وطن-في خطوة لافتة تعكس حجم التحولات داخل التيار المحافظ في تركيا، أعلن رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو، الأربعاء، حلّ حزبه «المستقبل» والانسحاب من العمل السياسي الحزبي، بعد سنوات من محاولته تقديم بديل محافظ لحزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان.
وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إن داود أوغلو، الذي كان في السابق أحد أقرب حلفاء أردوغان، نشر بياناً مكتوباً عبر منصة «إكس»، أكد فيه أنه يغادر «السياسة الحزبية» بسبب ما وصفه بـ«المناخ السياسي القذر» في البلاد.
وأوضح داود أوغلو في بيانه أن قراره لا يعني الاستسلام أو التخلي عن السياسة، قائلاً: «هذا ليس قرار استسلام، بل قرار بالابتعاد أخلاقياً. هذا ليس تخلياً عن السياسة، بل دعوة للجميع لإعادة التفكير في السياسة».
وكان داود أوغلو قد أسس حزب المستقبل عام 2019، في محاولة لاستقطاب ناخبين من القاعدة المحافظة التي طالما شكّلت العمود الفقري لحزب العدالة والتنمية، وطرح حركة محافظة ذات خطاب ديمقراطي يمكنها منافسة الحزب الحاكم.
لكن، بحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، لم تنجح هذه الخطة في تحقيق اختراق فعلي داخل المشهد السياسي التركي. فقد عجز حزب المستقبل عن ترسيخ نفسه كبديل موثوق لحزب العدالة والتنمية، وحصل في الانتخابات المحلية التركية عام 2024 على 0.11% فقط من الأصوات.
وتراجعت مكانة داود أوغلو بين قطاعات من الناخبين المحافظين بعد قراره الانضمام إلى تحالف المعارضة المعروف باسم «الطاولة السداسية»، ودعمه كمال كليجدار أوغلو، الرئيس السابق لحزب الشعب الجمهوري، في الانتخابات الرئاسية التركية عام 2023.
وأضافت الصحيفة أن هذا الخيار أثار تحفظات داخل البيئة المحافظة، خصوصاً أن كثيراً من المحافظين في تركيا ما زالوا ينظرون بحذر إلى المواقف العلمانية لحزب الشعب الجمهوري، وهي تحفظات تعود جذورها إلى مرحلة تأسيس الجمهورية التركية.
وعلى الرغم من ضعف الحضور الشعبي لحزب المستقبل، فإن تحالف المعارضة منحه فرصة دخول البرلمان التركي في الانتخابات العامة لعام 2023، إذ حصل الحزب على 10 مقاعد برلمانية عبر قوائم المعارضة. غير أن عدد نوابه تراجع لاحقاً إلى أربعة فقط، بعد انشقاق بعض النواب وانتقالهم إلى حزب العدالة والتنمية وأحزاب معارضة أخرى.
ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن شخص مطلع على طريقة تفكير داود أوغلو أن الحزب كان يواجه صعوبات مالية متزايدة، وأن الحفاظ على هيكله التنظيمي وتمويل نشاطه السياسي بات أكثر تعقيداً خلال الفترة الأخيرة.
وكشفت الصحيفة أن مصادر سياسية في أنقرة كانت قد تحدثت، العام الماضي، عن مفاوضات جرت بشأن دمج حزب المستقبل مع حزب العدالة والتنمية. إلا أن هذه المحادثات تعثرت بعد معارضة أردوغان عودة داود أوغلو إلى الحزب، وكذلك اعتراضه على انضمام أحد المقربين منه، وهو المسؤول السابق في حزب العدالة والتنمية سلجوق أوزداغ.
ويُعد أحمد داود أوغلو واحداً من أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً محورياً في صياغة السياسة الخارجية التركية خلال العقد الأول من حكم حزب العدالة والتنمية. فقد عُرف بصفته وزيراً للخارجية صاحب رؤية نظرية وأكاديمية، وسعى إلى توسيع حضور تركيا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر سياسة «صفر مشاكل مع الجيران».
وبحسب “ميدل إيست آي”، مثّلت تلك السياسة في حينها تحولاً عن النهج التركي التقليدي الأكثر حذراً في التعامل مع الدول العربية، إذ حاول داود أوغلو الدفع باتجاه انخراط تركي أوسع في محيط أنقرة الإقليمي.
وصعد داود أوغلو إلى رئاسة الوزراء عام 2014 بعد انتخاب أردوغان رئيساً للجمهورية، وكان يُنظر إليه في البداية بوصفه أحد أكثر مساعدي أردوغان ثقة وقرباً. غير أن العلاقة بين الرجلين بدأت تتوتر تدريجياً في عام 2015، خاصة بعد أن قاد داود أوغلو حزب العدالة والتنمية إلى الفوز في الانتخابات المبكرة التي جرت في نوفمبر من العام نفسه.
وأشارت الصحيفة إلى أن داود أوغلو كان يرى، في نقاشات داخلية، أن مركز الثقل السياسي يجب أن يبقى في مكتب رئيس الوزراء لا في الرئاسة، استناداً إلى الطابع البرلماني للدستور التركي في ذلك الوقت.
وتفاقمت الخلافات داخل الحزب الحاكم إلى أن انتهت بإبعاد داود أوغلو عن رئاسة الوزراء عام 2016. وبعد الانتخابات الرئاسية عام 2018، التي كرّست النظام الرئاسي في تركيا، تراجع نفوذه السياسي أكثر فأكثر.
كما ساهم إغلاق جامعة إسطنبول شهير عام 2020، وهي الجامعة التي أسسها داود أوغلو، في تعميق القطيعة بينه وبين أردوغان. واعتُبرت تلك الخطوة محطة إضافية في مسار التباعد بين الحليفين السابقين.
وبإعلان حلّ حزب المستقبل، تُطوى صفحة تجربة سياسية حاولت منافسة حزب العدالة والتنمية من داخل المعسكر المحافظ نفسه، لكنها لم تنجح في التحول إلى قوة انتخابية مؤثرة، رغم حصولها المؤقت على مقاعد في البرلمان عبر تحالف المعارضة التركية.
اقرأ المزيد
من جندي مجهول إلى رمز وطني.. كيف خلدت تركيا اسم عمر خالص دمير؟
اعتقال الكوميدي دنيز غوكتاش بعد عرض ساخر عن أردوغان.. وقضية جديدة تهز حرية التعبير في تركيا
بعد 10 سنوات.. تفاصيل جديدة تكشف محاولة طيار تغيير مسار طائرة أردوغان خلال ليلة الانقلاب في تركيا

