وطن-بعد سبع سنوات على قرار الهند إلغاء الوضع الدستوري الخاص لكشمير الخاضعة لإدارتها، لا تزال تداعيات الخطوة تتسع داخل الإقليم المتنازع عليه، وسط جدل متصاعد حول الهوية والتمثيل السياسي وملكية الأراضي. فقد فتحت التعديلات الجديدة على قوانين الإقامة وشراء الأراضي، إلى جانب إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، الباب أمام اتهامات بأن نيودلهي تمضي في إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في كشمير بصورة تدريجية.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن التغييرات التي أعقبت إلغاء المادة 370 والمادة 35A من الدستور الهندي في 5 أغسطس 2019 لم تكن مجرد تعديلات قانونية منفصلة، بل جاءت ضمن عملية أوسع لإعادة هيكلة الإقليم الذي تتنازع السيطرة على أجزاء منه الهند وباكستان والصين.
وفي صورة تعكس طبيعة الأوضاع الأمنية المشددة في المنطقة، ظهر أحد عناصر مجموعة العمليات الخاصة التابعة للشرطة الهندية وهو يفتش هاتف أحد المارة في سريناغار قبيل يوم الجمهورية الهندي في 22 يناير 2026، في مشهد أصبح مألوفاً في كشمير خلال السنوات الأخيرة.
كانت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي، بقيادة رئيس الوزراء ناريندرا مودي، قد ألغت الوضع الخاص لجامو وكشمير، ثم قسمت الإقليم إلى منطقتين اتحاديتين هما جامو وكشمير ولداخ، لتخضعا مباشرة لسلطة الحكومة المركزية في نيودلهي. وبررت الحكومة الهندية القرار بأنه يهدف إلى دمج كشمير بشكل أوثق مع الهند، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية، والحد من النشاط المسلح.
غير أن صحيفة “ميدل إيست آي” أوضحت أن ما جرى بعد ذلك كان سلسلة من التغييرات القانونية والإدارية التي مست جوهر الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الإقليم. فبعد أشهر من إلغاء الوضع الخاص، أقرت نيودلهي قواعد إقامة جديدة تسمح لأي شخص عاش في الإقليم لمدة 15 عاماً، أو درس فيه 7 سنوات، أو عمل في وظائف معينة تابعة للحكومة المركزية، بالحصول على صفة “مقيم دائم” أو شهادة إقامة محلية.
كما تبعت ذلك تعديلات أخرى خففت القيود المفروضة على شراء الأراضي، وهي مسألة كانت تاريخياً من أكثر القضايا حساسية في كشمير، نظراً لارتباطها بالهوية المحلية والموارد الطبيعية والتركيبة السكانية.
وبحسب الأرقام الحكومية التي قُدمت إلى جمعية جامو وكشمير التشريعية، فقد تم إصدار أكثر من 1.25 مليون شهادة إقامة خلال عامين فقط، من بينها 83 ألفاً و742 شهادة لأشخاص لم يكونوا مؤهلين سابقاً للحصول على صفة المقيمين الدائمين في الولاية السابقة.
ويرى سكان محليون تحدثوا إلى الصحيفة أن هذه الإجراءات أدت إلى تهميش واسع للسكان الأصليين، بعدما أصبح بإمكان القادمين من خارج الإقليم الوصول إلى موارده وفرصه وأراضيه بصورة لم تكن ممكنة قبل عام 2019.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن امرأة من سكان كشمير، عرّفت نفسها باسمها الأول فقط “جان”، وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها، قولها إن أكثر ما تغير خلال السنوات السبع الماضية هو “الحضور الواضح لعدم المساواة”. وأضافت: “لا أتذكر أن كشمير كانت بهذا القدر من التفاوت الاقتصادي من قبل. حين ترى مركز لال تشوك في سريناغار، الذي يجري الترويج له كثيراً، تلمح مدينة ملونة وحيوية، لكن بمجرد أن تدخل حي ميسوما المجاور أو أزقة المدينة القديمة، ترى كشمير الحقيقية: طرقاً تغمرها المياه، وسكاناً يعملون على عربات الريكشا، وكلاباً ضالة تكاد تفوق البشر عدداً”.
وقالت جان إن التحولات أصبحت أكثر وضوحاً بعد عام 2019، موضحة أن القوانين السابقة كانت تمنع أي شخص من امتلاك أكثر من 12 فداناً من الأرض، وهو ما أبقى كشمير، بحسب تعبيرها، ذات طابع اجتماعي أكثر توازناً. وأضافت: “لم يكن مسموحاً لأحد ببناء كوخ صغير على أرض زراعية. أما الآن فقد أصبحت الأمور مفتوحة للجميع”.
وتابعت أن شركات البناء الهندية باتت قادرة على شق طريقها عبر حقول الأرز وبساتين التفاح لبناء سكك حديدية وطرق سريعة، معتبرة أن ذلك يشوه صورة كشمير التي عرفها السكان في طفولتهم. وقالت: “هذه البنية التحتية تبدو موجهة لخدمة المؤسسة العسكرية أكثر من خدمتها لنا. الفقراء هم الأكثر عجزاً أمام اندفاع كشمير الجديدة وما تمثله من تغييرات جارفة. نحن ببساطة نصبح غرباء عن أرضنا”.
ما المادة 370 ولماذا كانت مهمة لكشمير؟
كانت المادة 370 من الدستور الهندي إحدى ركائز الاتفاق الذي انضمت بموجبه كشمير إلى الهند بعد تقسيم شبه القارة الهندية. وعلى مدى نحو 70 عاماً، شكلت هذه المادة الرابط الدستوري بين الإقليم ذي الأغلبية المسلمة والاتحاد الهندي.
وأوضحت صحيفة “ميدل إيست آي” أن المادة 370، إلى جانب المادة 35A، منحت جامو وكشمير قدراً من الحكم الذاتي والضمانات الدستورية. فقد كانت تمنع غير الكشميريين من امتلاك الأراضي، في إجراء قُدم بوصفه حماية للموارد المحلية والنظام البيئي الهش، كما نظمت فرص العمل، ووفرت ضمانات للتوظيف المحلي، ومنحت الإقليم صلاحيات محدودة في اتخاذ القرار السياسي.
أما المادة 35A فكانت تمنح الجمعية التشريعية في كشمير سلطة تحديد من يُعد “مقيماً دائماً”، وتمنع توطين القادمين من خارج الإقليم بصورة دائمة. لكن حكومة حزب بهاراتيا جاناتا ألغت هذه المنظومة بشكل أحادي عام 2019، ثم حوّلت الولاية السابقة إلى منطقتين اتحاديتين تخضعان للحكومة الفدرالية.
وفي مارس 2020، أعلنت الحكومة قانون إقامة جديداً يسمح بالحصول على صفة المقيم لمن عاش في المنطقة 15 عاماً، أو درس فيها 7 سنوات، أو عمل في مؤسسات الحكومة المركزية داخل الإقليم. ثم جاء إخطار آخر في أكتوبر 2020 ليجعل حتى هذا الشرط غير ذي صلة بالنسبة إلى الأراضي غير الزراعية، إذ أصبح بإمكان غير المقيمين شراء معظم أنواع العقارات دون الحاجة إلى شهادة إقامة.
وتقول السلطات المحلية إن شهادة الإقامة تهدف أساساً إلى التقدم للوظائف، ولا تمنح بحد ذاتها حقوق ملكية الأراضي أو التصويت. غير أن منتقدين يؤكدون أن تعديل قوانين الأراضي جعل شهادة الإقامة غير ضرورية أصلاً لشراء معظم الممتلكات، وهو ما ضاعف المخاوف من تغيير البنية السكانية والاقتصادية في كشمير.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن أبو بكر، وهو رجل أعمال يبلغ من العمر 42 عاماً من سريناغار ويتابع الشأن السياسي في الإقليم، قوله إن الأرض ظلت منذ إلغاء المادة 370 في قلب النقاش السياسي والعام في كشمير.
وقال أبو بكر إن الحكومة فتحت الأراضي أمام الشركات والمستثمرين في أنحاء الإقليم تحت عنوان تسهيل الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال. وأضاف أن هذه السياسات منحت المستثمرين قدرة أكبر على الوصول إلى الأراضي، ثم تبعتها تغييرات في قوانين الأراضي والزراعة والغابات، وهي إجراءات قُدمت على أنها إصلاحات، لكنها غيرت الوضع القانوني لكثير من السكان الذين يعيشون داخل مناطق الغابات أو بالقرب منها.
وأشار إلى أن أراضي بعض السكان صُنفت في حالات عدة على أنها تعديات، ما أدى إلى حملات إخلاء. وأضاف أن برنامج الحكومة لتوزيع أراضٍ على الأسر المشردة أعاد بدوره إشعال الجدل حول “التغيير الديموغرافي”، وهو هاجس حاضر بقوة في الخطاب السياسي الكشميري منذ سنوات.
إعادة هيكلة السيطرة على كشمير
دافع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي عن إلغاء الوضع الخاص لكشمير، واصفاً الخطوة بأنها تصحيح تاريخي طال انتظاره. كما قالت حكومته إن القرار سيساعد على التخلص من نخبة سياسية محلية فاسدة، وسيقلص النشاط المسلح، ويجلب التنمية والاستثمارات الخاصة، بما ينعكس إيجاباً على اقتصاد الإقليم.
لكن “ميدل إيست آي” أشارت إلى أن مجموعة من المقررين الخاصين في الأمم المتحدة حذروا، في فبراير 2021، من أن قواعد الإقامة المعدلة أُدخلت “من دون استشارة السكان المحليين”، وأن تسريع منح شهادات الإقامة للوافدين من خارج الإقليم قد يؤدي إلى “تدهور الوضع العام لحقوق الإنسان للسكان الأصليين”.
وترى عالمة الأنثروبولوجيا السياسية آثر ضياء أن هذه التغييرات يجب أن تُفهم ضمن عملية سياسية أوسع، لا باعتبارها إجراءات منفصلة. وقالت للصحيفة إن ما يجري يمثل ديناميكية زمنية متكررة لما تصفه بـ”الاستعمار الاستيطاني”، حيث تعزز التغييرات المتتابعة بعضها بعضاً مع مرور الوقت، لتعيد في النهاية تشكيل السيطرة على الأرض والتمثيل السياسي والسيادة المحلية.
وأضافت أن هذا الإطار التحليلي يساعد في فهم كيفية ارتباط إعادة الهيكلة القانونية، وسياسات نزع الأراضي، والهندسة الديموغرافية، وتزايد العسكرة، والتغييرات الواسعة في طريقة حكم الإقليم، باعتبارها بنية متطورة لا مجرد سياسات متفرقة.
وقالت إن الأثر التراكمي لهذه التحولات كان عميقاً في الحياة اليومية، مشيرة إلى تصاعد حالة عدم اليقين والخوف المرتبطين بالأرض، وتراجع التمثيل السياسي، وتقييد الصحافة والنشاط المدني والعمل الحقوقي.
ترسيم انتخابي جديد يعيد توزيع النفوذ
إلى جانب تغييرات قوانين الأراضي والإقامة، أعادت نيودلهي رسم الحدود الانتخابية في جامو وكشمير للمرة الأولى منذ عام 1995. وقررت لجنة ترسيم الدوائر زيادة عدد مقاعد الجمعية التشريعية من 83 إلى 90 مقعداً، وخصصت 5 من المقاعد الستة الإضافية لمنطقة جامو ذات الأغلبية الهندوسية، مقابل مقعد واحد فقط لوادي كشمير ذي الأغلبية المسلمة.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فقد دمجت اللجنة أيضاً مناطق منفصلة جغرافياً عبر سلاسل جبلية ضمن دوائر برلمانية واحدة، في خطوة يرى منتقدون أنها صممت لتحويل الثقل السياسي باتجاه حلفاء نيودلهي.
ورغم أن انتخابات الجمعية المحلية أفضت في نهاية المطاف إلى تشكيل حكومة منتخبة، فإن الإدارة الجديدة لا تزال محدودة الصلاحيات بشدة، بعدما جُرد الإقليم من صفة الولاية الكاملة. فالقضايا التشريعية والإدارية الأساسية لا تزال في يد الحكومة المركزية في نيودلهي، ما يجعل الحكومة المحلية، وفق منتقدين، عاجزة عن ممارسة سلطة فعلية.
وعلى الرغم من الوعود بتحقيق قفزة اقتصادية وإنهاء التمرد المسلح، لا تزال الأوضاع الأمنية في الإقليم متقلبة. ففي مايو 2025، فتح مسلحون مشتبه بهم النار في وادي بيساران بمنطقة باهالغام، ما أسفر عن مقتل 26 سائحاً في واحد من أكثر الهجمات دموية ضد المدنيين منذ سنوات.
وفي الشهر الماضي، قُتل مسؤول في الشرطة أثناء أدائه مهمة أمنية في لال تشوك بمنطقة أنانتناغ. وأعقب الحادث حملة أمنية واسعة أدت إلى اعتقال أكثر من 3500 شخص في أنحاء الإقليم، وفق ما نقلته الصحيفة.
وقال محمد أمين، وهو من سكان كشمير ويبلغ من العمر 55 عاماً، إن الإقليم يعاني معدلات مرتفعة من البطالة بين الشباب، مضيفاً أن بعضهم يتجهون نحو المخدرات في ظل غياب الفرص. ولا يزال معدل البطالة في كشمير يبلغ نحو 6.7%، أي ما يقارب ضعف المعدل العام في الهند.
كما تحدث سكان ومراقبون عن محاولات ممنهجة، بحسب وصفهم، للضغط على المثقفين وتقييد المجال العام عبر الرقابة، حتى داخل الكتب المدرسية والمناهج التعليمية.
“تجريد سياسي كامل” للكشميريين
تؤكد نيودلهي أن التعديلات الدستورية والقانونية حسّنت الحوكمة وعززت الاستثمار وعمّقت اندماج كشمير في الهند. لكن منتقدين يرون أن ما حدث غيّر جذرياً المشهد السياسي والقانوني والديموغرافي للإقليم، ووضع السكان المحليين أمام واقع جديد يقلص قدرتهم على التحكم في مستقبلهم.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن محمد جنيد، الأستاذ في كلية ماساتشوستس للفنون الحرة، قوله إن التغييرات التي أعقبت عام 2019 صُممت ضمن استراتيجية تهدف إلى “التجريد السياسي الكامل للكشميريين كشعب”.
وقال جنيد إن الهدف، في رأيه، هو دفع كشمير إلى مرحلة يصبح فيها السكان مضطرين إلى المطالبة بأمور كانت موجودة لديهم في السابق، بدلاً من السعي إلى حقوقهم السياسية التاريخية كشعب. وأضاف أن هذا التجريد من السلطة يندرج ضمن تاريخ أوسع من السيطرة الإمبراطورية في كشمير.
وأشار إلى أن تاريخ عمليات مشابهة في أماكن وأزمنة أخرى يُظهر أن الوضع في كشمير يشبه جوانب كثيرة من “الاستعمار الاستيطاني”، على حد تعبيره. وقال إن آثار أحداث 2019 تتكشف تدريجياً، بينما يُدار السكان من قبل بيروقراطيين تابعين للسلطة المركزية من دون أن يكون لهم رأي حقيقي في إدارة شؤونهم.
وبعد سبع سنوات من إلغاء المادة 370، لا تزال كشمير تقف عند مفترق سرديتين متناقضتين: سردية رسمية هندية تتحدث عن التنمية والاندماج والاستقرار، وسردية محلية وحقوقية ترى في ما يجري إعادة صياغة شاملة لهوية الإقليم وتمثيله السياسي وملكية أرضه. وبين هاتين الروايتين، يبقى مستقبل كشمير مفتوحاً على مزيد من التوتر والجدل.
اقرأ المزيد
احتجاجات كشمير الخاضعة لإدارة باكستان تتجاوز أزمة الغلاء.. غضب شعبي يهز شرعية السلطة
الهند تصعّد حملة تطهير الكتب في كشمير.. هل تتحول المكتبات إلى ساحة صراع على الذاكرة والتاريخ؟

