وطن-تصاعد التوتر في شمال الضفة الغربية المحتلة بعد اشتباكات دامية قرب نابلس، وسط دعوات صريحة أطلقها وزراء إسرائيليون ومنظمات استيطانية لـ«الانتقام» من الفلسطينيين، تزامناً مع تقارير حقوقية وفلسطينية تحدثت عن إحراق منازل، وإصابة مدنيين، واعتقالات واسعة نفذها الجيش الإسرائيلي في عدد من القرى والبلدات.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” إن قيادات سياسية إسرائيلية وتنظيمات استيطانية دعت، خلال الساعات الماضية، إلى تنفيذ إجراءات انتقامية ضد الفلسطينيين، مستخدمة عبارات تحريضية من بينها «نريد أن نرى الدم» و«يجب محو قرية تل»، وذلك عقب مقتل مستوطن إسرائيلي خلال مواجهات شهدتها المنطقة الواقعة غرب نابلس.
ودعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، يوم الجمعة، إلى تدمير قرى تل، وعراق بورين، وبيت فوريك، قائلاً إن هذه المناطق «يجب أن تبدو تماماً مثل مخيمات اللاجئين في نابلس وطولكرم»، في إشارة إلى الدمار الواسع الذي ألحقه الجيش الإسرائيلي بتلك المخيمات خلال عملياته العسكرية الأخيرة.
وأضاف سموتريتش، بحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، أن «السكان هناك يجب إجلاؤهم»، مطالباً رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسحب هذه المنطقة من مسؤولية السلطة الفلسطينية، في خطاب يعكس اتجاهاً متشدداً داخل الحكومة الإسرائيلية تجاه مدن وقرى شمال الضفة الغربية.
من جانبه، قال وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير إن «كل يهودي يُقتل يجب أن يدفع العدو مقابله خسارة أرض ومنازل»، داعياً إلى نقل سياسة هدم المدن والبلدات التي تتبعها إسرائيل في قطاع غزة إلى الضفة الغربية أيضاً.
وجاءت هذه الدعوات بعد اقتحام مستوطنين إسرائيليين مسلحين، برفقة قوات من الجيش، قرية تل الفلسطينية غرب نابلس، في ظل تصاعد لافت في عنف المستوطنين بالضفة الغربية المحتلة خلال الفترة الأخيرة.
وذكرت “ميدل إيست آي” أن أربعة من أفراد عائلة صيفي قُتلوا بنيران إسرائيلية، بعدما قال الجيش الإسرائيلي إن أحدهم استولى على سلاح من مستوطن وأطلق النار عليه، ما أدى إلى مقتله. ولم تتوقف الأحداث عند حدود المواجهة الأولى، إذ سرعان ما تحولت إلى موجة تحريض ميداني وسياسي ضد القرية وسكانها.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، قُتل ما لا يقل عن 87 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ بداية عام 2026 بنيران إسرائيلية، بينهم 21 فلسطينياً قتلهم مستوطنون، في مؤشر على اتساع دائرة العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي السياق ذاته، دعا تسفي سوكوت، عضو حزب «الصهيونية الدينية» الذي يتزعمه سموتريتش، إلى تدمير قرية تل، قائلاً في تصريحات لقناة 14 الإسرائيلية إن القرية «يجب أن تتحول إلى أنقاض». وفي اليوم نفسه نشر على صفحته في «فيسبوك» صورة سوداء كتب عليها كلمة واحدة: «انتقام».
وكشفت “ميدل إيست آي” أنها اطلعت على رسائل داخل مجموعة تواصل تابعة لمستوطنين، ظهرت فيها دعوات إلى «محو قرية تل» بعد انتشار خبر مقتل المستوطن. وجاء في إحدى الرسائل: «نريد الانتقام، لا نريد مستوطنات ولا وعوداً بمزيد من الوحدات السكنية». وأضافت رسالة أخرى: «نريد أن نرى الدم، لا عزاء من دون انتقام»، مرفقة بصورة لنهر من الدماء.
كما رددت ميليشيا المستوطنين المعروفة باسم «شبيبة التلال» الدعوات نفسها. وقال إلكانان غرونر، وهو من أبرز مستوطني التلال، إن «قرية القتلة، تل، يجب أن تُمحى الآن»، مضيفاً في رثائه للمستوطن القتيل أنه يتمنى «الثأر لدمه الطاهر».
من جهته، كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر منصة «إكس» أن إسرائيل «ستلاحق الإرهاب في كل مكان»، مضيفاً: «سنصفي الحساب معهم». وقال نتنياهو إنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بهدم منزل عائلة الفلسطيني الذي تقول إسرائيل إنه قتل المستوطن، وبالتحرك «بسرعة وبقوة» ضد قرى أخرى في المنطقة.
وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي”، أعلن نتنياهو أيضاً أنه أمر بتسريع إجراءات شرعنة وإقامة مزيد من البؤر الاستيطانية، وهي البؤر التي تنطلق منها، وفق تقارير فلسطينية وإسرائيلية، كثير من هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية، بما في ذلك الهجوم الأخير في قرية تل.
وفي تطور ميداني متصل، قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية إن الجيش الإسرائيلي حشد قواته في الضفة الغربية استعداداً لعملية واسعة في محيط نابلس شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك رداً على ما تصفه إسرائيل بأنه «هجوم إرهابي».
وبحسب ما أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”، اعتقل الجيش الإسرائيلي حتى الآن 66 فلسطينياً في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية، بينهم 30 مدنياً فلسطينياً جرى اعتقالهم في قرية تل وحدها. كما أغلقت القوات الإسرائيلية مداخل قرية تل وقرية بورين القريبة، وفرضت طوقاً كاملاً على مدينة نابلس، وفق ما ذكرته “هآرتس” صباح السبت.
وأفادت تقارير فلسطينية بأن الجيش الإسرائيلي اقتحم منازل فلسطينية في عدة بلدات وقرى بالضفة الغربية، ونفذ عمليات تفتيش واعتقال، وسط اتهامات بإحداث تخريب داخل بعض المنازل. كما قالت شبكة “قدس الإخبارية” إن قوة إسرائيلية اقتحمت مستشفى في نابلس يوم الجمعة، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه اعتقل فلسطينيين اثنين للاشتباه في مشاركتهما في المواجهات التي وقعت في قرية تل في اليوم نفسه.
وفي موازاة العمليات العسكرية، شهدت الضفة الغربية موجة جديدة من اعتداءات المستوطنين على تجمعات فلسطينية، بعد الدعوات التي أطلقتها قيادات إسرائيلية ومنظمون استيطانيون للانتقام.
وقالت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني إن ثمانية فلسطينيين أصيبوا، بينهم إصابة خطيرة، خلال هجوم شنه مستوطنون على قرية فرعتا قرب قلقيلية. وذكر فلسطينيون أن المستوطنين أشعلوا النار في منازل ورشقوا السكان بالحجارة.
وأضافت الجمعية أن ثلاثة فلسطينيين آخرين أصيبوا يوم الجمعة خلال اقتحام مستوطنين بلدة صرة قرب نابلس، وسط تقارير فلسطينية تحدثت عن إحراق منازل وإلحاق أضرار بممتلكات الأهالي داخل البلدة.
ونقلت شبكة “قدس الإخبارية” عن مصادر محلية وقوع اعتداءات استيطانية عنيفة في مناطق أخرى، من بينها مسافر يطا جنوب الخليل، وقريتا عورتا وعوريف قرب نابلس، حيث أضرم مستوطنون النار في ممتلكات فلسطينية واقتلعوا أشجار زيتون، وفق ما أفادت به الشبكة.
كما ذكرت الشبكة أن مستوطنين استولوا على منزل في بلدة قراوة بني حسان قرب سلفيت ورفعوا العلم الإسرائيلي فوقه، في خطوة وصفتها مصادر فلسطينية بأنها جزء من تصعيد استيطاني متواصل يستهدف الوجود الفلسطيني في القرى والبلدات المحاذية للمستوطنات والبؤر غير القانونية.
وبحسب وكالة “وفا”، سجلت اعتداءات مشابهة في قرية بيرين شرق الخليل، وقرية أبو نجيم جنوب شرق بيت لحم، كما طالت هجمات أخرى البنية التحتية للمياه في قرية كفر مالك بمحافظة رام الله والبيرة.
وأوردت صحيفة “هآرتس” أيضاً تقارير عن هجمات نفذها مستوطنون في قرى جيت، وعراق بورين، وتل في محيط نابلس، بينما تحدثت تقارير ميدانية عن إصابة فلسطيني بعد تعرضه للطعن على يد مستوطنين في وادي المعرجات بمنطقة الأغوار.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه الضفة الغربية المحتلة تصعيداً أمنياً واستيطانياً متزايداً، وسط مخاوف فلسطينية وحقوقية من أن تؤدي دعوات «الانتقام» الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين إلى مزيد من الهجمات الجماعية على القرى الفلسطينية، خصوصاً في محيط نابلس والخليل وقلقيلية وسلفيت.
اقرأ المزيد
مقتل 4 فلسطينيين في هجوم للمستوطنين والجيش الإسرائيلي على بلدة تل قرب نابلس وتصاعد دعوات الانتقام

