وطن-في مشهد يختصر جانباً من المأساة الممتدة في قطاع غزة، شيّع فلسطينيون في مدينة غزة، الثلاثاء 4 أغسطس 2026، رفات 112 شخصاً من عائلتي أبو شريعة والحصاينة، قُتلوا في غارات إسرائيلية عنيفة استهدفت حي الصبرة في نوفمبر 2023، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال رفاتهم من تحت الأنقاض بعد نحو ثلاث سنوات من الانتظار.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن أقارب الضحايا تجمعوا في غزة City لإلقاء النظرة الأخيرة على أحبائهم، حيث وُضعت الجثامين في صفوف متجاورة وغطّتها الأعلام الفلسطينية، في جنازة جماعية غلبت عليها مشاعر متداخلة بين الراحة المؤجلة والحزن المتجدد.
وبالنسبة إلى ذوي الضحايا، لم يكن الدفن مجرد إجراء إنساني تأخر طويلاً، بل لحظة مؤلمة أعادت تفاصيل المجزرة إلى الواجهة. فقد انتظرت العائلات قرابة ألف يوم حتى تتمكن من العثور على رفات أبنائها ودفنهم بكرامة، وسط استمرار وجود آلاف المفقودين تحت ركام المنازل والمباني المدمرة في قطاع غزة.
ونقلت الصحيفة عن عامر أبو شريعة، الذي فقد عدداً من أقاربه في الهجوم، قوله إن الشعور في هذه اللحظة «مزيج من الألم والفرح». وأضاف: «نشعر بالفرح لأننا سندفن هؤلاء الشهداء ونكرمهم بعد ثلاث سنوات، لكن الحزن عاد كما لو أن المجزرة وقعت اليوم».
غارة حي الصبرة.. واحدة من أكثر الضربات دموية في غزة
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن الغارة الإسرائيلية التي استهدفت حي الصبرة في مدينة غزة كانت من بين أكثر الهجمات دموية خلال الحرب المستمرة منذ عام 2023، إذ سوّت طائرات الاحتلال مربعاً سكنياً كاملاً بالأرض، كان يضم مئات الأشخاص من عائلتي أبو شريعة والحصاينة، بعضهم كان يقيم في المنطقة، وآخرون لجؤوا إليها بحثاً عن الأمان.
وأسفرت الغارة، وفق الصحيفة، عن مقتل أكثر من 300 فلسطيني، بينهم 44 طفلاً و37 امرأة، إضافة إلى أكثر من 10 أشخاص من ذوي الإعاقة. وبقي معظم الضحايا مدفونين تحت المباني المنهارة، في ظل عجز فرق الدفاع المدني عن الوصول إليهم خلال الأشهر الأولى من الحرب.
وأوضحت الصحيفة أن عمليات انتشال الجثامين توقفت في البداية بسبب غياب المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الكتل الخرسانية والبحث تحت الركام، بعدما دُمّر جزء كبير من آليات الإنقاذ أو مُنع إدخالها إلى قطاع غزة بفعل القيود الإسرائيلية، ما جعل العائلات عاجزة عن دفن أبنائها لسنوات.
وفي 14 يوليو الماضي، عادت طواقم الدفاع المدني الفلسطيني إلى الموقع مستخدمة معدات محدودة وغير كافية، في محاولة لانتشال ما تبقى من رفات الضحايا. وقال مسؤولون إن شدة الانفجارات أدت إلى تناثر الأشلاء البشرية في نطاق واسع، الأمر الذي جعل مهمة البحث والتعرف على الرفات أكثر صعوبة وتعقيداً.
17 يوماً من العمل وسط ظروف قاسية
وقال محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني الفلسطيني في قطاع غزة، لصحيفة “ميدل إيست آي”: «عملنا لمدة 17 يوماً لانتشال الجثامين في ظروف بالغة الصعوبة. وفي النهاية تمكنا من انتشال رفات 112 شخصاً».
وأضاف بصل أن آلاف الأشخاص ما زالوا تحت الأنقاض في مناطق مختلفة من قطاع غزة، بينما تواصل عائلاتهم الحداد والمناشدة من أجل توفير المعدات والوسائل التي تسمح بانتشالهم ودفنهم. وأشار إلى أن ما جرى في حي الصبرة ليس حالة معزولة، بل جزء من واقع أوسع خلفته الغارات الإسرائيلية على المباني السكنية.
وبحلول الأول من أغسطس، كانت فرق الإنقاذ قد انتشلت رفات 112 ضحية من الموقع ذاته، في حين يُعتقد أن ضحايا آخرين لا يزالون تحت الركام. وشهدت الجنازة الجماعية حضور عشرات الفلسطينيين الذين جاءوا لمواساة العائلات وتكريم الضحايا بعد سنوات من الغياب القسري.
عائلات كاملة تحت الأنقاض
وكشفت صحيفة “ميدل إيست آي” أن من بين القتلى شخصيات بارزة داخل العائلة، من بينهم فتحي أبو شريعة، مختار العائلة ووجهها الاجتماعي. وبعد استهداف منزله، لجأ عشرات الأشخاص إلى منزل مفيد الحساينة، الذي شغل منصب وزير الأشغال العامة والإسكان في السلطة الفلسطينية بين عامي 2014 و2019، وكان يحمل الجنسية الأمريكية.
ووفق رواية محمود الحساينة، أحد الناجين من الهجوم، فإن نحو 200 فرد من عائلة الحساينة احتموا داخل منزل الوزير السابق، اعتقاداً منهم أنه سيكون بمنأى عن القصف. غير أن المنزل تعرّض هو الآخر للاستهداف، ما أدى إلى مقتل مفيد الحساينة ومن كان بداخله.
وقال محمود الحساينة للصحيفة: «للأسف، لم يحترم الإسرائيليون لا أطفالاً ولا نساءً، ولا حصانة ولا بيتاً ولا حرمة». وأضاف أن القصف طال الجميع في ذلك المكان، مشيراً إلى أن عدداً من الضحايا كانوا يحملون جنسيات رومانية وبريطانية وأمريكية.
ولم يكن الحساينة داخل المنزل لحظة استهدافه، لكن ابنه وشقيقه وعائلاتهم كانوا بين الموجودين هناك. وقال: «خرج ابني مصاباً، والحمد لله، لكنني فقدت أخي وزوجته وأطفاله، وأختي وكل أبنائها، وأختي الأخرى وأبناءها، وكثيراً من العمات والأعمام».
دفن مؤجل يفتح الجراح من جديد
وبحسب الصحيفة، فإن انتظار العائلات لانتشال الجثامين ودفنها كان طويلاً وقاسياً، خصوصاً بالنسبة إلى الأقارب المقيمين خارج قطاع غزة، الذين ظلوا يتابعون أخبار عمليات البحث يوماً بعد يوم، على أمل معرفة مصير ذويهم.
وقال محمود الحساينة إن الجرح «انفتح من جديد» خلال الشهر الماضي مع استئناف عمليات الانتشال، مضيفاً: «منذ نحو 20 يوماً ونحن هنا. في كل مرة كان يتم فيها انتشال جثمان، كان الأقارب في الخارج يتصلون ويبكون. لقد فتحنا جرحاً جديداً».
وتابع: «ندعو الله أن يتغمدهم برحمته ويكرمهم. هذا أعظم تكريم للميت؛ أن يُعان أهله على دفنه». وتحوّلت الجنازة الجماعية إلى لحظة وداع مؤجلة، لكنها في الوقت نفسه أعادت إلى العائلات صور القصف والانتظار والعجز عن الوصول إلى من بقوا تحت الركام.
آلاف المفقودين تحت ركام غزة
ونقلت “ميدل إيست آي” عن عمر نوفل، رئيس اللجنة الحكومية للمفقودين في غزة، قوله إن نحو 6 آلاف شخص سُجلوا رسمياً في عداد المفقودين داخل القطاع منذ بداية الحرب. لكنه أشار إلى أن العدد الحقيقي قد يقترب من 15 ألفاً، في ظل الاعتقاد بأن كثيرين ما زالوا مدفونين تحت المباني المنهارة في مختلف مناطق غزة.
وتقول وزارة الصحة الفلسطينية إن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 73 ألف فلسطيني منذ أكتوبر 2023، وأصابت أكثر من 170 ألفاً آخرين، بينما لا يزال آلاف الأشخاص في عداد المفقودين تحت الأنقاض، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية دموية في تاريخ القطاع.
ومع تشييع رفات 112 من ضحايا عائلتي أبو شريعة والحصاينة، يعود ملف المفقودين في غزة إلى الواجهة، ليس باعتباره رقماً في إحصاءات الحرب، بل وجهاً إنسانياً لمعاناة عائلات ما زالت تنتظر خبراً، أو رفاة، أو قبراً يحمل أسماء أبنائها.
اقرأ المزيد
سموتريتش يدعو لإقامة 3 مستوطنات جديدة شمال غزة وسط استمرار الحرب وتصاعد الدعم الأميركي لإسرائيل
صيف غزة يحوّل خيام النازحين إلى أفران قاتلة.. الحرارة والعطش والحشرات تضاعف معاناة الفلسطينيين

