وطن-بعد ثلاث سنوات من الانتظار، عاد الفلسطيني أحمد الصقلي إلى قطاع غزة، لكنه لم يجد أطفاله السبعة كما تركهم. فقد استقبلته شهادات وفاة ستة منهم، بعدما قتلتهم غارة إسرائيلية استهدفت المنزل الذي لجأت إليه عائلته في مدينة غزة، في واحدة من المآسي التي تختصر حجم الخسارة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية على القطاع.
غادر الصقلي غزة قبل أيام من اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، متوجهاً إلى العمل داخل إسرائيل بتصريح عمل، أملاً في تأمين مستقبل أفضل لأطفاله. لكن إغلاق المعابر بعد بدء الحرب منعه من العودة إلى أسرته، ليجد نفسه عالقاً خارج القطاع طوال سنوات، بينما كانت عائلته تواجه الحرب والنزوح والقصف من دونه.
وبحسب صحيفة “ميدل إيست آي“، قُتل ستة من أطفاله في ديسمبر 2023، بينما نجت ابنته روسان وزوجته حياة، التي أصيبت بجروح. ولم يتمكن الصقلي من العودة إلى غزة إلا بعد اعتقاله في الضفة الغربية المحتلة وترحيله إلى القطاع في يوليو 2026.
وداع لم يكن يعرف أنه الأخير
قبل مغادرته غزة، لم يكن الصقلي يعلم أن وداعه لأطفاله سيكون الأخير. كان يعتقد أنه سيعود بعد فترة قصيرة من العمل، وأن الأموال التي سيكسبها ستساعده على بناء حياة أفضل لعائلته.
وقال للصحيفة البريطانية إن أبناءه كانوا يطلبون منه، خلال الاتصالات القليلة التي تمكن من إجرائها أثناء الحرب، أن يعود إليهم، قائلين له إنهم لا يريدون المال أو العمل، بل يريدونه إلى جانبهم.
وفي 8 ديسمبر 2023، تمكن من التواصل مع عائلته باستخدام شريحة إلكترونية، لكنه شعر بأن شيئاً سيئاً قد يحدث. وطلب من زوجته أن تكتب أسماء الأطفال على أيديهم تحسباً لأي طارئ، قبل أن ينقطع الاتصال. وبعد دقائق، تلقى اتصالاً من أحد أقاربه يخبره بأن المنزل الذي كانت عائلته تحتمي فيه تعرض لغارة إسرائيلية.
ستة أطفال رحلوا في لحظة
لم يستطع الصقلي في البداية استيعاب الخبر. ستة من أطفاله السبعة قُتلوا في القصف، فيما نجت ابنته روسان وزوجته حياة، التي أصيبت بجروح.
وكان بين الضحايا أطفال كانوا يحلمون بحياة عادية مع والدهم. فقد كان محمد ومهند يحلمان بغرفة واسعة، فيما كان التوأمان كنان ورايان، إلى جانب بيسان، ينتظرون الخروج في نزهات مع والدهم. أما إيلين، فكانت رضيعة لم يتجاوز عمرها شهرين، ولم يرها والدها سوى مرة واحدة.
وبقي الصقلي بعيداً عنهم، عاجزاً حتى عن المشاركة في دفنهم أو وداعهم، بينما كان يحتفظ على هاتفه بصورهم ومقاطع فيديو من رحلة عائلية سبقت مغادرته غزة بأيام.
وقال: «بدلاً من أن يكون أطفالي هناك لاستقبالي، استقبلتني شهادات وفاتهم الست».
بيت قرب البحر تحول إلى أنقاض
كان الصقلي قد اشترى منزلاً بالقرب من البحر في منطقة السودانية شمال مدينة غزة، أملاً في أن يمنح أطفاله حياة أفضل. كما كان يتذكر كيف كان أبناؤه يختارون غرفهم وألوان الجدران، لكن المنزل دُمّر لاحقاً خلال الحرب، ليخسر الرجل بيته وأطفاله في الحرب نفسها. وقال إن هدفه من العمل كان تحقيق أحلام أبنائه، قبل أن تتحول تلك الأحلام إلى صور محفوظة على هاتفه وشهادات وفاة يحتفظ بها إلى جواره.
اعتقال ثم عودة إلى غزة
لم تنتهِ معاناة الصقلي عند فقدان أطفاله. ففي يوليو 2026، داهمت القوات الإسرائيلية مجمعاً في مدينة قلقيلية بالضفة الغربية المحتلة كان يقيم فيه عدد من عمال غزة، واعتقلت الصقلي مع آخرين. وبحسب “ميدل إيست آي”، احتُجز الصقلي لمدة أسبوعين قبل الإفراج عنه ونقله إلى قطاع غزة مع 23 عاملاً آخرين.
وخلال الرحلة إلى معبر كرم أبو سالم، كان المعتقلون مكبلي الأيدي ومعصوبي الأعين، قبل تسليمهم إلى الصليب الأحمر ونقلهم إلى مستشفى ناصر في خان يونس.
وبينما كان يقترب من غزة، كان الصقلي يعرف أنه على وشك تحقيق حلم ظل ينتظره سنوات: العودة إلى زوجته وابنته الوحيدة الباقية على قيد الحياة. لكنها كانت عودة مريرة.
وقال: «كل ما كنت أفكر فيه هو لقائي الناقص. اللقاء الذي انتظرته طويلاً تحقق أخيراً، لكن عائلتي لم تعد كاملة».
زوجته: لم أعرف كيف أواجهه
كانت حياة، زوجة الصقلي، تنتظره في مستشفى ناصر بعد أن علمت بخبر الإفراج عنه. وقالت إنها شعرت برغبة شديدة في الركض نحوه، لكنها لم تعرف كيف ستواجهه بعد أن فقدا ستة من أطفالهما.
وعندما وصل، كان اللقاء صامتاً ومحملاً بالدموع. وقالت له: «سامحني. لم أستطع أن أحمي الأمانة التي تركتها عندي». وكانت حياة نفسها قد أصيبت في الغارة التي قتلت أطفالها، كما عاشت مع ابنتها روسان سلسلة من عمليات النزوح خلال الحرب، قبل أن تجد نفسها اليوم تعيش مع زوجها وابنتهما في خيمة.
من منزل العائلة إلى خيمة في المواصي
تعيش الأسرة حالياً في خيمة بمنطقة المواصي في خان يونس، بعد أن فقدت منزلها وأطفالها ومصدر استقرارها. وبالنسبة إلى الصقلي، لم تكن العودة إلى غزة نهاية رحلة الانتظار، بل بداية مواجهة واقع جديد: زوجة مصابة، ابنة وحيدة، منزل مدمر، وست شهادات وفاة لأطفال لن يعودوا.
وتقول حياة إن زوجها يواجه صعوبة كبيرة في التأقلم مع الحياة داخل الخيمة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وتدهور الظروف المعيشية.
وتشير الأمم المتحدة إلى أن الحرب تسببت في دمار واسع في قطاع غزة، وأدت إلى نزوح نحو 1.9 مليون شخص، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.
أما الصقلي، فيقضي جزءاً كبيراً من وقته أمام صور أطفاله المحفوظة على هاتفه، ويحتفظ بشهادات وفاتهم إلى جواره. لقد عاد أخيراً إلى غزة، لكنه عاد إلى مكان لم يعد يشبه البيت الذي غادره، وإلى عائلة لم يبقَ منها سوى زوجته وابنته روسان.
وبينما كان يخطط يوماً للعمل من أجل مستقبل أطفاله، أصبح اليوم يحمل أوراقاً تثبت موتهم، ويواجه سؤالاً لا يملك له جواباً: كيف يمكن لأب أن يبدأ حياة جديدة بعدما فقد ستة من أبنائه؟
اقرأ أيضاً
من القصف إلى التجويع.. أطفال غزة يدفعون ثمن الإبادة الإسرائيلية
بن غفير يدعو لقتل 30 إلى 40 فلسطينياً كل ليلة في غزة وسط تصاعد الانتقادات للاحتلال
قصة صهيب لُباد: فتى غزة الذي فقد عائلته وظهر في مواجهة دبابة إسرائيلية
“كلها إصابات كارثية”.. غسان أبو ستة يحاول ترميم أجساد أطفال مزّقتها الحرب في لبنان وغزة

