وطن-من قطعة أرض استراتيجية في الساحل الشمالي المصري إلى مشروع استثماري جديد بشراكة مع مستثمر إماراتي، في خطوة تعيد إلى الواجهة الجدل حول توسع الاستثمارات الخليجية في الأصول والأراضي المصرية، خصوصًا في المناطق الساحلية ذات القيمة الاقتصادية المرتفعة.
وبحسب المعطيات الواردة في المادة، تبلغ مساحة الأرض نحو 642 فدانًا، فيما تُقدّر قيمتها بنحو 135 مليار جنيه مصري، على أن تُستخدم في تطوير مشروع سياحي وفندقي كبير.
من تسوية الديون إلى مشروع استثماري
لا تبدأ القصة من المشروع الحالي، إذ تشير المعلومات إلى أن أرض الجفيرة خُصصت عام 2023 لصالح بنك الاستثمار القومي في إطار تسوية مديونيات حكومية.
وبذلك أصبحت الأرض جزءًا من سياسة أوسع تعتمد على استخدام بعض أصول الدولة في معالجة الالتزامات المالية وتوفير موارد للخزانة، قبل أن تدخل لاحقًا في مسار استثماري جديد.
ووفق المعطيات المتداولة، يقضي الاتفاق المقترح بأن يسدد المستثمر قيمة الأرض على مدى ست سنوات، مقابل حصول الجانب المصري على نسبة تتراوح بين 20 و30% من عوائد المشروع، إضافة إلى حصة عينية من الوحدات الفندقية.
كما تشير المعلومات إلى دفع نحو 100 مليون دولار كدفعة جدية، في انتظار استكمال الإجراءات والموافقات والتعاقد النهائي.
مشروع بعوائد ضخمة
وتكتسب الصفقة أهميتها من حجم المشروع المتوقع، إذ تُقدّر الإيرادات المستهدفة بنحو 275 مليار جنيه، ما يجعل الأرض والمشروع المرتبط بها من أبرز الاستثمارات العقارية والسياحية المطروحة في الساحل الشمالي.
ويأتي ذلك في وقت تحولت فيه المنطقة إلى واحدة من أكثر ساحات الاستثمار العقاري جذبًا لرؤوس الأموال الخليجية والأجنبية.
وتبرز في هذا السياق صفقة رأس الحكمة، إلى جانب مشاريع سياحية وعقارية أخرى لشركات خليجية في الساحل الشمالي ومناطق مصرية مختلفة.
توسع إماراتي في الاقتصاد المصري
ولا يقتصر الحضور الإماراتي في مصر على العقارات والسياحة، إذ امتد خلال السنوات الماضية إلى قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والأسمدة والصحة والموانئ والغاز والفنادق والمنتجعات.
ويرى مؤيدو هذه الاستثمارات أنها توفر تدفقات نقدية بالعملة الأجنبية، وتساهم في تمويل مشروعات جديدة، وتخفف الضغوط عن الاقتصاد المصري في ظل احتياجاته الكبيرة إلى الاستثمارات الأجنبية.
لكن منتقدين يطرحون سؤالًا مختلفًا يتعلق بمستقبل الأصول التي تدخل في مثل هذه الصفقات.
هل تتحول الأصول إلى وسيلة لسداد الديون؟
يرى منتقدو سياسة بيع أو تخصيص أصول الدولة أن الحصول على سيولة فورية قد يساعد الحكومة في مواجهة التزاماتها المالية، لكنه قد يعني في المقابل التخلي عن أصول استراتيجية يمكن أن ترتفع قيمتها بصورة كبيرة مستقبلًا.
وتزداد حساسية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بأراضٍ ساحلية ذات قيمة استثمارية مرتفعة، خصوصًا مع الارتفاع الكبير في أسعار العقارات والأراضي في الساحل الشمالي.
في المقابل، ترى الحكومة المصرية أن تطوير هذه المناطق بالشراكة مع مستثمرين قادر على تحقيق عوائد طويلة الأجل، وتحويل الأراضي غير المستغلة إلى مشروعات توفر فرص عمل وإيرادات للدولة.
المنافسة بين المستثمر المصري والأجنبي
وتثير التوسعات الخليجية أيضًا نقاشًا بين المستثمرين المصريين، إذ يخشى بعضهم من أن يؤدي تركّز رؤوس الأموال الكبرى في المشروعات الأكثر جاذبية إلى زيادة صعوبة المنافسة أمام الشركات المحلية.
ولا يرتبط الجدل بالاستثمار الإماراتي وحده، بقدر ما يتعلق بالسؤال الأوسع حول شروط حصول المستثمر الأجنبي على الأراضي والأصول العامة، ومدى استفادة الاقتصاد المحلي من هذه الصفقات.
اختبار جديد لسياسة إدارة الأصول
وتضع صفقة الجفيرة، في حال اكتمالها، سياسة إدارة أصول الدولة المصرية أمام اختبار جديد: هل تمثل هذه الصفقات وسيلة لجذب استثمارات ضخمة وتحقيق عوائد مستدامة، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى أداة لسد الفجوات المالية وسداد الديون؟
لا تتوقف الإجابة فقط على قيمة الأرض أو حجم الاستثمار، وإنما على تفاصيل العقد، ونسبة الدولة من الأرباح، وآليات السداد، وحجم العوائد التي ستصل إلى الخزانة المصرية، إضافة إلى طبيعة الملكية النهائية للأصول.
وفي النهاية، يبقى الجدل الحقيقي في مصر مرتبطًا بالسؤال الأوسع: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الحاجة العاجلة إلى التمويل الأجنبي والحفاظ على الأصول الاستراتيجية للدولة وتعظيم عائدها للأجيال المقبلة؟
اقرأ أيضاً
25 مليون متر مربع.. كيف أصبح محمد العبار أحد أكبر ملاك الأراضي في مصر؟
أزمة مراسي تتصاعد.. ملاك مصريون يرفعون دعاوى ضد إعمار مصر بسبب قيود الإدارة وحقوق الملكية
مشروع صندوق “مستقبل مصر”.. صلاحيات استثنائية تثير جدلاً حول إدارة أصول الدولة في مصر

