وطن-عندما يمر صديق مقرّب بمرحلة قاسية، لا يكون من السهل دائماً معرفة الطريقة المناسبة للتصرف. قد نخشى أن نقول كلاماً جارحاً من دون قصد، أو نبحث عن جملة مثالية تخفف الألم، فنجد أنفسنا عاجزين أمام حزن شخص نحبه. لكن الدعم الحقيقي لا يحتاج دائماً إلى كلمات كبيرة؛ فالحضور الصادق، والإنصات الهادئ، وبعض التصرفات البسيطة قد تصنع فارقاً عميقاً.
وقالت مجلة «سان إي ناتورال» الفرنسية إن الفترات الصعبة تكشف في كثير من الأحيان صلابة الصداقات، فحين ينهار كل شيء حول الإنسان، يصبح وجود صديق يسمعه ويقف بجانبه عاملاً مهماً في ترميم شعوره بالأمان. وفي المقابل، قد يترك غياب الأصدقاء أو برودهم في تلك اللحظات إحساساً بالخذلان، وربما يُفهم كنوع من التخلي.
وتُعد الأزمات، بحسب ما أوردته المجلة الفرنسية، محطات حاسمة في العلاقات الإنسانية عموماً، وفي الصداقة خصوصاً. فالطريقة التي نرافق بها شخصاً عزيزاً وهو يتألم قد تقرّبه منا لسنوات، لكنها قد تضعف العلاقة إذا شعر أن الدعم الذي كان ينتظره لم يصل.
ومن المهم التأكيد أن الحديث عن مساعدة صديق يمر بأزمة لا يعني تقديم تشخيص نفسي أو بديلاً عن العلاج. فهذه الإرشادات تستند إلى قراءات في دراسات علمية حول الدعم الاجتماعي والعاطفي، لكنها لا تغني عن استشارة طبيب أو أخصائي نفسي عند الحاجة، خصوصاً إذا كانت الأزمة شديدة أو طويلة أو مصحوبة بمؤشرات مقلقة.
لا تحاول إصلاح كل شيء
مساعدة صديق حزين لا تعني أن تحمل مشكلته بدلاً عنه، أو تجد حلاً سريعاً لكل ما يمر به. في كثير من الأحيان، ما يحتاجه الشخص المتألم هو أن يشعر بأنه ليس وحيداً، وأن هناك من يتقبّل حزنه وارتباكه دون أن يضغط عليه أو يطالبه بالتحسن فوراً.
وأضافت «ساين إيه ناتوريل» أن بعض العبارات التي تقال بنية طيبة قد تؤدي إلى نتيجة عكسية، لأنها تقلل من حجم الألم أو تجعل الشخص يشعر بأن مشاعره غير مقبولة. لذلك، لا يتعلق الأمر فقط بما نقوله، بل أيضاً بما نتجنب قوله، وبالطريقة التي نحضر بها إلى جانب من نحب.
1. لا تقل له: «لا تبكِ»
حين نرى صديقاً يبكي، قد نشعر بالارتباك، فنحاول تهدئته بعبارات مثل: «لا تبكِ»، أو «كل شيء سيكون بخير». وعلى الرغم من أن هذه الكلمات تبدو لطيفة، فإنها قد تحمل رسالة غير مباشرة مفادها أن البكاء أمر يجب إيقافه أو إخفاؤه.
وبحسب ما نقلته المجلة الفرنسية، فإن المشاعر لا تختفي لمجرد أن الشخص توقف عن التعبير عنها. ففي حالات الفقد أو الانفصال أو الحزن العميق، قد يكون السماح للإنسان بالبكاء والحديث عما يشعر به جزءاً مهماً من التعامل مع الألم.
وأشارت دراسات تناولت الأشخاص الذين فقدوا شركاء حياتهم إلى وجود ارتباط بين قلة الحديث عن الفقد خلال السنة التالية وبين تدهور بعض مؤشرات الصحة. كما تؤكد أبحاث الحداد والدعم العاطفي أهمية إتاحة المجال للشخص كي يعبّر عن حزنه، خصوصاً عندما تنهمر دموعه.
لذلك، لا يكون الهدف دائماً إيقاف البكاء، بل توفير مساحة آمنة يشعر فيها صديقك بأنه يستطيع أن ينهار دون أن يُحاكم. بدلاً من قول «لا تبكِ»، يمكن أن تقول: «ابكِ إذا احتجت، أنا هنا معك».
وقالت «سان إي ناتورال» إن البكاء في مثل هذه المواقف لا يدل على ضعف، بل قد يكون وسيلة طبيعية للتعبير عن ألم لا يجد الشخص طريقة أخرى للتعبير عنه. وأحياناً يكون أجمل ما يمكن تقديمه لصديق حزين هو الصمت الحنون لا النصيحة السريعة.
2. تجنب عبارة: «يجب أن تكون قوياً»
عبارات مثل «كن قوياً»، «تماسك»، أو «لا بد أن تصمد» تُقال غالباً بدافع التشجيع. لكنها قد تُفهم من الشخص المتألم على أنها مطالبة بإخفاء ضعفه أو تجاوز حزنه بسرعة، وكأن الانكسار في لحظات الألم أمر غير مقبول.
وأوضحت المجلة الفرنسية أن دعم الصديق في الأوقات الصعبة يكون أحياناً أكثر فائدة حين نعترف بمشاعره بدلاً من أن نخبره كيف يجب أن يشعر. فالشخص الحزين أو القلق أو المنهك لا يحتاج بالضرورة إلى من يطالبه باستعادة السيطرة فوراً، بل إلى من يقول له إن ما يشعر به مفهوم ومقبول.
وقد تجعل عبارة «كن قوياً» الشخص يعتقد أن حزنه علامة ضعف، بينما قد تكون القوة الحقيقية في الاعتراف بأنه ليس بخير. فاجتياز مرحلة مؤلمة قد يتطلب وقتاً، وقد يبدأ أحياناً من قبول الهشاشة لا إنكارها.
بدلاً من ذلك، يمكن استخدام عبارات تمنح الصديق شعوراً بالاحتواء، مثل: «أفهم أن تشعر بهذا الشكل»، أو «ما تمر به صعب، ورد فعلك طبيعي». هذه الكلمات لا تلغي الألم، لكنها تخبره أنه ليس مطالباً بتبرير حزنه.
وبحسب «سان إي ناتوريل»، فإن الصداقة في لحظات الألم لا تحتاج دائماً إلى نصائح، بل إلى حليف يقف إلى جانب صديقه. فالشخص المتألم قد لا يبحث عن حل فوري، بل عن إنسان لا يهرب من حزنه.
3. لا تكتفِ بقول: «أخبرني إذا احتجت أي شيء»
تبدو هذه العبارة كريمة ومهذبة، لكنها في الواقع قد تضع عبئاً إضافياً على الشخص الذي يعاني. فعندما يمر الإنسان بفقد أو مرض أحد المقربين أو انفصال أو ضغوط نفسية شديدة، قد لا يكون قادراً أصلاً على تحديد ما يحتاج إليه.
وقالت المجلة الفرنسية إن الطلب العام للمساعدة يجعل الشخص المتألم مطالباً بالتفكير فيما يحتاجه، ثم بجمع طاقته ليطلب ذلك، ثم بمواجهة شعور داخلي محرج: هل سأزعج صديقي؟ هل الوقت مناسب؟ هل مشكلتي تستحق أن أطلب المساعدة؟
حتى لو كان يعرف أن العرض صادق، قد يتردد في التواصل. لذلك، تكون المساعدة العملية المحددة أكثر أثراً من الجملة المفتوحة. بدلاً من قول «أخبرني إذا احتجت شيئاً»، يمكن أن تقول: «سأذهب للتسوق بعد الظهر، هل أحضر لك شيئاً؟»، أو «أستطيع أن أبقى مع الأطفال لساعتين إذا كان ذلك يساعدك»، أو «هل تريد أن أساعدك في ترتيب بعض الأمور المنزلية؟».
وتشير أبحاث أجريت على أشخاص في مرحلة الحداد إلى أن المساعدة في المهام اليومية تكون ذات قيمة كبيرة، خاصة في بدايات الأزمة، حين تبدو الأمور البسيطة مثل الطبخ أو الغسيل أو شراء الاحتياجات مرهقة للغاية.
ولا يعني ذلك السيطرة على حياة الصديق أو فرض المساعدة عليه، بل تقديم اقتراح واضح يستطيع قبوله أو رفضه بسهولة. فالمساعدة الناجحة لا تضع عبئاً جديداً، بل تخفف واحداً قائماً.
وبحسب ما أوردته «سان إي ناتورال»، فإن أكثر أشكال الدعم فاعلية في لحظات الانهيار ليست دائماً الكلمات المؤثرة، بل الأفعال الصغيرة التي تجعل اليوم أقل ثقلاً.
4. لا تقل له: «يجب أن تتجاوز الأمر»
بعد أسابيع أو أشهر من الأزمة، قد يبدأ المحيطون بالشخص في فقدان الصبر. تظهر عبارات مثل: «عليك أن تطوي الصفحة»، أو «ظننت أنك أصبحت أفضل الآن». ورغم أن القصد قد يكون تشجيعه على التقدم، فإن هذه الجمل قد تجعله يشعر بأنه فشل لأنه لم يتعاف بالسرعة المتوقعة.
وأكدت المجلة الفرنسية أنه لا يوجد جدول زمني موحد للألم. فكل شخص يتعامل مع الصدمات والفقد والضغوط بطريقته الخاصة. قد يبدو أحدهم متماسكاً في البداية ثم ينهار لاحقاً، وقد يحتاج آخر إلى وقت طويل قبل أن يستعيد توازنه.
وأظهرت دراسة تناولت ردود الفعل بعد أحداث ضاغطة أن بعض الأشخاص يمرون بمسار من التوتر المزمن، بينما يبدو آخرون في حال جيدة نسبياً في البداية قبل أن تتدهور حالتهم لاحقاً. وهذا يعني أن التعافي لا يسير في خط مستقيم، ولا يمكن قياسه بالأسابيع أو الأشهر فقط.
نحن نتفهم بسهولة أن الجرح الجسدي يحتاج إلى وقت كي يلتئم، لكننا أحياناً لا نمنح الجروح النفسية الصبر نفسه. مطالبة شخص بأن «يتجاوز الأمر» لا تساعده بالضرورة على التعافي، بل قد تزيد إحساسه بالذنب والعجز.
كما ربطت دراسة أخرى بين الحكم السلبي على المشاعر وبين ارتفاع مستويات القلق وأعراض الاكتئاب وعدم الاستقرار العاطفي. لذلك، من الأفضل عدم تحويل مدة الحزن إلى معيار للنجاح أو الفشل.
وقالت «سان إي ناتورال» إن الشخص الذي يتعافى بسرعة ليس بالضرورة أقوى من غيره، كما أن من يحتاج إلى وقت أطول ليس شخصاً ضعيفاً أو فاشلاً. الأفضل أن تقول له: «خذ الوقت الذي تحتاجه، لن أحكم عليك لأنك لم تتحسن بالسرعة التي كنت تتمناها».
5. لا تختفِ لأنك لا تعرف ماذا تقول
من أكثر ما يؤلم الشخص في الأزمات أن يبتعد عنه من كانوا قريبين، لا لأنهم لا يحبونه، بل لأنهم لا يعرفون كيف يتصرفون. بعض الناس يتوقفون عن الاتصال، أو يردون بصعوبة على الرسائل، أو يغيرون الموضوع عند الحديث عن الألم.
وبحسب ما نقلته المجلة الفرنسية عن دراسة للباحثتين كيمبرلي أ. كالدوود وإيمي م. ألبرتون حول الدعم المقدم للآباء والأمهات الذين فقدوا أبناءهم، فإن بعض المشاركين قالوا إن أشخاصاً من محيطهم توقفوا عن الاتصال بهم، بل إن بعضهم كان يغير طريقه عند رؤيتهم في مكان عام تجنباً للمواجهة.
في المقابل، وصف المشاركون الحضور والإنصات والدعم غير المشروط بأنها من أكثر التصرفات قيمة في تلك المرحلة. فالشخص الحزين لا ينتظر دائماً كلاماً مثالياً، لكنه يتألم حين يشعر أن حزنه جعل الآخرين يهربون منه.
وأشارت الدراسة نفسها إلى أن الآباء والأمهات الذين لم يتلقوا دعماً من العائلة أو الأصدقاء أو زملاء العمل وصفوا مشاعر أقوى من العزلة والوحدة. وخلص الباحثون إلى أن مجرد «الوجود»، والاستماع، وإظهار الدعم، كانت من السلوكيات التي اعتُبرت الأكثر نفعاً.
ولا يقتصر أثر الدعم الاجتماعي على حالات الحداد فقط. فقد نشرت دورية «علم النفس التواصلي» عام 2024 مراجعة منهجية شملت 50 دراسة طولية، بأحجام عينات تراوحت بين 360 وأكثر من 65 ألف مشارك. ووجدت المراجعة أن الإحساس بوجود دعم اجتماعي كان من العوامل المرتبطة بقدرة أفضل على الصمود أمام الأزمات والأحداث الضاغطة، مع التنبيه إلى أن الارتباط لا يعني بالضرورة وجود علاقة سببية مباشرة.
لذلك، لا تحتاج إلى جملة استثنائية كي تساعد صديقاً في محنة. أحياناً يكفي أن تبقى على تواصل، وأن ترسل رسالة بسيطة مثل: «فكرت بك اليوم، كيف تشعر؟»، أو «لا أعرف تماماً ماذا أقول، لكن أردت أن تعرف أنني هنا».
وقالت «سان إي ناتورال» إن دعم الصديق لا يعني إيجاد الحل المثالي، بل يعني في كثير من الأحيان ألا يواجه ألمه وحده. فالإنصات دون أحكام، والاستمرار في السؤال عنه، وعدم الانسحاب عندما تطول الأزمة، كلها أشكال مهمة من المساندة.
الحضور الصادق هو جوهر المساعدة
في النهاية، مساعدة صديق يمر بأزمة لا تقوم على الكلمات المثالية، ولا على حل مشكلاته بدلاً منه، ولا على دفعه للتعافي بسرعة. ما يحتاجه غالباً هو حضور مطمئن، واعتراف صادق بما يشعر به، ورسالة واضحة بأنه ليس عبئاً ولا وحيداً.
وبحسب المراجعة العلمية المنشورة في «علم النفس التواصلي»، فإن الدعم الذي يشعر به الإنسان من محيطه يرتبط باستجابات أكثر مرونة أمام الأحداث الصعبة، إلى جانب عوامل أخرى مثل تنظيم المشاعر والمرونة النفسية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن النتائج ليست موحدة دائماً، ولا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية قاطعة.
أما عملياً، فحين يمر صديقك بفترة موجعة، قد لا يحتاج إلى سماع «كن قوياً» أو «تجاوز الأمر». ربما يحتاج فقط إلى أن يعرف أنه يستطيع أن يكون حزيناً، ضعيفاً أو تائهاً، دون أن يُدان أو يُترك. أحياناً تبدأ المساعدة بجملة بسيطة وصادقة: «أنا معك، ولن تضطر إلى عبور هذا وحدك».
اقرأ أيضاً
تأثير دانينغ-كروغر: لماذا يثق الجاهل بنفسه بينما يشك الخبير في قدراته؟
الإفراط في قول “شكراً” ليس دائماً علامة على اللطف.. ماذا يقول علم النفس؟
3 عادات يومية تجعلك أكثر سعادة وتساعد على إطالة العمر.. ماذا كشفت دراسة هارفارد؟
7 عبارات ذكية للتعامل مع الشخص العدواني السلبي.. هكذا تنزع فتيل التوتر بهدوء

