وطن-تخيل أن تستيقظ يومًا لتجد أن المكان الذي عشت فيه عمرك كله أصبح فجأة مشروعًا، وأن البيت الذي ورثته عن أبيك لم يعد في نظر أصحاب القرار بيتًا، بل مساحة على خريطة لها سعر وموعد للرحيل.
في جزيرة الوراق المصرية، تعود قضية التهجير إلى الواجهة مع حملة جديدة لأهالي الجزيرة تحت شعار واضح ومباشر: «باقون في جزيرة الوراق».
بعد سنوات من الشد والجذب، اختار الأهالي هذه المرة رسالة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: نحن هنا، وهذه أرضنا، ونريد أن نكون جزءًا من مستقبل الجزيرة لا ضحايا لمشروع تطويرها.
«باقون».. أكثر من مجرد شعار
الحملة لا تبدو، وفق ما يطرحه الأهالي، مجرد شعار للاستهلاك، بل محاولة لإعادة وضع سكان الجزيرة في قلب النقاش حول مستقبلها. فالسؤال بالنسبة إليهم ليس فقط: هل ستتطور الوراق؟ بل أيضًا: كيف سيحدث هذا التطوير؟ ومن سيدفع ثمنه؟ وأين سيكون السكان بعده؟
فإذا كان الهدف هو إقناع الأهالي بالرحيل، فإن المنطق يقتضي أن تكون هناك طاولة تفاوض واضحة، وأن يُطرح السؤال الأساسي عليهم: ماذا تريدون أنتم؟ وكيف يمكن تطوير الجزيرة من دون أن يتحول سكانها إلى ضحايا لهذا التطوير؟
ماذا يريد أهالي الوراق؟
يطرح الأهالي مطالب مرتبطة مباشرة بحياتهم اليومية، أبرزها توفير أراضٍ داخل الجزيرة يمكنهم البناء عليها، وتحسين الخدمات الأساسية، وتنظيم دخول مواد البناء، بما يسمح لهم بالبقاء في المكان الذي نشأوا فيه وبنوا فيه حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
وبالنسبة إليهم، الوراق ليست مجرد عقارات يمكن تقييمها بالمتر المربع. إنها بيوت وذكريات وشوارع وعلاقات اجتماعية تشكلت على مدى عقود.
عندما يصبح المجتمع هو القضية
وربما تكمن الرسالة الأهم في الحملة في عبارة أخرى غير «لن نرحل»: «لن تنجحوا في تقسيمنا». ففي النزاعات المرتبطة بالأرض وإعادة التخطيط العمراني، لا يتعلق الأمر دائمًا بالمباني وحدها، بل أيضًا بقدرة المجتمع المحلي على الحفاظ على موقف موحد.
فإذا أصبح السكان في مواجهة بعضهم بعضًا، بين من يقبل التعويض ومن يرفضه، ومن يريد الرحيل ومن يتمسك بالبقاء، يصبح المجتمع نفسه جزءًا من الأزمة. أما عندما يتحدث الأهالي بصوت جماعي، فإن التفاوض يأخذ شكلًا مختلفًا.
كيف يمكن تسعير الذكريات؟
يمكن أن يكون من السهل نسبيًا تحديد قيمة منزل أو قطعة أرض وفق أسعار السوق والتقييمات الرسمية. لكن كيف يمكن تسعير شارع لعب فيه الأطفال؟ وكيف يمكن وضع ثمن لشجرة زرعها أب قبل عقود؟ وكيف يمكن تعويض مجتمع يعرف أفراده بعضهم بعضًا منذ عشرات السنين؟
هذه الأسئلة لا تعني بالضرورة رفض التطوير، لكنها تطرح مشكلة أكبر تتجاوز الحسابات العقارية البحتة: هل يمكن نقل الإنسان من مكان إلى آخر من دون أن يتغير شيء في حياته؟
الوراق.. اختبار لفكرة التطوير
لهذا تبدو قضية جزيرة الوراق أكبر من حدود الجزيرة نفسها، فهي تضع مفهوم التطوير أمام اختبار صعب: هل يمكن الجمع بين الاستثمار وتحسين البنية التحتية من جهة، وحماية مصالح السكان وحقهم في المشاركة من جهة أخرى؟
إذا كان التطوير هو الهدف، فالتفاوض الحقيقي يمكن أن يكون جزءًا من الحل. وإذا كان التعويض عادلًا، فإن إثبات ذلك بالأرقام والشفافية يصبح أمراً ضروريًا، وإذا كان البديل المقترح أفضل من الوضع الحالي، فإن إقناع السكان به قد يكون الطريق الأكثر استدامة.
أما عندما يشعر السكان بأنهم أصبحوا مجرد أرقام في ملفات التعويض، وأن المشروع أكبر من قدرتهم على الاعتراض، فإن القضية تتحول من خلاف حول الأرض إلى أزمة ثقة وكرامة. ومع استمرار الأزمة، تتراكم المخاوف لدى السكان، بينما يصبح غياب الحل الواضح عاملًا إضافيًا في زيادة التوتر. وهنا يبرز السؤال الأصعب:
هل الهدف هو إنهاء أزمة الوراق، أم إنهاء وجود الأهالي فيها؟
الفرق بين السؤالين كبير جدًا، لأن إنهاء الأزمة يعني البحث عن صيغة تجمع بين التطوير وحقوق السكان، بينما إنهاء وجود الأهالي يعني أن يصبح الرحيل هو النتيجة المفترضة، مهما كانت اعتراضاتهم أو ارتباطاتهم بالمكان.
وفي النهاية، قد لا تكون معركة الوراق مجرد معركة على بيت أو قطعة أرض، بل اختبارًا لمدى قدرة الدولة على تنفيذ مشاريع التطوير مع الحفاظ على ثقة المجتمعات التي ستتغير حياتها بسبب هذه المشاريع. فالأرض بالنسبة إلى أصحابها ليست دائمًا مساحة على خريطة.
اقرأ المزيد
بين مراسي والوراق.. لماذا أشعلت قضية الأرض في مصر جدلاً حول الملكية وحقوق المواطنين؟
“المركب بتغرق”.. مقترح محمود عمارة للخروج الآمن للسيسي يفتح جدلاً حول مستقبل مصر
25 مليون متر مربع.. كيف أصبح محمد العبار أحد أكبر ملاك الأراضي في مصر؟

