وطن-تحولت دولة الإمارات خلال العقدين الماضيين من دولة خليجية ذات حضور إقليمي محدود إلى أحد أبرز اللاعبين في ملفات الشرق الأوسط، بعدما وسعت نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في عدد من الدول، مستفيدة من التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة منذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مرورًا بثورات الربيع العربي، ووصولًا إلى تراجع الانخراط الأمريكي المباشر في الشرق الأوسط.
وبحسب تحليل نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن أبوظبي استطاعت استثمار هذه التحولات لبناء شبكة نفوذ واسعة امتدت من الخليج إلى اليمن وليبيا والسودان والقرن الإفريقي، عبر مزيج من القوة الاقتصادية، والاستثمارات، والشراكات الأمنية، والعلاقات مع أطراف محلية مؤثرة.
فراغ إقليمي وفرصة للتمدد
يرى التحليل أن التغيرات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة خلال العقدين الماضيين خلقت فراغًا في موازين القوى، وهو ما دفع الإمارات إلى تبني سياسة خارجية أكثر نشاطًا، مستندة إلى قدراتها المالية والعسكرية، وإلى شبكة واسعة من التحالفات الإقليمية والدولية.
ويشير التقرير إلى أن هذا التحول تزامن مع صعود جيل جديد من القيادات في أبوظبي بقيادة الشيخ محمد بن زايد، الذي ركز على تحديث القوات المسلحة، وتعزيز الشراكات الدفاعية مع الدول الغربية، بالتوازي مع توظيف الفوائض المالية الناتجة عن الطفرة النفطية في تعزيز النفوذ الخارجي.
تحالفات مع شركاء محليين
وبحسب “ميدل إيست آي”، اعتمدت الإمارات بصورة كبيرة على بناء علاقات مع شركاء محليين في عدد من بؤر الصراع، بدلًا من الانخراط العسكري المباشر على نطاق واسع.
ويشير التقرير إلى أن من بين أبرز هؤلاء الشركاء الجيش المصري، وقوات خليفة حفتر في ليبيا، والمجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي” في السودان، إضافة إلى شبكة علاقات سياسية وأمنية في دول القرن الإفريقي.
ويرى التحليل أن هذه السياسة منحت أبوظبي قدرة على التأثير في ملفات إقليمية متعددة، مع تقليل كلفة التدخل المباشر.
القوة الاقتصادية ركيزة النفوذ
ولا يقتصر الحضور الإماراتي، وفق التقرير، على البعد العسكري أو الأمني، بل يمتد إلى الاستثمارات الضخمة في الموانئ، وقطاع الخدمات اللوجستية، والطاقة، والبنية التحتية، خاصة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ويعتبر التحليل أن هذه الاستثمارات وفرت للإمارات أدوات إضافية لتعزيز حضورها الجيوسياسي، وربط مصالحها الاقتصادية بمناطق استراتيجية تمتد من الخليج إلى شرق إفريقيا.
نفوذ يثير الجدل
وعلى الرغم من نجاح الإمارات في ترسيخ حضورها الإقليمي، يشير “ميدل إيست آي” إلى أن هذه السياسة أثارت أيضًا انتقادات واسعة، خصوصًا بسبب دعمها أطرافًا محلية في بعض النزاعات الإقليمية، وهو ما يراه منتقدون عاملًا ساهم في تعقيد بعض الأزمات وإطالة أمدها.
وفي المقابل، يرى مؤيدو السياسة الإماراتية أنها عززت قدرة أبوظبي على حماية مصالحها، ومواجهة التهديدات الأمنية، وبناء شبكة تحالفات إقليمية واسعة في بيئة تشهد تغيرات متسارعة.
تحديات المستقبل
ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا الدور سيظل مرتبطًا بقدرة الإمارات على التوفيق بين طموحاتها الإقليمية والمتغيرات الدولية، في ظل تصاعد المنافسة بين القوى الإقليمية، واستمرار الأزمات في عدد من ساحات النفوذ.
ويرى الموقع البريطاني أن السنوات المقبلة ستكشف ما إذا كانت أبوظبي قادرة على الحفاظ على هذا المستوى من التأثير، أم أن التحولات الجارية في المنطقة ستفرض إعادة رسم موازين القوى والتحالفات من جديد.
اقرأ أيضاً
عكس السعودية.. الإمارات ضغطت لتوجيه ضربة أشد لإيران.. وتقرير أمريكي يكشف عمق الخلاف الخليجي
تحقيق: الإمارات رتبت زيارة سرية لقيادات سودانية إلى إسرائيل وسط ترتيبات لمرحلة ما بعد الحرب

