وطن-أثار عرض قدّمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال مؤتمر عالمي حول مرض الإيدز في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية موجة انتقادات واسعة، بعدما ظهرت على شاشة العرض خريطة لقارة أفريقيا تتضمن أخطاء جغرافية فادحة في تسمية مواقع عدد من الدول الأفريقية.
وقالت وكالة «رويترز» إن الخريطة ظهرت خلال عرض لوزارة الخارجية الأميركية في مؤتمر مخصص لبحث جهود مكافحة متلازمة نقص المناعة المكتسب «الإيدز»، مشيرة إلى أن الفيديو الذي اطلعت عليه أظهر دولاً أفريقية في غير مواقعها الجغرافية الصحيحة، في واقعة وُصفت بأنها محرجة للدبلوماسية الأميركية أمام شركائها في القارة.
وكان جيف غراهام، المبعوث الأميركي لخطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز، يقود العرض التقديمي. وتُعد هذه الخطة، المعروفة اختصاراً باسم «PEPFAR»، أحد أبرز البرامج الصحية الأميركية التي أُطلقت في عهد الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، وتركز على دعم مكافحة الإيدز في دول عدة، خصوصاً في أفريقيا.
وبحسب ما أوردته «رويترز»، فإن الخريطة التي استُخدمت في العرض كانت تهدف إلى توضيح الأماكن التي أبرمت فيها الولايات المتحدة اتفاقات صحية في أفريقيا، لكنها أظهرت أخطاء لافتة؛ إذ بدت نيجيريا، وهي دولة تطل على المحيط الأطلسي، وكأنها دولة حبيسة لا منفذ بحري لها.
ولم يتوقف الخطأ عند نيجيريا. فقد ظهرت ساحل العاج في موقع غير صحيح على الجانب الآخر من القارة، كما عُرضت وكأنها لا تقع على الساحل، رغم أن اسمها وتاريخها الجغرافي يرتبطان بساحل غرب أفريقيا. أما موزمبيق، الواقعة في جنوب شرقي القارة قبالة مدغشقر، فقد ظهرت في الخريطة باعتبارها دولة حبيسة في منطقة القرن الأفريقي.
وكشفت وكالة «رويترز» أن الخريطة حملت علامات مائية تشير إلى أنها أُنشئت باستخدام أدوات تابعة لشركة «OpenAI»، الشركة الأميركية المطوّرة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ومنها برنامج «ChatGPT». وأثار ذلك تساؤلات إضافية حول آليات التحقق داخل المؤسسات الأميركية عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العروض الرسمية.
وزارة الخارجية الأميركية قالت لـ«رويترز» إنها «تتحمل المسؤولية الكاملة» عن الخطأ، موضحة أن أحد الموظفين أعد الخريطة على عجل. غير أن الوزارة لم تقدم اعتذاراً علنياً لشركائها الأفارقة الذين حضروا المؤتمر، بحسب ما ذكرته الوكالة.
وأضافت الخارجية الأميركية أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بتحقيق «نتائج حقيقية» في مكافحة الإيدز داخل القارة الأفريقية، في محاولة لاحتواء الجدل الذي أعاد تسليط الضوء على صورة واشنطن في ملفات الصحة والتنمية والمساعدات الخارجية.
وتأتي هذه الواقعة في توقيت حساس، إذ تواجه إدارة ترامب انتقادات متزايدة بسبب تغييرات واسعة في برامج المساعدات الخارجية الأميركية. وبحسب ما أوردته «رويترز»، فقد أغلقت الإدارة أو قلّصت عمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية «USAID»، التي تُعد من أكبر أذرع واشنطن في تقديم المساعدات الإنسانية حول العالم، كما خفّضت ما لا يقل عن ثلث وظائف السلك الدبلوماسي الخارجي ضمن خطة تقول إنها تهدف إلى ترشيد الإنفاق وتبسيط عمل الحكومة.
وكان ما بدأ في مطلع عام 2025 كتجميد مؤقت للمساعدات الخارجية لمدة 90 يوماً قد تحوّل، وفق تقارير أميركية، إلى تفكيك شبه كامل لجزء كبير من الجهود الإنسانية الأميركية في الخارج. وقد حذّر خبراء ومسؤولون سابقون من أن هذه التخفيضات قد تكون لها تداعيات قاتلة على الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال في الدول الفقيرة والمتأثرة بالأزمات الصحية.
وفي خضم الجدل بشأن خفض الإنفاق، شدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن الأطفال لن يموتوا بسبب هذه السياسات، قائلاً: «لن يموت أطفال وأنا في منصبي». لكن هذا التصريح لم ينهِ المخاوف من التأثيرات الواقعية لتقليص برامج الصحة العالمية.
ونقلت تقارير عن أتول غاوندي، الذي شغل منصب مساعد مدير الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لشؤون الصحة العالمية في إدارة الرئيس السابق جو بايدن، تحذيره من أن حجم التخفيضات قد يؤدي إلى «مئات الآلاف من الوفيات في السنة الأولى على الأقل». وأضاف أن تقليص برامج التحصين وحدها قد يعني وفاة أكثر من مليون شخص.
كما خلص مركز التنمية العالمية إلى أن خفض تمويل الولايات المتحدة، التي تُعد أكبر ممول للمساعدات الإنسانية في العالم، قد يسهم في وفاة ما يصل إلى 700 ألف شخص سنوياً، في مؤشر على حجم المخاطر المرتبطة بإعادة هيكلة المساعدات الأميركية.
وتحوّلت خريطة أفريقيا الخاطئة، التي عُرضت في مؤتمر دولي لمكافحة الإيدز، من مجرد خطأ تقني في عرض رسمي إلى رمز لأزمة أوسع تواجه السياسة الأميركية في أفريقيا؛ أزمة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع الذكاء الاصطناعي، والمساعدات الصحية مع قرارات التقشف، في وقت تحتاج فيه واشنطن إلى ترميم الثقة مع شركائها الأفارقة أكثر من أي وقت مضى.
اقرأ المزيد
من ينبع إلى الفجيرة.. سباق استراتيجي لإعادة تشكيل طرق تصدير النفط في الشرق الأوسط
بـ 24.6 مليار دولار.. ميزانية الدفاع الجزائرية تفجر نقاشاً حول أولويات الإنفاق وسباق الردع الإقليمي

