وطن-أثارت تصريحات المحلل السياسي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المستشار السابق لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما هاجم باكستان وسخر من أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، في سياق حديثه عن دورها المحتمل في الدفاع عن السعودية ضمن ترتيبات أمنية إقليمية جديدة.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن عبد الله كتب عبر منصة «إكس» أن من «مفارقات الزمن» أن بلداً يعاني، بحسب وصفه، من ارتفاع معدلات الفقر والأمية، يسعى إلى تقديم نفسه كقوة قادرة على الدفاع عن السعودية، التي تعد من أكبر اقتصادات العالم. كما انتقد سجل باكستان السياسي والعسكري، مشيراً إلى امتلاكها ترسانة نووية كبيرة.
وجاءت هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب واضحة للتحالفات الأمنية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات دفاعية جديدة تجمع السعودية وباكستان وتركيا، وهو ما فتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل الأمن الخليجي، وموقع الإمارات وإسرائيل ومصر من هذه الترتيبات.
انتقادات عبد الخالق عبد الله لباكستان تثير عاصفة من الردود
ربط عبد الخالق عبد الله انتقاداته لباكستان بتاريخها السياسي والاقتصادي، مشيراً إلى ما وصفه بعقود من الاضطرابات الداخلية والحكم العسكري والحروب مع دول الجوار. كما اعتبر أن امتلاك السلاح النووي يمثل أحد أبرز عناصر القوة الاستراتيجية الباكستانية.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل قوية، خصوصاً أن باكستان لا تؤدي دوراً عسكرياً وأمنياً متزايداً في المنطقة فحسب، بل تضم جالية كبيرة في الإمارات. وبحسب ميدل إيست آي، يعيش نحو 1.6 مليون باكستاني في الإمارات، ويشكلون جزءاً مهماً من حركة التحويلات المالية إلى بلادهم.
ورأى منتقدون أن اختزال قوة باكستان في الفقر أو السلاح النووي يتجاهل ثقلها السكاني والجغرافي والسياسي، إضافة إلى حجم اقتصادها وموقعها الاستراتيجي بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.
ورد أحد مستخدمي منصة «إكس» بأن المقارنة بين مستوى الفقر وحجم الاقتصاد من جهة، والقدرة على لعب دور سياسي أو أمني من جهة أخرى، ليست دقيقة، مؤكداً أن مكانة الدول في العلاقات الدولية لا تحددها ثروتها وحدها.
كما أعاد مستخدمون نشر تصريحات قديمة لعبد الله لإظهار ما اعتبروه تناقضاً في مواقفه من باكستان. ومن بين المنشورات التي أعيد تداولها تغريدة تعود إلى عام 2015، خلال التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن، دعا فيها إلى استخدام الدبلوماسية الخليجية والسعودية نفوذها لإقناع باكستان بالمشاركة في عملية «عاصفة الحزم».
اتفاق مكة يضع السعودية وتركيا وباكستان في محور أمني جديد
تأتي تصريحات عبد الله في سياق أوسع يرتبط بالتحولات الأمنية في الخليج والشرق الأوسط. فقد وقعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع استراتيجي مشتركة في سبتمبر 2025، تنص على اعتبار أي عدوان على أحد البلدين عدواناً على الآخر.
ثم جاء اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026 ليضيف بعداً جديداً إلى هذه الترتيبات، خصوصاً مع حضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وأعطى الاتفاق انطباعاً بوجود توجه نحو بناء تعاون أمني إقليمي أوسع، لا يعتمد حصراً على الشراكات العسكرية التقليدية مع القوى الغربية، بل يسعى إلى الجمع بين قوى إسلامية وإقليمية تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وجيوسياسية مختلفة.
وكان عبد الله قد عبّر في وقت سابق عن تحفظه على هذا النوع من التحالفات، متسائلاً عن العدو المشترك الذي يمكن أن يجمع أطرافها، ومفضلاً تعزيز التعاون العسكري والسياسي داخل دول الخليج قبل توسيعه إلى أطراف إقليمية أخرى.
وتعكس هذه المواقف اختلافاً في الرؤية بشأن مستقبل الأمن الإقليمي: فبينما ترى الرياض وأنقرة وإسلام آباد في التعاون الثلاثي فرصة لبناء شبكة أمنية جديدة، يبدو أن دوائر إماراتية تنظر بحذر إلى توسع هذا النوع من التحالفات وتأثيره في موازين القوى الخليجية.
خلافات الرياض وأبوظبي تتجاوز الملف الباكستاني
لم يعد الخلاف بين السعودية والإمارات محصوراً في التصريحات السياسية، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى عدد من الملفات الإقليمية، من اليمن إلى إيران وإسرائيل والقرن الأفريقي والسودان.
وترى ميدل إيست آي أن التباين بين البلدين أصبح أكثر وضوحاً مع اختلاف مواقفهما من بعض القضايا الإقليمية. فالإمارات كانت أول دولة خليجية تطبع علاقاتها رسمياً مع إسرائيل، بينما لا تزال السعودية ترفض الاعتراف بإسرائيل حتى الآن، رغم الضغوط الأمريكية المستمرة.
ويظهر التباين كذلك في اليمن، حيث ترتبط الإمارات بعلاقات وثيقة مع قوى جنوبية انفصالية، في حين تنظر السعودية إلى الملف اليمني من منظور مختلف يرتبط بوحدة الدولة وأمن حدودها ومواجهة الحوثيين.
كما تتباين مواقف البلدين بشأن عدد من الملفات المرتبطة بإيران وإسرائيل وترتيبات الأمن الإقليمي، الأمر الذي جعل أي تحالف جديد في المنطقة يُقرأ أيضاً باعتباره جزءاً من منافسة أوسع على النفوذ.
ويرى بعض المحللين أن اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يمكن أن يشكل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، توازناً مقابلاً للتعاون العسكري والأمني بين الإمارات وإسرائيل، خصوصاً في ظل حساسية التطبيع الإسرائيلي داخل المجتمعات العربية والإسلامية.
إسرائيل والإمارات في مواجهة محور إقليمي مختلف
يكتسب هذا التحول أهمية إضافية بسبب طبيعة العلاقات الإماراتية الإسرائيلية. فقد طورت أبوظبي منذ اتفاقات التطبيع علاقات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة مع تل أبيب، وهو ما جعلها جزءاً من ترتيبات إقليمية تختلف في طبيعتها عن التحالف الجديد الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان.
ونقلت ميدل إيست آي عن ضابط الاستخبارات الأمريكي السابق ثيودور سينغر أن التعاون بين الإمارات وإسرائيل قد يبدو أكثر قدرة على تحقيق مكاسب مباشرة للطرفين، لكن اتفاق مكة يمكن أن يحظى في المقابل بقبول إقليمي أوسع، لأنه يستند إلى روابط سياسية ودينية وجيوسياسية مختلفة.
وزادت حساسية هذا الملف بعد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول زيارته للإمارات خلال الحرب مع إيران، قبل أن تسارع أبوظبي إلى نفي الإعلان الإسرائيلي رسمياً. وأظهر ذلك مدى حساسية الكشف عن مستوى التعاون بين الإمارات وإسرائيل في ظل تصاعد التوتر الإقليمي.
وفي المقابل، جرى تقديم اتفاق مكة بصورة علنية واحتفالية، خصوصاً مع ظهور قادة السعودية وتركيا وباكستان معاً في مكة، وهو مشهد يحمل دلالة سياسية ودينية واضحة بالنسبة إلى الجمهور العربي والإسلامي.
مصر تجد نفسها بين تحالفات إقليمية متنافسة
لا تقتصر التحولات على السعودية والإمارات وتركيا وباكستان، إذ تواجه مصر أيضاً خيارات صعبة في ظل تشكل محاور أمنية متنافسة.
وأشارت ميدل إيست آي إلى أن الرياض أبدت تحفظات بشأن انضمام مصر إلى الترتيبات الدفاعية الجديدة، وسط مخاوف سعودية مما تعتبره تقارباً مصرياً متزايداً مع أبوظبي.
وتملك القاهرة في الوقت نفسه علاقات دفاعية وأمنية قوية مع الإمارات، كما سبق أن نشرت مقاتلات ومنظومات دفاع جوي في الإمارات خلال التصعيد مع إيران، في وقت حافظت فيه على علاقات وثيقة مع السعودية.
وتتداخل هذه الحسابات مع ملفات أخرى، بينها علاقة الإمارات بإسرائيل، وانخراطها في القرن الأفريقي، وموقفها من إثيوبيا وسد النهضة، فضلاً عن الحرب في السودان وعلاقات أبوظبي مع قوات الدعم السريع، وهي ملفات تمس المصالح المصرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ولهذا تبدو القاهرة أمام معادلة معقدة، إذ يصعب عليها الانضمام بشكل كامل إلى محور واحد في وقت تحاول فيه الحفاظ على علاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية.
صراع التحالفات يعيد رسم خريطة الأمن في الشرق الأوسط
تكشف الأزمة التي أثارتها تصريحات عبد الخالق عبد الله أن الجدل حول باكستان يتجاوز في الواقع حدود الخلاف حول قدراتها الاقتصادية أو العسكرية. فالمسألة ترتبط بصراع أوسع حول شكل النظام الأمني الذي يتبلور في الشرق الأوسط.
فمن جهة، هناك تعاون إماراتي إسرائيلي يتقاطع مع شراكات أخرى تشمل أطرافاً إقليمية ودولية، ومن جهة أخرى يظهر محور يضم السعودية وتركيا وباكستان ويحاول تقديم نفسه باعتباره إطاراً أمنياً إقليمياً أكثر استقلالاً.
وبين هذين الاتجاهين، تحاول مصر الحفاظ على هامش مناورة يسمح لها بالتعامل مع مختلف الأطراف، بينما تواصل السعودية إعادة تعريف شراكاتها الأمنية بعيداً عن الاعتماد الكامل على الترتيبات التقليدية.
وبذلك، فإن العاصفة التي أثارتها تصريحات عبد الخالق عبد الله بشأن باكستان تبدو جزءاً من صراع أعمق على النفوذ وموازين القوة. فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول من يملك السلاح أو المال، وإنما حول من يستطيع بناء التحالف الإقليمي الأكثر قدرة على التأثير في مستقبل الشرق الأوسط.
اقرأ المزيد
اتفاق مكة وتحالف الإمارات وإسرائيل.. مقارنة تكشف معادلة السرعة والعمق في تحالفات المنطقة
السلام خدعة؟.. كاتب إسرائيلي يشكك في اتفاقيات السلام ويضع الإمارات “الاستثناء”
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..

