وطن-تتجه أنظار إسرائيل إلى التحولات المتسارعة في موازين القوى الإقليمية، مع تنامي الحديث عن اتفاق دفاعي يجمع السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل خريطة التحالفات في الشرق الأوسط.
ويثير ما بات يعرف إعلامياً بـ«تحالف مكة» اهتماماً متزايداً في تل أبيب، ليس فقط بسبب الوزن الاقتصادي والعسكري للدول الثلاث، وإنما أيضاً بسبب احتمال تحوّل التعاون الدفاعي بينها إلى إطار إقليمي أوسع، يحدّ من اعتماد بعض دول المنطقة على المظلة الأمنية الأمريكية وحدها.
اتفاق يلفت أنظار تل أبيب
وصف وزير شؤون الشتات الإسرائيلي عميحاي شيكلي الاتفاق بين السعودية وتركيا وباكستان بأنه تطور «خطير ومقلق للغاية» بالنسبة إلى إسرائيل، في تعبير يعكس حجم الاهتمام الإسرائيلي بالتحولات الجارية في البيئة الأمنية المحيطة بها.
وتنظر تل أبيب إلى التقارب بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد باعتباره تطوراً يتجاوز العلاقات الثنائية أو التعاون العسكري التقليدي، خصوصاً إذا تطور لاحقاً إلى آلية دفاع مشترك قادرة على تنسيق المواقف والقدرات في حال تعرض إحدى الدول الثلاث لتهديد أمني كبير.
لماذا يثير التحالف القلق الإسرائيلي؟
لا تتعلق المسألة الأساسية بالنسبة إلى إسرائيل بالقوة العسكرية للدول الثلاث فقط ، بل بإمكانية ظهور مركز نفوذ إقليمي جديد. فالسعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً في العالم العربي، بينما تعد تركيا قوة عسكرية وإقليمية مؤثرة، وتمتلك باكستان جيشاً كبيراً وقدرات عسكرية متقدمة، فضلاً عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ترسانة نووية.
وإذا تحولت هذه العناصر إلى منظومة تعاون دفاعي طويلة الأمد، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع استراتيجي مختلف عن ذلك الذي اعتادت التعامل معه خلال العقود الماضية.
الرياض تعيد ترتيب أوراقها
ويأتي التقارب السعودي مع تركيا وباكستان في مرحلة تعيد فيها الرياض النظر في منظومة علاقاتها الأمنية. فالسعودية، التي اعتمدت تاريخياً بدرجة كبيرة على الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، تسعى في السنوات الأخيرة إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية، وتنويع علاقاتها مع القوى الدولية والإقليمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة ابتعاد الرياض عن واشنطن، لكنه يعكس رغبة متزايدة في امتلاك خيارات متعددة وعدم وضع الأمن السعودي بالكامل في سلة حليف واحد.
وهنا تحديداً تكمن إحدى نقاط القلق الإسرائيلية: فإذا أصبح التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان أكثر مؤسسية، فقد يشكل نواة لتفاهمات أمنية أوسع في المنطقة.
مصر تحت المراقبة
ولا تقتصر الحسابات الإسرائيلية على الدول الثلاث. فمصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها العسكري والسياسي، قد تكون إحدى الدول التي تراقبها تل أبيب باهتمام، خصوصاً إذا بدأ التحالف الجديد في توسيع دائرة شركائه أو بناء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر شمولاً.
ومن شأن دخول دول عربية أخرى إلى أي منظومة دفاعية مستقبلية أن يغيّر حجم التأثير السياسي والعسكري لهذا التكتل، ويمنحه وزناً أكبر في الحسابات الإقليمية.
إسرائيل تبحث عن جبهة مقابلة
في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل تريد الاكتفاء بمراقبة التطورات. فقد دعا شيكلي إلى تعميق التحالفات الإسرائيلية مع اليونان وقبرص والإمارات والصومال، في إشارة إلى رغبة إسرائيلية في تعزيز شبكة من الشراكات الإقليمية والدولية يمكن أن تشكل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، توازناً أمام التحالفات الجديدة.
وهكذا، تبدو المنطقة أمام مسارين متوازيين: دول تعمل على تعزيز التعاون الدفاعي فيما بينها، وإسرائيل تسعى إلى توسيع شبكة علاقاتها مع دول أخرى تمتلك مصالح مشتركة معها.
من الخليج إلى شرق المتوسط والقرن الأفريقي
وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر بسبب الموقع الجغرافي للدول المعنية. فتركيا تطل على شرق المتوسط والبحر الأسود، والسعودية تتمتع بموقع استراتيجي بين البحر الأحمر والخليج، بينما تمثل باكستان بوابة مهمة نحو جنوب آسيا والمحيط الهندي.
وفي المقابل، ترتبط اليونان وقبرص بشرق المتوسط، بينما يمثل وجود الإمارات والصومال في أي شبكة تعاون أوسع امتداداً نحو الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وهذا يعني أن سباق بناء التحالفات قد لا يبقى محصوراً في المجال العسكري، بل يمكن أن يمتد إلى الموانئ والممرات البحرية والطاقة والتجارة والأمن البحري.
إيران تراقب المشهد
وتتابع إيران بدورها هذه التحولات باهتمام، إذ إن ظهور تحالفات دفاعية جديدة في المنطقة قد يؤثر في حسابات طهران الأمنية والاستراتيجية.
وفي الوقت نفسه، فإن طبيعة العلاقات بين الدول المشاركة في هذه الترتيبات ليست متطابقة بالضرورة، ما يجعل مستقبل أي تحالف إقليمي مرتبطاً بقدرته على تجاوز الاختلافات السياسية وتحديد أهداف مشتركة واضحة.
الاختبار الحقيقي يبدأ عند الأزمات
لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق قوياً على الورق، بل بما إذا كان قادراً على التحول إلى قوة فعلية عند وقوع أزمة. ماذا سيحدث إذا تعرضت السعودية لهجوم واسع؟ وماذا لو اندلعت حرب إقليمية جديدة؟ وهل ستنتقل تركيا وباكستان من الالتزام السياسي إلى تقديم دعم عسكري فعلي إذا طلبت الرياض ذلك؟ هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كان «تحالف مكة» مجرد اتفاق دفاعي محدود، أم نواة لتحالف عسكري إقليمي أكثر اتساعاً.
الشرق الأوسط أمام سباق تحالفات
المشهد الإقليمي يتغير بسرعة. فالسعودية تعيد ترتيب أوراقها، وتركيا توسع حضورها الإقليمي، وباكستان تدخل الحسابات الخليجية بثقلها العسكري، بينما تتحرك إسرائيل لتعزيز علاقاتها مع قوى أخرى، في وقت تراقب فيه إيران والولايات المتحدة مسار هذه التحولات.
وبينما لا تزال ملامح «تحالف مكة» وقدرته المستقبلية غير محسومة، فإن مجرد ظهور هذا النوع من الترتيبات يعكس تحولاً مهماً في التفكير الأمني داخل المنطقة.
فالشرق الأوسط قد لا يكون أمام تحالف واحد في مواجهة تحالف آخر، بقدر ما يكون أمام مرحلة جديدة من سباق التحالفات، تتقاطع فيها المصالح العسكرية والاقتصادية والطاقة والأمن البحري والنفوذ السياسي.
والسؤال الذي سيحسم مستقبل هذه التحولات ليس من يعلن تحالفاً جديداً أولاً، بل من يستطيع تحويل التحالفات من اتفاقات سياسية إلى قوة حقيقية على الأرض عندما تأتي لحظة الاختبار.
اقرأ المزيد
غياب مصر عن اتفاق مكة يثير التساؤلات.. هل تنضم لاحقاً إلى تحالف السعودية وتركيا وباكستان؟
غياب الإمارات عن التحالف البحري السعودي يشعل التساؤلات.. هل عادت الخلافات بين الرياض وأبوظبي؟
لماذا امتنعت مصر عن الانضمام إلى الحلف الأمني بين تركيا والسعودية وباكستان؟
اتفاق دفاعي ثلاثي مرتقب بين السعودية وتركيا وباكستان قد يغيّر توازنات المنطقة..

