وطن-يشهد الشرق الأوسط تحولات متسارعة في خريطة التحالفات، مع بروز اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان كصيغة دفاعية جديدة، بالتوازي مع تنامي التعاون الأمني والعسكري بين الإمارات وإسرائيل.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي“، فإن المقارنة بين التكتلين تطرح سؤالاً أساسياً: أيهما يمتلك فرصاً أكبر للتحول إلى تحالف إقليمي مؤثر وقادر على التعامل مع الأزمات العسكرية؟
محور الإمارات وإسرائيل.. تعاون سريع وعملي
تبدو العلاقة بين أبوظبي وتل أبيب، وفق الصحيفة، أكثر وضوحاً من الناحية العملية، خصوصاً في مجالات الدفاع والاستخبارات والتكنولوجيا. ومنذ توقيع اتفاقيات أبراهام عام 2020، توسعت العلاقات بين الجانبين، وأصبحت المصالح الأمنية المشتركة عاملاً رئيسياً في تطويرها، ولا سيما في مواجهة النفوذ الإيراني.
وترى مصادر تحدثت إلى الصحيفة أن هذا التعاون يتمتع بميزة أساسية تتمثل في وجود قنوات اتصال وآليات أمنية تطورت تدريجياً على مدى سنوات.
اتفاق مكة.. تحالف جديد أم تفاهم سياسي؟
في المقابل، جاء اجتماع السعودية وتركيا وباكستان في مكة ليمنح المنطقة مشهداً مختلفاً. فالتحالف يجمع ثلاث دول تتمتع بثقل عسكري واقتصادي وجيوسياسي كبير: تركيا بقوتها العسكرية وصناعاتها الدفاعية، والسعودية بثقلها الاقتصادي، وباكستان بامتلاكها السلاح النووي.
لكن السؤال الذي لا تزال تطرحه العواصم الإقليمية هو: هل تستطيع هذه الدول تحويل الاتفاق إلى تحالف دفاعي حقيقي، أم أنه سيبقى إطاراً سياسياً للتنسيق؟
اختبار حقيقي أمام التحالف الجديد
يتمثل أحد أكبر التحديات في اختلاف أولويات الدول الثلاث، فالسعودية تنظر إلى إيران باعتبارها أحد أبرز مصادر التهديد، بينما حافظت باكستان على علاقات أكثر توازناً مع طهران، ولعبت في بعض الملفات دور الوسيط.
أما تركيا فلديها حساباتها الخاصة في المنطقة، وعلاقاتها مع إيران وروسيا والغرب تجعل سياستها الأمنية أكثر تعقيداً. وهذا يعني أن الاتفاق قد يواجه اختباراً صعباً عندما تتعارض المصالح أو تختلف الدول الثلاث حول طبيعة التهديد الذي يستوجب تدخلاً عسكرياً.
الإمارات وإسرائيل.. تفوق في التكامل العسكري
في المقابل، يمتلك التعاون الإماراتي الإسرائيلي نقطة قوة واضحة: التكامل التقني والعسكري. فالإمارات تعتمد بدرجة كبيرة على أنظمة تسليح أمريكية متطورة، بينما تمتلك إسرائيل قاعدة صناعات دفاعية متقدمة ومنظومات دفاع جوي واستخباراتية متطورة.
وهذا يجعل التنسيق بين الطرفين أسهل من الناحية التقنية، خصوصاً مع وجود علاقات أمنية متنامية بينهما. لكن هذا المحور يواجه مشكلة مختلفة، وهي الكلفة السياسية والشعبية الناتجة عن التحالف مع إسرائيل، خصوصاً في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.
اتفاق مكة يمتلك ورقة القوة الشعبية
على الرغم من أن التعاون الإماراتي الإسرائيلي يبدو أكثر سرعة وفاعلية، يرى بعض المحللين أن اتفاق مكة يمتلك ميزة مختلفة تتمثل في الرمزية السياسية والدينية والشعبية. فاجتماع السعودية وتركيا وباكستان في مكة يحمل رسالة تتجاوز التعاون العسكري، ويقدم نفسه باعتباره تقارباً بين قوى إسلامية رئيسية. كما أن الاتفاق قد يكون قابلاً للتوسع مستقبلاً، إذا نجحت الدول الثلاث في بناء آليات دفاعية مشتركة وتنسيق صناعاتها العسكرية.
الصناعات الدفاعية.. ساحة المنافسة المقبلة
تسعى تركيا إلى تعزيز صادراتها العسكرية وتوسيع حضور صناعاتها الدفاعية في المنطقة، بينما تعمل السعودية على تطوير قدراتها المحلية ضمن أهدافها الاقتصادية والاستراتيجية. أما باكستان، فتمتلك خبرة عسكرية واسعة وعلاقات دفاعية قوية مع الصين وتركيا.
لكن بناء منظومة عسكرية مشتركة يحتاج إلى أكثر من شراء الأسلحة؛ فهو يتطلب توافقاً في العقيدة العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدريبات مشتركة، وأنظمة اتصال متوافقة، وقراراً سياسياً موحداً عند وقوع الأزمات. وهنا تبدو أمام اتفاق مكة مهمة طويلة قبل الوصول إلى مستوى التكامل الذي حققته بعض التحالفات الأخرى.
من الأقوى؟
في المدى القصير، يبدو محور الإمارات وإسرائيل أكثر جاهزية من الناحية العسكرية والتقنية، نتيجة سنوات من التعاون وتكامل بعض المنظومات الدفاعية والاستخباراتية.
لكن اتفاق مكة يمتلك إمكانات استراتيجية أكبر إذا نجح في تحويل رمزيته السياسية إلى مؤسسات دفاعية حقيقية. فالتحالف السعودي التركي الباكستاني يجمع بين القوة الاقتصادية السعودية، والصناعة العسكرية التركية، والقدرات العسكرية والنووية الباكستانية، وهي عناصر تمنحه ثقلاً كبيراً على الورق.
الشرق الأوسط أمام سباق محاور جديد
لا تعني المنافسة بين التكتلين بالضرورة مواجهة مباشرة بينهما، لكنها تكشف عن تحول أوسع في المنطقة، فبينما تبني الإمارات وإسرائيل شراكة تقوم على الأمن والاستخبارات والتكنولوجيا والتعاون العسكري، تحاول السعودية وتركيا وباكستان بناء صيغة تجمع الدفاع المشترك والرمزية السياسية والعمق الإقليمي.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع اتفاق مكة تجاوز الخلافات بين أعضائه وتحويل الاتفاق إلى تحالف قابل للاختبار، أم سيبقى محور الإمارات وإسرائيل الأكثر قدرة على التحرك عندما تبدأ الأزمات الحقيقية؟
إقرأ أيضاً
السعودية تستبعد مصر من “اتفاق مكة”.. هل فقدت الرياض ثقتها في السيسي؟
غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
تحالف مكة يربك إسرائيل.. هل تتشكل جبهة إقليمية جديدة في الشرق الأوسط؟
مشروع تركي ضخم في مكة.. استثمار بـ400 مليون دولار يعكس مرحلة جديدة في العلاقات السعودية التركية

