وطن-في أعقاب الزلزال الذي ضرب شمال غرب كولومبيا، برزت تساؤلات واسعة حول طبيعة الهزة الأرضية وحجم الأضرار المتوقعة، خصوصاً عند مقارنتها بالزلازل القوية التي شهدتها فنزويلا في أواخر يونيو. ويؤكد خبراء أن الفارق الحاسم بين الحالتين يكمن في عمق بؤرة الزلزال، وطبيعة الحركة التكتونية، وعدد الهزات الرئيسية التي وقعت في كل بلد.
وقالت وكالة “أوروبا برس” إن راؤول بيريث لوبيث، جيولوجي الطوارئ التابع للمجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا، أوضح أن بؤرة الزلزال الذي سُجل الاثنين في شمال غرب كولومبيا كانت على عمق يقارب 100 كيلومتر، بخلاف زلزال فنزويلا الذي وقع نهاية يونيو، حيث تمركزت بؤرته على عمق لا يتجاوز 10 كيلومترات فقط.
وبحسب ما أوردته وكالة “أوروبا برس”، فإن هذا العمق الكبير في الحالة الكولومبية أسهم في الحد من حجم الكارثة، كما أن الهزات الارتدادية المتوقعة، التي ستحدث على عمق يقارب 90 كيلومتراً، لن تكون محسوسة بقوة في أغلب المناطق، ما يسهّل عمل فرق الإنقاذ والبحث عن ناجين تحت الأنقاض.
وأعلنت رابطة المدن الكبرى في كولومبيا «أسوكابيتاليس» حصيلة أولية تشير إلى وفاة 169 شخصاً وإصابة أكثر من 660 آخرين جراء الزلزال الذي ضرب البلاد. وفي المقابل، خلّفت الزلازل التي وقعت في فنزويلا أكثر من 5300 قتيل و16700 مصاب، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
فرق جوهري في عمق الزلزال بين كولومبيا وفنزويلا
وأوضح بيريث لوبيث، في تصريحات نقلتها وكالة أوروبا برس، أن زلزال كولومبيا وقع في نطاق الاندساس بين صفيحة نازكا والصفيحة الأميركية الجنوبية، وهي منطقة تكتونية نشطة يعرف عنها أنها قد تنتج زلازل قوية. غير أن الزلزال الأخير تميز بكونه ناتجاً عن حركة انزلاقية أو ما يعرف بالحركة «في الاتجاه»، وليس عن صدع عكسي كما يحدث غالباً في هذا النوع من البيئات التكتونية.
وقال الخبير إن الزلازل في هذا السياق تحدث عادة عندما ينزلق جزء من قاع المحيط الهادئ إلى أسفل القارة الأميركية الجنوبية، وهي آلية مرتبطة بالصدوع العكسية. لكنه أضاف أن ما حدث في الحالة الكولومبية كان حركة انزلاقية باتجاه معاكس لعقارب الساعة، وهو ما يعطي الزلزال طبيعة مختلفة من حيث انتقال الطاقة وتأثيرها على السطح.
وأضافت وكالة “أوروبا برس” أن الفارق الكبير بين زلزال كولومبيا وزلزال فنزويلا يعود أيضاً إلى أن بؤرة الزلزال الفنزويلي كانت شديدة القرب من السطح، على عمق يقارب 10 كيلومترات فقط. وكلما كان الزلزال أقرب إلى السطح، زادت شدة الاهتزازات وتأثيرها المباشر على المباني والبنى التحتية.
وأشار بيريث لوبيث إلى أن قوانين تلاشي الموجات الزلزالية تتبع نمطاً تصاعدياً مع العمق والمسافة، موضحاً أن وقوع زلزال كولومبيا على عمق 100 كيلومتر حال دون تحول المشهد إلى كارثة أكبر بكثير. وقال إن الزلزال لو وقع على عمق أقل، لكان الحديث اليوم عن دمار أوسع وخسائر بشرية ومادية أشد.
هل يمكن أن تحدث زلازل سطحية قوية في كولومبيا؟
وبحسب وكالة أوروبا برس، لفت الخبير الإسباني إلى أن السؤال العلمي الأهم الآن يتمثل في معرفة ما إذا كانت المنطقة الكولومبية قادرة على إنتاج زلازل من هذا النوع على عمق لا يتجاوز 10 كيلومترات. وأكد أن الإجابة تتطلب دراسات أكثر تفصيلاً، تشمل التصوير الزلزالي وتحليل الغلاف الصخري، لتحديد امتداد الصدوع القادرة على توليد زلازل بقوة تصل إلى 7 درجات.
وأوضح أن وجود الصدوع في المنطقة أمر معروف، لكن الأهم هو معرفة عمق امتدادها وقدرتها على تحرير طاقة زلزالية كبيرة بالقرب من السطح، لأن ذلك هو العامل الذي يحدد مستوى الخطر الحقيقي على المدن والمناطق المأهولة.
الهزات الارتدادية لن تكون مدمرة على الأرجح
وفي ما يتعلق بالهزات الارتدادية بعد زلزال كولومبيا، قال بيريث لوبيث إن المنطقة ستواصل تسجيل هزات خلال الفترة المقبلة، خصوصاً بعد مرور أول 24 ساعة على الزلزال الرئيسي. لكنه أكد، وفق ما نقلته وكالة أوروبا برس، أن هذه الهزات ستتراجع تدريجياً من حيث الشدة، كما أنها ستكون عميقة نسبياً، عند نحو 90 كيلومتراً، وبالتالي ستكون محدودة الإحساس بها على سطح الأرض.
ويمثل ذلك، بحسب الخبير، عاملاً إيجابياً لفرق الإنقاذ، إذ يسمح لها بالتحرك خلال الأيام السبعة الأولى الحاسمة بعد الكارثة من دون مخاطر كبيرة ناجمة عن هزات ارتدادية قوية قد تؤدي إلى انهيار مبانٍ متضررة أو تعرقل عمليات البحث عن ناجين.
وقارن بيريث لوبيث ذلك بما حدث في فنزويلا، حيث تسببت الهزات اللاحقة في التأثير بشدة على مبانٍ كانت قد تضررت بالفعل من الزلزال الأول، ما أدى إلى تفاقم الانهيارات وزيادة عدد الضحايا.
مراقبة النشاط البركاني بعد الزلزال
وتناول الخبير أيضاً احتمال تأثير الزلزال على البنى البركانية في المنطقة، مشيراً إلى أن بركان بوراسي أظهر زيادة في نشاطه خلال الفترة الأخيرة. وقال، وفق وكالة أوروبا برس، إنه على ثقة بأن الخدمة الجيولوجية في كولومبيا ستراقب البراكين القريبة بعناية، للتحقق مما إذا كان الزلزال قد حفّز أي تغيرات في نشاطها.
ورغم أن الزلازل قد ترتبط أحياناً بتغيرات في الأنظمة البركانية، فإن الخبراء عادة ما يتعاملون مع هذا الاحتمال بحذر علمي، عبر المراقبة المستمرة لمؤشرات مثل الغازات، والتشوهات الأرضية، ودرجات الحرارة، والهزات الدقيقة في محيط البراكين.
زلزال واحد في كولومبيا مقابل هزتين متتاليتين في فنزويلا
من جانبه، قال خوسيه لويس إستيبان بينيلاس، أستاذ العمارة في الجامعة الأوروبية، إن هناك فارقاً أساسياً آخر بين زلزال كولومبيا وزلازل فنزويلا، يتمثل في أن كولومبيا تعرضت لحدث زلزالي رئيسي واحد، بينما شهدت فنزويلا هزتين قويتين ومتقاربتين زمنياً.
وأوضح إستيبان بينيلاس، في تصريحات نقلتها وكالة أوروبا برس، أن فنزويلا تعرضت لهزة أولى أعقبتها بعد دقائق هزة ثانية بقوة قريبة، وهو ما أدى إلى انهيار مبانٍ كانت قد صمدت جزئياً في البداية، لكنها لم تتحمل التأثير المتكرر للهزة الثانية.
وأشار إلى أن هذا السيناريو يزيد خطورة الزلازل، لأن المباني المتضررة من الهزة الأولى تصبح أكثر هشاشة أمام أي اهتزاز جديد، حتى لو لم يكن أقوى من الأول. وفي هذه الحالات، قد تتحول الشقوق والأضرار الجزئية إلى انهيارات كاملة خلال دقائق.
كود البناء المقاوم للزلازل في كولومبيا
وأضافت وكالة أوروبا برس أن الخبير المعماري أشار إلى أن كولومبيا تمتلك لائحة للبناء المقاوم للزلازل مطبقة منذ عام 2010، وهو ما قد يفسر صمود عدد من المنشآت الحديثة رغم تعرضها لأضرار. ووفقاً للصور التي اطلع عليها من المناطق المتضررة، فإن بعض المباني المؤسسية التي شُيدت بعد هذا التاريخ، مثل الملاعب والمطارات، أظهرت تلفيات لكنها لا تبدو ذات طبيعة إنشائية خطيرة.
وأوضح إستيبان بينيلاس أن المبنى المقاوم للزلازل يجب أن يتصرف «مثل نبات القصب»، أي أن يمتلك قدراً من المرونة يسمح له بامتصاص الحركة الأفقية الناتجة عن الزلزال. فالاهتزاز الأرضي ينتقل عبر الهيكل الإنشائي، وعلى المبنى أن يستوعب هذا التذبذب من دون أن يتعرض للكسر أو الانهيار.
وقال إن المبنى إذا لم يكن مصمماً بمرونة كافية، فقد يتعرض للتشقق أو الانكسار، سواء عند الأساسات أو الأعمدة الوسطى. وإذا تضررت الأساسات، قد تميل المباني أو تفقد اتزانها، أما إذا انهار المبنى بالكامل، فهذا يعني أن منظومته الإنشائية لم تصمد، بما في ذلك الأساسات والجسور والأعمدة والبلاطات.
وبينما تستمر فرق الإنقاذ في كولومبيا في البحث عن ناجين وتقييم حجم الأضرار، يظل عمق الزلزال عاملاً محورياً في تفسير محدودية التأثير النسبي مقارنة بكوارث زلزالية أخرى أقرب إلى السطح، في وقت يواصل فيه الخبراء مراقبة الهزات الارتدادية والنشاط البركاني المحتمل في المنطقة.
اقرأ المزيد
زلزال تحت الأرض.. وانقلاب سياسي فوقها: لماذا غيّرت كولومبيا موقفها من إسرائيل؟
زلزال تحت الأرض.. وانقلاب سياسي فوقها: لماذا غيّرت كولومبيا موقفها من إسرائيل؟
زلزال يهزّ مصر فجراً.. ذعر في الشوارع وتحذيرات من هزات ارتدادية تهزّ المنطقة

