وطن-في تطور مفاجئ أعاد فتح ملف المعتقلين الأجانب المرتبطين بقضايا داعش في سوريا والعراق، تلقى والدا جاك ليتس، الكندي المولود في بريطانيا، اتصالاً هاتفياً من ابنهما بعد انقطاع دام نحو تسع سنوات، وذلك من داخل مركز احتجاز عراقي نُقل إليه مع آلاف المعتقلين في وقت سابق من العام الجاري.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن ليتس، الذي سافر وهو في سن المراهقة إلى مناطق كانت خاضعة لسيطرة داعش في سوريا عام 2014، كان من بين آلاف المحتجزين الذين جرى نقلهم من شمال شرقي سوريا إلى العراق، في عملية مرتبطة بإعادة ترتيب ملف المعتقلين الأجانب بعد انتقال الصلاحيات من السلطات الكردية المحلية إلى الحكومة السورية المركزية.
وقالت سالي لين، والدة جاك ليتس، للصحيفة إنها تلقت الاتصال «من دون أي مقدمات»، ووصفت شعورها بمزيج من الصدمة والارتياح والإحباط، بعدما سمعت صوت ابنها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. وأضافت أن المكالمة جاءت من رقم يحمل الرمز العراقي، وهو ما دفعها إلى الرد، قبل أن تسمع ابنها يقول: «مرحباً أمي».
وأوضحت لين، بحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، أن المكالمة لم تتجاوز ثلاث دقائق، لكنها كانت كافية لتطمئن نسبياً إلى حالته الذهنية. وقالت: «قال إن هناك مليون شيء يريد أن يقوله لي. الأمر الجيد أنه بدا عاقلاً وطبيعياً تماماً».
وترى والدة ليتس أن السماح له بإجراء الاتصال قد يكون مؤشراً على ضغوط عراقية متزايدة لدفع الدول الغربية، وفي مقدمتها كندا وبريطانيا، إلى استعادة مواطنيها المحتجزين منذ سنوات بسبب اتهامات أو شبهات تتعلق بالانتماء إلى داعش.
وبحسب الصحيفة، أبلغ جاك ليتس والدته بأن محامياً عراقياً زار المحتجزين الكنديين قبل أيام من الاتصال، وطلب منهم إيصال رسالة إلى الحكومة الكندية مفادها أن العراق لا يرغب في بقائهم على أراضيه، وأنه يريد إعادتهم إلى بلادهم قبل بدء أي محاكمات محتملة.
وأكد جون ليتس، والد جاك، أنه تلقى رسالة مماثلة في اتصال آخر من ابنه. ونقلت عنه ميدل إيست آي قوله إن جاك أخبره بوضوح: «العراقيون لا يريدوننا هنا، وهم يريدون بشدة إرسالنا إلى بلادنا».
ولد جاك ليتس، البالغ من العمر 30 عاماً، ونشأ في المملكة المتحدة، قبل أن يسافر إلى العراق وسوريا عام 2014 وهو في الثامنة عشرة من عمره، عندما كانت مناطق واسعة هناك خاضعة لسيطرة داعش. وفي عام 2017، جردته السلطات البريطانية من جنسيته، كما فعلت مع عدد من البريطانيين الذين توجهوا إلى سوريا خلال سنوات الحرب.
وفي العام نفسه، احتجزته القوات الكردية في شمال شرقي سوريا، بالتزامن مع انهيار مناطق سيطرة داعش. ومنذ ذلك الحين ظل محتجزاً من دون توجيه اتهامات رسمية، ضمن مجموعة من المشتبه في ارتباطهم بداعش.
وقالت الصحيفة إن والدي ليتس تمكنا من التواصل معه آخر مرة عبر رسائل صوتية بعد وقت قصير من اعتقاله، لكنهما خلال السنوات التسع الماضية لم يحصلا إلا على معلومات محدودة ومتقطعة بشأن مكان احتجازه وحالته الصحية.
وفي مقابلة أجريت معه عام 2024 داخل سجن سوري، بعدما عثر عليه فريق تلفزيوني كندي، نفى ليتس أن يكون قد انضم إلى داعش، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن هناك أموراً لا يستطيع التحدث عنها ما دام داخل السجن.
وكشفت “ميدل إيست آي” أن ليتس كان في يناير الماضي ضمن أكثر من 5 آلاف سجين نُقلوا من مراكز احتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق، في عملية قادتها الولايات المتحدة، وجاءت ضمن ترتيبات نقل الصلاحيات من السلطات الكردية الإقليمية إلى الحكومة السورية المركزية.
ووفق أرقام لوزارة العدل العراقية اطلعت عليها الصحيفة، فإن أكثر من 3500 من المحتجزين الموجودين حالياً في العراق هم من السوريين. كما تضم قائمة المعتقلين الأجانب ما لا يقل عن خمسة كنديين، وعشرة بريطانيين، و27 ألمانياً، و13 أسترالياً، إضافة إلى أعداد أكبر من دول عربية، بينها المغرب بـ187 محتجزاً، ومصر بـ116، والسعودية بـ68. وتشمل القائمة أيضاً 130 روسياً و165 من تركمانستان.
وبحسب ما فهمته “ميدل إيست آي”، فإن جاك ليتس محتجز حالياً في مركز مخصص للأجانب يخضع لسيطرة مديرية الاستخبارات ومكافحة الإرهاب العراقية، قرب سجن الكرخ المركزي في محيط بغداد.
وعلى الرغم من أن كندا أعادت في السنوات الماضية عدداً من النساء والأطفال الذين كانوا محتجزين في مخيمي الهول وروج في سوريا، فإنها رفضت حتى الآن استعادة الرجال المحتجزين، مستندة إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي.
وقالت سالي لين إن مسؤولين من السفارة الكندية زاروا جاك ليتس ومحتجزين آخرين بعد نقلهم إلى العراق، وسلّموهم رسائل وصوراً من عائلاتهم. لكنها أوضحت أن الحكومة الكندية لا تزال ترفض مطالب الأسر بإعادة مواطنيها المتبقين، ونصحتهم بدلاً من ذلك بتوكيل محامين محليين للدفاع عن أقاربهم.
وأضافت، في حديثها للصحيفة، أن الحكومة الكندية أبلغت العائلات بأنها لا تستطيع التدخل في الشؤون القضائية لدولة أخرى، مشيرة إلى أن الخيارات المطروحة أمامهم تقتصر على توكيل محامٍ تعينه المحكمة العراقية أو محامٍ دولي معتمد من نقابة المحامين العراقية.
وأثارت احتمالات محاكمة هؤلاء المحتجزين في العراق مخاوف قانونية وحقوقية واسعة، خصوصاً أن الاتهامات المحتملة تتعلق بأفعال مزعومة ارتُكبت في سوريا، بعد سنوات من الاحتجاز في ظروف وصفتها منظمات حقوقية بأنها قد ترقى إلى الاحتجاز غير القانوني.
وقالت “ميدل إيست آي” إن منظمة هيومن رايتس ووتش حذرت في فبراير الماضي من أن المعتقلين الذين نُقلوا إلى العراق قد يواجهون خطر الاختفاء القسري، والمحاكمات غير العادلة، والتعذيب، وسوء المعاملة، وانتهاكات الحق في الحياة، في ضوء ما وصفته المنظمة بسجل العراق الموثق في انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة في قضايا مكافحة الإرهاب.
من جانبه، وصف المحامي الحقوقي المعروف كلايف ستافورد سميث فكرة محاكمة المحتجزين في العراق بسبب وقائع مزعومة لم تحدث على أراضيه بأنها «هراء قانوني». وقال للصحيفة إن من تُوجَّه إليهم اتهامات يجب أن يحاكموا في بلدانهم الأصلية، مشيراً إلى أن كثيرين منهم أمضوا بالفعل ما يقارب عقداً كاملاً في السجن داخل ظروف قاسية للغاية.
واتهم جون ليتس الحكومة الكندية بأنها «تختبئ خلف الكلمات» منذ نقل المحتجزين إلى العراق. وأشار إلى أن أوتاوا كانت ترفض سابقاً تقديم مساعدة قنصلية لهم أو لعائلاتهم في سوريا بحجة عدم وجود تمثيل دبلوماسي كندي هناك خلال الحرب، بينما لم يتغير موقفها عملياً بعد انتقالهم إلى الأراضي العراقية.
وقال والد جاك ليتس إن الموقف الكندي لا يزال كما هو: «لا إعادة للمحتجزين». وأضاف أنه ما زال يشعر بقلق بالغ إزاء معاملة ابنه داخل مركز الاحتجاز العراقي.
وعلى الرغم من قصر المكالمة، أوضح جون ليتس أن ابنه تمكن من تزويده باسمَي محتجزين اثنين قال إنهما بحاجة عاجلة إلى مساعدة قانونية. وأضاف: «لم يكن لدينا أي وقت تقريباً. حصلت على اسمَي المحتجزين اللذين كان قلقاً عليهما بشدة، ثم انقطع الخط».
وتابع والد ليتس قائلاً إن صوت ابنه بدا متماسكاً، لكن مرارة الموقف تكمن في معرفة أنه مر بتجربة قاسية للغاية، وأن هذه المعاناة لم تنته بعد.
وقالت “ميدل إيست آي” إن والدي جاك ليتس يعتزمان السفر إلى العراق قريباً، أملاً في الحصول على فرصة لزيارة ابنهما بعد سنوات طويلة من الانقطاع والانتظار.
وأضافت الصحيفة أنها تواصلت مع وزارتي الخارجية الكندية والعراقية للحصول على تعليق بشأن القضية، في وقت لا يزال ملف المعتقلين الأجانب المنقولين من سوريا إلى العراق يثير أسئلة قانونية وسياسية معقدة حول المسؤولية، والمحاكمة، وإعادة التوطين، وحقوق المحتجزين.
اقرأ أيضاً
إطلاق نار داخل مخيم روج.. نساء يتهمن قوات قسد باستهداف خيام تضم أطفالاً وسط تصاعد الاحتجاجات
المغرب يقطع الاتصال عن الأسير الصحراوي نعمة أسفاري مع تدهور صحته بعد 45 يوماً من الإضراب عن الطعام..
أصوات خلف الجدران الصامتة.. ناجو سجن تدمر ينبشون دفاتر الذاكرة الممنوعة في “ساحة الإعدام”

