وطن-تحولت مأساة المهاجرين المغاربة على حدود سبتة إلى ملف سياسي مفتوح تجاوز البعد الإنساني، بعدما قالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن مسؤولين ومعلقين إسباناً وجّهوا اتهامات لإسرائيل والولايات المتحدة باستغلال الأزمة للضغط على مدريد، رداً على مواقفها الحادة من الحرب على غزة ورفضها الاصطفاف خلف واشنطن وتل أبيب في المواجهة مع إيران.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، فقد أثارت تعليقات صدرت عن مسؤولين إسرائيليين غضباً واسعاً في إسبانيا والمغرب، بعدما بدت وكأنها شماتة في أزمة هجرة أودت بحياة عشرات الأشخاص، بينهم شباب مغاربة حاولوا العبور إلى مدينة سبتة الخاضعة للسيادة الإسبانية في شمال أفريقيا.
وقالت “ميدل إيست آي” إن الأزمة اندلعت بعدما حاول أكثر من 60 ألف مهاجر مغربي دخول سبتة من الأراضي المغربية، في موجة عبور جماعية غير مسبوقة. وأسفرت المحاولة، وفق الأرقام الواردة في التقرير، عن وفاة ما لا يقل عن 70 شخصاً غرقاً أو دهساً وسط التدافع، مع توقعات بارتفاع الحصيلة مع استمرار عمليات البحث وانتشال الجثث.
إسرائيل تدخل على خط أزمة سبتة
وذكرت الصحيفة أن قادة سياسيين إسرائيليين استغلوا أزمة الهجرة التي تضرب المغرب، الحليف لإسرائيل، وإسبانيا التي تدهورت علاقاتها مع تل أبيب بشكل حاد خلال الفترة الأخيرة. وكان من أبرز التعليقات ما كتبه سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون عبر منصة “إكس”، قائلاً إن “إسبانيا، التي لا تفوّت فرصة لإلقاء المحاضرات على إسرائيل، أعلنت حالة الطوارئ في سبتة بسبب أزمة سياسة الهجرة لديها”.
غير أن “ميدل إيست آي” أوضحت أن إسبانيا لم تعلن حالة طوارئ في سبتة، معتبرة أن تعليق دانون بدا موجهاً سياسياً أكثر من كونه توصيفاً دقيقاً للواقع. وبحسب الصحيفة، فإن خلفية التصعيد الإسرائيلي تعود إلى الموقف الإسباني المتقدم في إدانة ما تصفه مدريد بالإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة، إضافة إلى رفضها دعم الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ونقلت الصحيفة عن دينيس سينوسا، المحلل الجيوسياسي والباحث في مركز تحليل السياسات الأوروبية، قوله إن دخول القنوات الرسمية الإسرائيلية وحسابات مرتبطة بها على مواقع التواصل في تضخيم خطاب معادٍ لإسبانيا عقب أزمة سبتة “يهدف إلى تقويض المواقف الاستراتيجية الإسبانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”.
وأضاف سينوسا، وفقاً لـ”ميدل إيست آي”، أن ما حدث “يمثل انتقاماً واضحاً من موقف إسبانيا الصلب تجاه القضية الفلسطينية، ومن رفضها الهجمات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران”.
مأساة إنسانية تكشف فجوة داخل المغرب
وفي قلب الأزمة الإنسانية، برز اسم لاعبة كرة القدم المغربية فاتن بن عمر العزيزي، التي كانت تلعب في صفوف نادي المغرب أتلتيكو تطوان، وكانت بين ضحايا محاولة العبور إلى سبتة. ونقلت الصحيفة عن والدتها، في مقطع نشره موقع “اليوم 24” المغربي قبل دفن ابنتها في مقبرة بتطوان، قولها: “الشباب ضائعون.. من فتح الباب أول مرة؟ لماذا فتحوه حتى يُقتل أبناؤنا؟”.
وقالت “ميدل إيست آي” إن وفاة فاتن العزيزي لم تكن مجرد مأساة عائلية، بل سلطت الضوء على مفارقة مؤلمة داخل المغرب. فالمملكة باتت خلال السنوات الأخيرة قوة صاعدة في كرة القدم، إذ يحتل منتخبها الرجالي المركز السادس عالمياً، كما ضخت الدولة ملايين الدولارات في تطوير كرة القدم النسائية.
وأضافت الصحيفة أن العزيزي كانت تنتمي إلى الجيل الذي كان يفترض أن يستفيد من هذا الاستثمار الرياضي والإنساني، لكن نهايتها المأساوية طرحت أسئلة صعبة حول مستقبل الشباب المغربي، وحول الفجوة بين الصورة الرسمية عن التنمية والواقع الذي يدفع الآلاف إلى المخاطرة بحياتهم لعبور البحر أو الأسوار.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن زين غبولي، الباحث الزائر في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قوله إن مشاهد أزمة سبتة تناقض السرديات الرسمية، مشيراً إلى أن وقوع الحادثة بعد خطاب عيد العرش مباشرة زاد من وضوح الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي.
هل فتحت الرباط الحدود نحو سبتة؟
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن تقارير عدة، فإن السلطات المغربية، بقيادة الدولة التي يرأسها الملك محمد السادس، فتحت بوابات العبور نحو سبتة، المعروفة في المغرب باسم “سبتة”، يوم الخميس الماضي. ورأت الصحيفة أن الرسالة التي تلقاها كثير من المغاربة كانت واضحة: الطريق إلى الأراضي الإسبانية بات مفتوحاً.
وعلى الرغم من أن مدريد تجنبت حتى الآن توجيه اتهام علني مباشر إلى الرباط، نقلت “ميدل إيست آي” عن مصدر قريب من وزارة الخارجية الإسبانية أن مسؤولين إسباناً يعتقدون في أحاديث خاصة أن الدولة المغربية تعمدت تنظيم الأزمة أو السماح بتفاقمها.
وقال زين غبولي للصحيفة إن ملف الهجرة كان مثار توتر بين أوروبا والمغرب منذ عقدين، لكن التطورات الأخيرة ستمنح خطاب “غزو المهاجرين” زخماً أكبر في أوروبا، وستدفع نحو مواقف أكثر تشدداً ضد الهجرة.
وأضاف غبولي، وفق الصحيفة، أن ذلك قد يشكل تحدياً للوحدة الأوروبية، خصوصاً في دول مثل إسبانيا التي اعتمدت مقاربة تميل إلى إدماج المهاجرين بدلاً من التعامل معهم باعتبارهم تهديداً أمنياً فقط.
تحذيرات استخباراتية تجاهلتها مدريد
وكشفت “ميدل إيست آي”، نقلاً عن صحيفة “ذا أوبجيكتيف” الإسبانية، أن السلطات الإسبانية تلقت معلومات استخباراتية مسبقة بشأن احتمال حدوث موجة عبور كبيرة إلى سبتة ومليلية قبل احتفالات عيد العرش في المغرب، لكنها لم تتحرك بالسرعة المطلوبة.
وبحسب الصحيفة الإسبانية، فإن مصادر استخباراتية عسكرية ومدنية قالت إن مسؤولين إسباناً تجاهلوا تحذيرات متكررة، بينها تنبيهات صدرت قبل أيام قليلة فقط من بدء التحرك الجماعي نحو الحدود.
وأضافت “ميدل إيست آي” أن مراقبين رصدوا قبل الأزمة تدفقاً غير عادي للحافلات إلى مدينة الفنيدق المغربية، القريبة من سبتة، قبل أن يحتشد آلاف الأشخاص على المعبر ويتجهوا نحو الجيب الإسباني.
سانشيز والمغرب.. من المصالحة إلى اختبار جديد
وقالت الصحيفة إن ما حققته الرباط من هذه الأزمة لا يزال غير واضح، باستثناء إلحاق ضرر سياسي برئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي شهدت علاقته بواشنطن تراجعاً ملحوظاً هو الآخر.
ورجحت “ميدل إيست آي” أن سانشيز كان يعتقد أنه نجح في طي صفحة الخلاف مع المغرب بعد أزمة دبلوماسية طويلة امتدت من ديسمبر 2020 إلى مارس 2022. ففي مارس 2022، وجّه سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس أيد فيها مقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية، في تحول كبير في موقف إسبانيا من النزاع المستمر منذ عقود.
وأضافت الصحيفة أن سانشيز ساعد بعد ذلك بعام في إدخال المغرب إلى الملف الإسباني البرتغالي المشترك لاستضافة كأس العالم 2030، كما سمح للملك محمد السادس بالإعلان عن انضمام المغرب إلى الملف عبر وزيره شكيب بنموسى. غير أن هذا التحالف، وفق الصحيفة، بات مهدداً بسبب أزمة لم يقدّم أحد حتى الآن تفسيراً كاملاً لأسبابها.
بن غفير يهاجم سانشيز وسط انتشال الجثث
وقبل أن يتم انتشال كثير من الجثث من البحر، دخل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير على خط الأزمة بتعليق ساخر، إذ قدم “تهانيه” إلى سانشيز على “التزامه العميق باستقبال الهجرة والتنوع الإنساني”، وفق ما نقلته “ميدل إيست آي”.
وأضاف بن غفير موجهاً حديثه إلى رئيس الوزراء الإسباني: “بصفتك شخصاً يبدي قلقاً كبيراً على حماس وسكان غزة، أدعوك إلى ترجمة الأقوال إلى أفعال: افتح أبواب إسبانيا وامنح اللجوء لسكان غزة الذين يسعون إلى الهجرة”.
وقالت الصحيفة إن هذا التدخل لم يكن موجهاً إلى إسبانيا وحدها، بل حمل أيضاً إهانة للمغرب، إذ استخدم مسؤولون إسرائيليون مأساة ضحايا مغاربة للضغط على مدريد، رغم أن الرباط طبّعت علاقاتها مع تل أبيب في 22 ديسمبر 2020 وتعاملت مع تلك العلاقة باعتبارها ورقة نفوذ دبلوماسي.
سبتة ومليلية في قلب رسائل أمريكية وإسرائيلية
وأشارت “ميدل إيست آي” إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة بدأتا، في الفترة الأخيرة، تطرحان تساؤلات حول السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. وفي وقت سابق من العام، اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، حكومة سانشيز بشن “حرب دبلوماسية” على إسرائيل، محذراً من أن ذلك لن يستمر “من دون دفع ثمن فوري”.
ونقلت الصحيفة عن نتنياهو قوله إن “إسرائيل لن تبقى صامتة في مواجهة من يهاجمونها”، مضيفة أن محللين كثيرين باتوا يربطون بين تلك التصريحات وبين ما يجري الآن في أزمة سبتة.
وقال المحلل الجيوسياسي دينيس سينوسا لـ”ميدل إيست آي” إن السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة وحسابات غير رسمية على منصة “إكس” ضخموا خطاباً معادياً للاستعمار موجهاً ضد إسبانيا، لافتاً إلى أن ظهور هذا الخطاب تزامن مع ذروة الأزمة، وهو ما قد يشير إلى درجة من التنسيق.
وفي واشنطن، أورد تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي بتاريخ 30 أبريل وصفاً لسبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين خاضعتين للسيطرة الإسبانية و”تقعان داخل الأراضي المغربية”، كما دعا وزير الخارجية الأمريكي إلى الدفع نحو مفاوضات بشأن وضعهما.
وأوضحت “ميدل إيست آي” أن هذه الصياغة وردت في تقرير مرفق بمشروع قانون، لا في نص القانون نفسه، لكنها بدت بمثابة رسالة سياسية إلى إسبانيا، وهي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي. وقد أقر مجلس النواب التشريع في 15 يوليو، بينما لم يقره مجلس الشيوخ بعد ولم يوقعه الرئيس.
لا أدلة حاسمة.. لكن الشكوك تتسع
وأكدت الصحيفة أنه لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة تثبت تنسيقاً مباشراً بين إسرائيل والولايات المتحدة والمغرب لإحداث أزمة سبتة. ومع ذلك، فإن تعليقات المسؤولين الإسرائيليين العلنية، وحجم التوظيف السياسي للأزمة، جعلا الشكوك تتصاعد داخل الأوساط الإسبانية.
وبحسب “ميدل إيست آي”، فإن أحد أعضاء حكومة سانشيز لم يستبعد هذا الاحتمال. فقد أعاد وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي نشر تدوينة جاء فيها: “بعض الأطراف في واشنطن وتل أبيب والرباط أرادت صوراً لقوات أمننا وجيشنا وهي تطلق النار على أطفال على الشاطئ”.
وتخلص الأزمة، كما عرضتها الصحيفة البريطانية، إلى مشهد معقد تتداخل فيه الهجرة مع التوترات الإقليمية والحرب على غزة والخلاف حول إيران وملف الصحراء الغربية والسيادة على سبتة ومليلية. وبينما تواصل العائلات المغربية دفن أبنائها، تبدو مأساة الحدود مرشحة لأن تتحول إلى واحدة من أكثر الأزمات حساسية بين مدريد والرباط، وإلى ساحة جديدة في المواجهة السياسية بين إسبانيا وإسرائيل.
اقرأ المزيد
المغرب يحمّل المافيات والتضليل الإعلامي مسؤولية أزمة سبتة بعد حكم المحكمة العليا

