وطن-أعادت الزيادة الجديدة في أسعار الأدوية في تونس ملف القطاع الصحي إلى صدارة النقاش العام، بعدما شملت المراجعة الأخيرة نحو 300 دواء، بينها علاجات أساسية لمرضى السكري، وأمراض القلب، والغدة الدرقية، وأمراض الدم، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية تحديات مالية متزايدة، بينما تتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
وجاءت الزيادة الجديدة في إطار تحيين رسمي للأسعار أصدرته الصيدلية المركزية التونسية، وسط تأكيدات بأن الخطوة تهدف إلى ضمان استمرارية تزويد السوق بالأدوية، في حين يرى كثير من المرضى أن أي زيادة جديدة تعني أعباء إضافية على علاج لا يمكن الاستغناء عنه.
تحيين جديد يشمل نحو 300 دواء
أعلنت الصيدلية المركزية التونسية أن مراجعة الأسعار جاءت بموجب المنشور عدد 30 لسنة 2026 الصادر بتاريخ 24 يوليو 2026، وذلك بعد نحو عام من مراجعة سابقة شملت أكثر من 280 دواء.
وتعد هذه المراجعة واحدة من أكبر عمليات تحيين أسعار الأدوية خلال الفترة الأخيرة، إذ طالت أصنافاً علاجية تستخدم يومياً من قبل آلاف المرضى، ولا سيما المصابين بالأمراض المزمنة الذين يعتمدون على العلاج بشكل مستمر.
لماذا ارتفعت أسعار الأدوية؟
تأتي هذه الزيادات في ظل ضغوط متراكمة يواجهها قطاع الدواء في تونس، من أبرزها:
- ارتفاع تكلفة استيراد الأدوية والمواد الأولية من الأسواق العالمية.
- تأثير تقلبات أسعار الصرف على كلفة التوريد.
- الضغوط المالية التي تواجه الصيدلية المركزية التونسية.
- تزايد الأعباء التي يتحملها الصندوق الوطني للتأمين على المرض.
وترى الجهات المختصة أن مراجعة الأسعار تهدف إلى الحفاظ على توازن المنظومة الدوائية وضمان استمرار تزويد السوق بالأدوية، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد.
الأمراض المزمنة في واجهة التأثر
ورغم التبريرات الرسمية، فإن الزيادة أثارت مخاوف واسعة لدى المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة الذين يحتاجون إلى العلاج بصورة شهرية ودائمة.
فارتفاع أسعار الأدوية الخاصة بالسكري، وأمراض القلب، والغدة الدرقية، وأمراض الدم، يعني زيادة مباشرة في النفقات الشهرية لعائلات تعاني أساساً من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويؤكد مختصون أن كلفة العلاج لا تقتصر على ثمن الدواء فقط، بل تشمل أيضاً الفحوص الطبية، والتحاليل، والمتابعة الصحية، ما يجعل أي زيادة في أسعار الأدوية تنعكس مباشرة على ميزانية الأسر.
استياء واسع على مواقع التواصل الاجتماعي
وأثارت القرارات الجديدة موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبّر عدد من التونسيين عن استيائهم من استمرار ارتفاع الأسعار، معتبرين أن كلفة العلاج أصبحت تفوق قدرة عدد متزايد من المواطنين.
وتداول مستخدمون منشورات اعتبرت أن المشكلة لم تعد تقتصر على ارتفاع أسعار الأدوية، بل أصبحت تمتد إلى ارتفاع كلفة العلاج بالكامل، في وقت لا تزال فيه بعض الأدوية الأساسية تشهد نقصاً في الأسواق.
كما رأى آخرون أن أي مراجعة للأسعار كان ينبغي أن تترافق مع إجراءات موازية لتحسين القدرة الشرائية أو تعزيز منظومة الدعم الاجتماعي، حتى لا يتحمل المرضى وحدهم تبعات الأزمة.
أزمة الدواء لا تتعلق بالأسعار فقط
وتأتي الزيادات الجديدة في وقت ما تزال فيه تونس تواجه تحديات مرتبطة بتوفر بعض الأدوية، خصوصاً الأصناف المستخدمة في علاج السرطان وأمراض الغدة الدرقية، وهو ما زاد من قلق المرضى خلال الأشهر الماضية.
ويرى مراقبون أن أزمة الدواء في تونس أصبحت متعددة الأبعاد، إذ تجمع بين ارتفاع الأسعار، ونقص بعض الأصناف، والضغوط المالية التي تواجه المؤسسات الصحية، إلى جانب ارتفاع كلفة الاستيراد العالمية.
توازن المنظومة أم حماية القدرة الشرائية؟
وتجد السلطات الصحية نفسها أمام معادلة صعبة، تتمثل في الحفاظ على استدامة المنظومة الدوائية وضمان توفر الأدوية من جهة، والحد من تأثير ارتفاع الأسعار على المواطنين من جهة أخرى.
ويؤكد مختصون أن استمرار الضغوط المالية على قطاع الصحة قد يفرض مراجعات إضافية مستقبلاً إذا لم تتحسن أوضاع التمويل أو تنخفض تكاليف التوريد، وهو ما يجعل ملف الدواء مرشحاً للبقاء ضمن أبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية في تونس خلال الفترة المقبلة.
ومع دخول الزيادات الجديدة حيز التنفيذ، يبقى التحدي الأكبر هو ضمان حق المرضى في الحصول على العلاج بصورة منتظمة، مع الحفاظ على استقرار المنظومة الصحية وقدرتها على توفير الأدوية الأساسية دون انقطاع، في ظل أوضاع اقتصادية تفرض ضغوطاً متزايدة على جميع الأطراف.
اقرأ المزيد
الحنفيات جافة والقوارير مفقودة.. أزمة مياه غير مسبوقة تهز تونس
جحيم الحرائق يضرب الجزائر وتونس.. النيران تلتهم الغابات والمنازل والموسم السياحي تحت الخطر
غزة توقظ روح الثورة في سيدي بوزيد.. والغضب يتصاعد ضد السلطة في تونس

