلب، لأن كثيراً من النساء يراجعن الأطباء خلال هذه الفترة، وهي المرحلة التي تبدأ فيها بعض عوامل الخطر القلبية بالظهور بشكل أكثر وضوحاً.
«حافلة قلب المرأة» تصل إلى النساء خارج العيادات
أما التجربة الثالثة، فكانت «حافلة قلب المرأة»، التي قدمت نموذجاً متنقلاً للفحص والوقاية في مناطق مختلفة من فرنسا. ومن بين 4300 مشاركة، تبين أن 90% منهن لديهن أكثر من عاملين من عوامل الخطر القلبية أو الأيضية، رغم أن أكثر من 70% منهن لم يكن يخضعن لأي متابعة قلبية.
وتكشف هذه النتائج عن فجوة مهمة في الرعاية الصحية، إذ قد تحمل المرأة عدة عوامل خطر دون أن تعرف بها أو دون أن تخضع لمتابعة منتظمة، إلى أن تظهر مشكلة أكثر خطورة.
ليست كل الأعراض إنذاراً بمرض القلب
ومع ذلك، تحذر الصورة العلمية من تحويل هذه الروابط إلى أحكام نهائية. فوجود هبّات ساخنة، أو صداع نصفي، أو تاريخ حمل صعب، أو متلازمة تكيس المبايض، لا يعني بالضرورة أن المرأة ستصاب بأمراض القلب.
هذه الحالات تمثل عوامل خطر أو مؤشرات مرتبطة، وليست تشخيصاً بحد ذاتها. لكن معرفتها تساعد الطبيب على تحديد النساء اللواتي قد يحتجن إلى فحوص إضافية أو متابعة أكثر انتظاماً.
عيادة النساء.. فرصة للوقاية قبل فوات الأوان
وتقود هذه النتائج إلى فكرة أساسية: صحة القلب والصحة الإنجابية لا ينبغي التعامل معهما دائماً باعتبارهما مسارين منفصلين. فالحمل، واضطرابات الدورة، وتكيس المبايض، وبطانة الرحم المهاجرة، والصداع النصفي، وانقطاع الطمث المبكر، قد تحمل جميعها معلومات تساعد الطبيب على بناء صورة أكثر اكتمالاً عن صحة المرأة المستقبلية.
وبذلك، قد تتحول زيارة عادية إلى عيادة أمراض النساء إلى فرصة لاكتشاف ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب الدهون أو عوامل خطر أخرى قبل أن تتحول إلى مشكلة قلبية خطيرة.
وفي النهاية، لا يتعلق الأمر بإثارة القلق لدى النساء، بل بتحويل التاريخ الصحي والإنجابي إلى أداة للوقاية. فكلما اكتُشفت عوامل الخطر في وقت أبكر، زادت فرصة التدخل قبل أن تصل المشكلة إلى القلب والشرايين.
اقرأ المزيد
ليالٍ متعبة وأيام عمل شاقة.. كيف يغيّر انقطاع الطمث حياة النساء المهنية؟
كيف تتغير البشرة مع التقدم في العمر؟ نصائح فعالة لمقاومة التجاعيد وعلامات الشيخوخة
إذا تجاوزت سن 45.. أضف السردين إلى غذائك لهذه الأسباب الصحية
ليست مجرد التهابات عابرة! 5 أعراض مبكرة لسرطان عنق الرحم تتجاهلها الكثير من النساء..

