وطن-تحولت أزمة الهجرة غير النظامية في مدينة سبتة الإسبانية إلى أزمة سياسية ودبلوماسية متعددة الأطراف، بعدما شهدت المدينة الواقعة على الساحل الشمالي للمغرب موجة عبور غير مسبوقة لنحو 60 ألف مهاجر خلال أسبوع واحد، بينهم آلاف الأطفال، في تطور أعاد ملف الحدود المغربية الإسبانية إلى واجهة المشهد الأوروبي، وفتح باباً جديداً من الاتهامات المتبادلة بين مسؤولين إسبان وإسرائيليين.
وذكر موقع “ميدل إيست آي” أن الأزمة خرجت من إطارها الأمني والإنساني، بعدما ألمح وزير إسباني إلى احتمال وجود أبعاد سياسية خارجية تقف خلف التصعيد، في أعقاب تصريحات لمسؤول إسرائيلي انتقد بشدة الحكومة الإسبانية بسبب تعاملها مع أزمة سبتة.
سجال إسرائيلي إسباني بسبب سبتة
بدأ الجدل عندما نشر سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة داني دانون تدوينة عبر منصة “إكس”، انتقد فيها الحكومة الإسبانية، قائلاً إن مدريد التي اعتادت توجيه الانتقادات لإسرائيل، اضطرت إلى إعلان حالة الطوارئ في سبتة نتيجة أزمة الهجرة.
وأضاف دانون أن إسبانيا مطالبة أولاً بتفسير استمرار سيطرتها على مدينتي سبتة ومليلية في شمال إفريقيا، قبل توجيه الانتقادات إلى إسرائيل.
ورد وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي بإعادة نشر تصريحات دانون، مع تعليق مقتضب قال فيه: “الآن بدأت الصورة تتضح”، وهو ما اعتبره مراقبون تلميحاً إلى وجود دور خارجي في استغلال الأزمة سياسياً.
اتهامات لإسرائيل والولايات المتحدة
وأفاد “ميدل إيست آي” بأن عدداً من السياسيين والمعلقين الإسبان ربطوا موجة الهجرة الحالية بمواقف الحكومة الإسبانية الأخيرة تجاه الحرب في غزة والتوتر مع إسرائيل.
وقال المتحدث البرلماني باسم حزب اليسار الجمهوري الكتالوني غابرييل روفيان إن الأزمة تخدم مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما أعاد الصحفي الإسباني خوسيه فيزنر تداول منشورات قديمة ليائير نتنياهو تتعلق بسبتة.
كما شارك الممثل الإسباني خافيير بارديم مقطع فيديو يتهم إسرائيل بالوقوف وراء موجة العبور الجماعي، فيما رأى المحلل البرتغالي برونو ماكايس أن واشنطن وتل أبيب استغلتا الأزمة سياسياً بعد وقوعها، سواء كانتا متورطتين في بدايتها أم لا.
سبتة.. نقطة التقاء الهجرة والسياسة
وتُعد سبتة، إلى جانب مليلية، المنفذين البريين الوحيدين بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية، وهو ما يجعل المدينتين من أكثر المناطق حساسية في ملف الهجرة غير النظامية.
ووفق السلطات الإسبانية، دخل نحو 60 ألف شخص إلى المدينة خلال أسبوع واحد، بينهم ما يقارب 8 آلاف طفل، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدتها المنطقة.
وأظهرت مقاطع مصورة انتشار مئات الأشخاص وهم يسبحون حول الحاجز الحدودي مستخدمين أطواقاً مطاطية ووسائل بدائية للوصول إلى الأراضي الإسبانية، وسط ظروف بحرية خطيرة.
أوروبا تتحرك
وأدت الأزمة إلى تحركات أوروبية متسارعة، إذ أعلنت فرنسا تعزيز الرقابة على حدودها مع إسبانيا، فيما لوحت إيطاليا بإمكانية تشديد إجراءاتها الحدودية مع المسافرين القادمين من الأراضي الإسبانية، وسط مخاوف من انتقال تدفقات الهجرة إلى دول أوروبية أخرى.
لكن الحكومة الإسبانية أكدت لاحقاً أن نحو 48 ألف مهاجر عادوا بالفعل إلى المغرب، بعد عمليات إعادة واسعة جرت بالتنسيق مع القوات الأمنية.
عشرات الضحايا
وأشارت التقديرات الأولية إلى وفاة 67 شخصاً على الأقل أثناء محاولات العبور، في حصيلة تعكس المخاطر الكبيرة التي واجهها المهاجرون أثناء السباحة أو اجتياز المناطق الحدودية الوعرة.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان أزمة مايو 2021، عندما دخل نحو 8 آلاف مهاجر إلى سبتة خلال خلاف سياسي بين الرباط ومدريد بشأن قضية الصحراء الغربية.
المغرب ينفي وإسبانيا تتساءل
وعلى الرغم من الاتهامات المتبادلة، نفت السلطات المغربية أي دور في تسهيل عمليات العبور. وأكدت سفيرة المغرب لدى إسبانيا كريمة بنيعيش أن بلادها تواصل دعم الهجرة القانونية والمنظمة والآمنة، مشددة على أن ما حدث جرى خلافاً لإرادة الحكومة المغربية.
في المقابل، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن الباحث المتخصص في شؤون الهجرة لورينزو غابرييلي قوله إن عبور عشرات الآلاف خلال فترة قصيرة يصعب تفسيره دون وجود دور للسلطات المغربية في إدارة الحدود.
ترامب يدخل على الخط
وامتد الجدل إلى الولايات المتحدة، حيث وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما جرى في سبتة بأنه “كارثة”، معتبراً أن ما حدث يمثل مثالاً على مخاطر الهجرة غير النظامية، ومحذراً من أن الولايات المتحدة قد تواجه أوضاعاً مشابهة إذا لم تُشدد سياساتها الحدودية.
وتكشف أزمة سبتة مجدداً مدى تعقيد ملف الهجرة في حوض البحر المتوسط، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات الجيوسياسية، وتتحول الحدود إلى ورقة ضغط في العلاقات الإقليمية والدولية، في وقت تواصل فيه أوروبا البحث عن حلول دائمة لأحد أكثر ملفاتها حساسية.
اقرأ المزيد
الداخلية الإسبانية: نحو 50 ألف مهاجر غير نظامي دخلوا سبتة بما يعادل 60% من سكانها
إيطاليا تعلّق العمل باتفاق شنغن مع إسبانيا على خلفية أزمة الهجرة في سبتة
أوروبا تصعّد ضد مدريد.. أزمة سبتة تفتح ملف استبعاد إسبانيا من شنغن
سبتة تشتعل.. آلاف المهاجرين يقتحمون الحدود بعد ساعات من خطاب ملك المغرب

