وطن-حين تعتمد عائلة كاملة على شخص واحد، غالباً ما يُنظر إليه بإعجاب: قوي، مسؤول، منظم، وقادر على إدارة الأزمات دون أن ينهار. لكن ما يبدو للآخرين صلابة وقدرة استثنائية قد يكون في الداخل حملاً ثقيلاً يعيشه صاحبه بصمت، خصوصاً عندما يتحول دور «سند العائلة» من صفة جميلة إلى واجب دائم لا يسمح بالتراجع أو الضعف.
قالت مجلة “سانتي إي ناتيرال” الفرنسية إن كون الإنسان ركيزة لأسرته يُعد في العادة علامة على الوفاء والكرم وتحمل المسؤولية، غير أن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الدور ثابتاً ومستمراً إلى حد يصعب معه التحرر منه. فمع الوقت، قد ينسى الشخص الذي يستند إليه الجميع أنه يحتاج بدوره إلى من يسانده ويسمعه ويخفف عنه.
وأضافت المجلة أن التوقعات العائلية تتراكم شيئاً فشيئاً، والمسؤوليات تتوسع، حتى تبدو كل أزمة يمر بها الآخرون وكأنها أزمة شخصية لصاحب هذا الدور. ومع تكرار الأمر، يعتاد أن يحمل ما لا يريد الآخرون حمله أو لا يستطيعون تحمله، فيتحول وجوده الدائم إلى قاعدة غير معلنة داخل الأسرة.
في معظم العائلات، هناك شخص واحد يتجه إليه الجميع عند الحاجة. هو من يرد على الاتصالات المتأخرة، ويتابع الإجراءات الإدارية، ويرافق أحد الوالدين أو الأقارب إلى الطبيب، ويهدئ الخلافات قبل اللقاءات العائلية، ويتأكد من أن لا أحد تُرك وحده في لحظة ضعف. ومع مرور السنوات، قد لا يعود أفراد الأسرة يرون ذلك جهداً استثنائياً، بل حقاً مكتسباً أو أمراً بديهياً.
وبحسب ما أوردته قالت مجلة “سانتي إي ناتيرال” الفرنسية، فإن صعوبة هذا الدور لا تكمن فقط في كثرة المهام الظاهرة. فهذه الأعمال يمكن عدّها ووصفها وربما مشاركتها أحياناً. أما العبء الحقيقي فهو ما لا يُرى بسهولة: الضغط النفسي المستمر، والشعور بأن قيمة الشخص مرتبطة بقدرته على الحضور دائماً، والاستجابة دائماً، وحلّ المشكلات دائماً.
الخطر الأكبر يظهر عندما لا تعود العائلة تفرّق بين ما يفعله هذا الشخص وبين من يكون. فبدلاً من أن يُنظر إلى مساعدته باعتبارها اختياراً نابعاً من المحبة، تصبح أمراً مفروغاً منه. ومع الوقت، قد يبدأ هو نفسه في الاعتقاد بأن مكانته داخل أسرته لا تُحفظ إلا بقدرته على خدمة الجميع والتدخل عند كل أزمة، مهما كان مرهقاً أو محتاجاً للراحة.
وهنا، كما توضح المجلة الفرنسية، ينغلق الفخ تدريجياً. السلوك المتكرر يتحول إلى عادة، والعادة تصبح صفة ملتصقة بالشخص، ثم تتحول الصفة إلى هوية كاملة. من دون قرار واضح من أحد، يصبح «أن تكون ضرورياً» شرطاً غير معلن للشعور بالحب والاعتراف والقبول داخل العائلة.
وعندما يحاول هذا الشخص أخيراً أن يضع حدوداً، لا يبدو الأمر مجرد تغيير بسيط في نمط المساعدة، بل كأنه تهديد لتوازن عائلي كامل اعتاد أن يقوم على حضوره الدائم. لذلك قد يواجه الرفض أو العتاب أو الاتهام بالتقصير، رغم أنه لا يطلب سوى توزيع أكثر عدلاً للمسؤوليات.
عندما يتحول الدور العائلي إلى تعريف للشخص
في بعض الأسر، لا تُوزع المسؤوليات بشكل متوازن. ومن دون اتفاق صريح، يتحول أحد الأبناء منذ الصغر، ثم لاحقاً في مرحلة البلوغ، إلى الشخص الذي تعتمد عليه العائلة في كل شيء تقريباً. تبدأ المسألة غالباً بتصرفات صغيرة: مساعدة أحد الوالدين، حماية أخ أو أخت، تهدئة التوترات، أو تحمل بعض مهام الحياة اليومية.
وكشفت قالت مجلة “سانتي إي ناتيرال” أن علماء النفس يطلقون أحياناً على هذه الظاهرة اسم «التوالدية» أو «Parentification»، وهي حالة يتحمل فيها الطفل مبكراً مسؤوليات يفترض أن يقوم بها الكبار. وقد تظهر هذه الحالة بعد الطلاق، أو المرض، أو الأزمات المالية، أو أي مرحلة هشاشة تمر بها الأسرة.
ولا تكون هذه التجربة دائماً درامية أو واضحة. فهي غالباً تتسلل إلى الحياة اليومية بهدوء. طفل يتعلم قراءة مزاج والديه قبل أن يطلب شيئاً. وآخر يصبح مترجماً أو وسيطاً لأجداده في المعاملات الرسمية. ومراهق يجد نفسه في موقع الوسيط بين بالغين لم يعودا قادرين على الحديث بهدوء.
ومع التكرار، تصبح هذه التصرفات «طبيعية» في نظر الأسرة وفي نظر الشخص الذي يؤديها. فلا أحد يتوقف ليسأل: هل من العدل أن يحمل طفل أو شاب هذا القدر من المسؤولية؟ وهل ما يفعله نابع من اختيار حر، أم من شعور مبكر بأنه لا يملك رفاهية أن يكون طفلاً أو محتاجاً؟
وأشارت المجلة الفرنسية إلى أن هذا الدور لا يُعاش دائماً كعبء خالص. فقد يمنح صاحبه إحساساً بالقيمة والنضج والكفاءة، بل وربما الفخر. وتبين بعض الدراسات أن عدداً من الشباب الذين تحملوا مسؤوليات مبكرة داخل أسرهم تحدثوا عن شعورهم بالاعتزاز بما قدموه، لكن كثيرين منهم عبّروا في الوقت نفسه عن إحساس عميق بالظلم. وهذان الشعوران لا يتناقضان بالضرورة، فقد يعيشان داخل الشخص نفسه لسنوات طويلة.
لماذا يصعب الخروج من دور «الشخص الذي يعتمد عليه الجميع»؟
قد يبدو من الخارج أن من يواصل أداء هذا الدور يفعل ذلك بدافع الحب فقط. وبالطبع، للمحبة مكان أساسي في العلاقات العائلية، لكنها لا تفسر كل شيء. فحين تبني الأسرة توازنها حول شخص واحد موثوق به دائماً، يصبح وجوده جزءاً من نظامها اليومي، ويصعب على الجميع تصور الحياة من دون تدخله.
وقالت مجلة “سانتي إي ناتيرال” الفرنسية إن هذا الشخص يتولى غالباً مواعيد الأطباء، والإجراءات الرسمية، وحل النزاعات، ومتابعة الطوارئ، إلى درجة لا يتخيل معها الآخرون أن هذه المهام يمكن أن تُقسم بينهم. ثم تظهر المشكلة حين يقرر أن يخفف من حضوره أو يطلب الراحة.
فانسحابه الجزئي لا يعني فقط أن هناك مهمة إضافية سيقوم بها شخص آخر، بل يجبر الأسرة كلها على الاعتراف بأن هذا العبء كان موجوداً فعلاً، وأنه كان موضوعاً على كتفي فرد واحد، وأن توزيعه لم يكن عادلاً طوال الوقت. وهذا الإدراك قد يكون مزعجاً، لأنه يكشف خللاً ظلت العائلة تتعايش معه سنوات طويلة.
وبحسب ما أوردته المجلة، فإن العائلات تميل أحياناً إلى الإبقاء على العادات المريحة بدلاً من مراجعة التوازنات القديمة. في هذه الحالة، تحل كلمات الشكر محل المشاركة الحقيقية في المسؤوليات. وقد تتحول عبارات الامتنان، رغم جمالها، إلى وسيلة غير مباشرة لتجنب الانخراط الفعلي في تحمل الأعباء.
وتزيد أنماط الطفولة من صعوبة الخروج من هذا الدور. فالشخص الذي نشأ وهو يتوقع احتياجات الآخرين قبل أن يطلبوها، يطور غالباً قدرة عالية على ملاحظة التوترات والمشكلات قبل وقوعها. وهذه المهارة قد تكون قوة كبيرة في الحياة العملية والاجتماعية.
لكن المجلة الفرنسية حذرت من أن هذه القدرة، إذا ظلت تعمل طوال الوقت، يمكن أن تتحول إلى قيد نفسي. فبدلاً من أن تكون مهارة تُستخدم عند الحاجة، تصبح نمطاً دائماً من اليقظة والانتباه والإنقاذ، حتى يجد الشخص نفسه عاجزاً عن التوقف أو طلب المساعدة أو الاعتراف بأنه تعب.
في النهاية، لا يعني وضع الحدود داخل الأسرة التخلي عن المحبة أو المسؤولية. بل قد يكون خطوة ضرورية لحماية العلاقة من الاستنزاف، ولإعادة توزيع الأدوار بشكل أكثر عدلاً وإنسانية. فحتى أقوى شخص في العائلة يحتاج أحياناً إلى أن يكون مستنداً لا سنداً فقط، وأن يُعامل كإنسان له طاقة وحدود، لا كحل دائم لكل مشكلات الآخرين.
قد يعجبك
التفكير الزائد ليس ضعفاً.. علم النفس يكشف الصفات الخفية لمن يفرطون في التفكير
3 عادات يومية تجعلك أكثر سعادة وتساعد على إطالة العمر.. ماذا كشفت دراسة هارفارد؟
الطيار لا يسافر مثل أي راكب.. 9 تفاصيل يلاحظها على متن الطائرة تكشف أسرار الرحلة
10 عادات عائلية تُسرّع الشيخوخة.. العلم يكشف كيف يستهلك المنزل عمرك بصمت

