وطن-بعد خمسة عشر عاماً على الشرارة التي غيّرت وجه العالم العربي، تبدو سيدي بوزيد التونسية وكأنها تستعيد شيئاً من صوتها السياسي الذي خفت طويلاً. فالمدينة التي انطلقت منها ثورة 2010 بعد إقدام البائع المتجول محمد البوعزيزي على إحراق نفسه احتجاجاً على الإهانة ومصادرة عربته، تعيش اليوم على وقع أزمة اقتصادية خانقة وصمت سياسي ثقيل، لكن حرب إسرائيل على غزة أعادت فتح النقاش في الشوارع والأسواق والمقاهي حول فلسطين، والسلطة، وحدود الخطاب الرسمي.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، في تقرير ميداني من سيدي بوزيد، إن الحرب الإسرائيلية على غزة، التي تصفها قطاعات واسعة من التونسيين والناشطين بأنها حرب إبادة، لم تُحرّك فقط مشاعر التضامن مع الفلسطينيين، بل كسرت سنوات من الانكفاء السياسي داخل تونس، ودفعت كثيرين إلى مساءلة حكومتهم عن الفجوة بين التصريحات المؤيدة لفلسطين والغياب الواضح لأي خطوات عملية مؤثرة.
في سوق سيدي بوزيد، تبدو الحياة للوهلة الأولى عادية. تجار يساومون على الأسعار، وزبائن يتفحصون الفاكهة والخضار بعناية أكبر من السابق، بعدما باتت القدرة الشرائية تتآكل تحت ضغط التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. لكن خلف هذه الحركة اليومية، يتحدث السكان عن تحوّل في المزاج العام، لا يرتبط بتحسن اقتصادي لم يحدث، ولا بثقة سياسية عادت، بل بغضب يتنامى على بعد أكثر من ألفي كيلومتر، في قطاع غزة.
وبحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، فإن كثيرين في سيدي بوزيد باتوا يرون أن التضامن مع الفلسطينيين لم يعد قضية خارجية منفصلة عن واقعهم الداخلي، بل أصبح امتداداً لشعور أوسع بالعجز والفقر وخيبة الأمل من منظومة سياسية لم تمنحهم القدرة على التأثير في مصيرهم. فغزة، بالنسبة إليهم، أعادت السياسة إلى الواجهة، بعدما تراجعت النقاشات العامة بفعل الإحباط من الحياة الحزبية، وبسبب المسار السلطوي المتزايد للرئيس قيس سعيد منذ عام 2021.
ونقلت الصحيفة عن وجدي، وهو بائع فاكهة في السوق، قوله إن “القادة خذلونا”، مضيفاً: “ماذا فعل القادة المسلمون من أجل فلسطين؟ لا شيء. لا شيء على الإطلاق. كل يوم نسمع أن تونس تقف مع فلسطين، لكن ماذا فعلت حكومتنا فعلياً؟”. ويرى وجدي أن خطاب الرئيس قيس سعيد لم يعد كافياً، قائلاً إن “كل ما يفعله الرئيس هو الكلام. كانت لديه فرص لاتخاذ خطوات عملية، للتحرك دولياً والضغط على حكومات أخرى، لكننا لم نرَ شيئاً. تعبنا من الكلمات الفارغة”.
وتشير “ميدل إيست آي” إلى أن غزة تحولت، بالنسبة إلى وجدي وكثيرين ممن تحدثت إليهم، إلى نقطة سياسية حساسة تكشف الفارق بين الموقف الرسمي والفعل السياسي. فالقضية الفلسطينية، التي تتمتع تاريخياً بإجماع شعبي واسع في تونس، أصبحت اليوم مرآة يرى من خلالها المواطنون علاقة السلطة بالمجتمع، وحدود السماح بالتعبير، ومدى استعداد الدولة للتحرك خارج دائرة الخطب.
وتعود خلفية هذا الغضب إلى يوليو 2021، حين علّق الرئيس قيس سعيد عمل البرلمان، وأقال رئيس الحكومة، ومنح نفسه صلاحيات واسعة في إطار ما وصفه بحالة استثناء وطنية. في حين اعتبرت منظمات حقوقية وخصوم سياسيون أن تلك الإجراءات شكّلت انقلاباً على المسار الديمقراطي الذي ولد بعد ثورة 2011. وفي سيدي بوزيد تحديداً، التي ظلت رمزاً للثورة، رحّب بعض السكان في البداية بخطوات سعيد، أملاً في أن ينهي “الرئيس القوي” سنوات من الشلل السياسي والصراع الحزبي.
لكن الصحيفة البريطانية أوضحت أن هذا الرهان تآكل مع مرور الوقت، خصوصاً مع تفاقم الأزمة الاقتصادية واستمرار البطالة وغياب الاستثمار. فقد تراجع إقبال التونسيين على الانتخابات، وانكمش النقاش العام، وأصبحت الأولوية لدى كثيرين هي تأمين الاحتياجات اليومية لا متابعة الصراع السياسي. وبعد خمسة عشر عاماً من إطلاق شرارة الثورة، لا تزال سيدي بوزيد من بين أفقر الولايات التونسية، فيما يرى كثير من شبابها أن الهجرة، لا الإصلاح السياسي، هي الطريق الوحيد للخروج من الانسداد.
ويقول وجدي، وهو يراقب حركة الزبائن بين البسطات، إن “الجميع أصبحوا أكثر فقراً”. وبحسب ما نقلته “ميدل إيست آي” عن تجار في السوق، فإن الزبائن الذين كانوا يشترون الخضار والفاكهة بكميات تكفي لأيام طويلة، باتوا يكتفون بما يسد حاجتهم لفترة قصيرة، في مشهد يلخص ضغط التضخم على تفاصيل الحياة اليومية.
ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، خرجت تظاهرات واسعة في تونس العاصمة ومدن أخرى، وامتلأت الشوارع بالأعلام الفلسطينية. وفي 21 أكتوبر 2023، احتشد تونسيون في العاصمة تضامناً مع الفلسطينيين المحاصرين في غزة، في مشهد وثقته وكالة الصحافة الفرنسية بعدسة فتحي بلعيد. ولم تكن سيدي بوزيد بعيدة عن هذه الموجة، إذ عادت ساحاتها لتستقبل تجمعات سياسية وشعبية بعد سنوات من الصمت والتردد.
وأضافت صحيفة “ميدل إيست آي” أن مظاهرات التضامن مع غزة أصبحت، في نظر سكان محليين، واحدة من المساحات القليلة التي شعر فيها الناس بأنهم قادرون مجدداً على التعبير العلني عن مواقفهم السياسية. غير أن ارتفاع عدد الضحايا في غزة دفع كثيرين إلى التساؤل: لماذا تقف تونس عند حدود الإدانة؟ ولماذا لا تتحول الشعارات الرسمية إلى تحركات دبلوماسية وقانونية إقليمية ودولية؟
فعلى الرغم من أن الرئيس قيس سعيد كرر في مناسبات عدة إدانته لإسرائيل، فإن سكاناً تحدثوا للصحيفة قالوا إنهم لم يلمسوا جهداً تونسياً مؤثراً لتحويل الخطاب إلى مبادرة سياسية أو قيادة إقليمية. ونقلت “ميدل إيست آي” عن أميمة، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 26 عاماً، قولها: “لا أعتقد أن تونس فعلت شيئاً ذا معنى. لم نرَ جهوداً دبلوماسية جادة أو محاولات لبناء تحالف دولي. لماذا لم تقد تونس تحركات أمام المحاكم الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، أو تعمل على جمع الدول الإفريقية حول موقف مشترك؟”.
وتقارن أميمة الموقف التونسي بما فعلته جنوب إفريقيا، التي رفعت دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية بتهمة ارتكاب إبادة جماعية في غزة، وهي الدعوى التي حظيت بتأييد واسع في أجزاء كبيرة من الجنوب العالمي. وتقول: “دول أخرى تقدمت إلى الأمام، بينما بقيت تونس، رغم كل بياناتها عن دعم فلسطين، على الهامش. كنت أتوقع أكثر من ذلك بكثير”.
وتوضح الصحيفة أن هذا الشعور لا يقتصر على أميمة وحدها، إذ عبّر عدد من سكان سيدي بوزيد عن إحباط مماثل، معتبرين أن رد الحكومة التونسية ظل أقرب إلى الخطابة منه إلى العمل. وتساءلوا عن سبب عدم محاولة تونس حشد الحكومات الإفريقية على موقف موحد، أو دعم مسارات قانونية ضد إسرائيل، في وقت كانت دول أخرى تدفع بالقضية الفلسطينية إلى واجهة المحافل الدولية.
وفي الداخل التونسي، بدت المفارقة أكثر حدة. فبينما تواصل السلطات تقديم تونس باعتبارها داعماً ثابتاً لفلسطين، تحدثت “ميدل إيست آي” عن حملة تضييق طالت ناشطين منخرطين في التعبئة المؤيدة لغزة، بينهم مشاركون في حملة “أسطول الصمود العالمي”. وأثارت هذه الاعتقالات اتهامات للحكومة بمحاولة احتكار التضامن مع فلسطين، والسماح به فقط عندما يتم داخل الأطر التي توافق عليها الدولة، بينما يُعامل النشاط المستقل باعتباره تهديداً سياسياً.
ونقلت الصحيفة عن الناشط التونسي خليل لحبيبي، أحد المنخرطين في حملة “أسطول الصمود العالمي”، قوله إن الرئيس قيس سعيد يسعى إلى “ضرب فكرة العمل الجماعي المستقل من أساسها”. وأضاف أن “النظام يُظهر حساسية مفرطة تجاه أي تعبئة في الشارع، حتى عندما يرفع المحتجون شعارات تؤيدها السلطة رسمياً، مثل دعم فلسطين”.
ويرى لحبيبي، وفق ما أوردته “ميدل إيست آي”، أن السلطات “ترفض السماح للناس بالتحرك بصورة مستقلة أو خارج أطر التعبئة الرسمية الموجهة”، مضيفاً أن الشباب والمنظمات المدنية يمتلكون قدرة على الحشد والتأثير في الرأي العام، ولهذا يتعامل معهم النظام باعتبارهم تهديداً سياسياً مباشراً ومنافسين محتملين.
أما محمد، وهو شاب يبلغ من العمر 22 عاماً وعاطل عن العمل بعد إنهاء دراسته الثانوية، فيتساءل عن سبب اكتفاء تونس بإدانة إسرائيل من دون قيادة أي حملات ذات أثر. وقال للصحيفة: “الحكومة تقول إنها تدعم فلسطين، لكن أفعالها تقول شيئاً آخر. لقد اعتقلت ناشطين، أشخاصاً كانوا يحاولون إظهار التضامن مع الفلسطينيين. كيف يمكنك أن تدّعي الدفاع عن فلسطين بينما تجرّم من يقفون معها؟ هذه خيانة للقضية”.
ويضيف محمد أن خطابات الرئيس التونسي المنددة بإسرائيل لم تعد تحمل وزناً كبيراً في غياب خطوات سياسية ملموسة. ويقول: “لو كان جاداً حقاً، لعمل مع الجزائر وليبيا ودول إفريقية أخرى للبحث عن طرق تمنع وصول الأسلحة إلى إسرائيل، سواء عبر البحر أو الجو. لكننا لم نسمع إلا الكلام، بينما تواصل غزة المعاناة”.
وتلفت “ميدل إيست آي” إلى أن من المبكر الجزم بما إذا كانت حرب غزة ستقود إلى صحوة سياسية أوسع في تونس. فالسنوات الماضية، بما حملته من أزمة اقتصادية وقمع سياسي وخيبة أمل عميقة، جعلت كثيرين حذرين من توقع موجة احتجاج جديدة. وفي سيدي بوزيد، لا يتحدث السكان بسهولة عن تكرار أحداث 2010، لكنهم يؤكدون أن الصمت الذي خيم على المدينة لم يعد كما كان.
في النهاية، تبدو غزة بالنسبة إلى كثير من التونسيين أكثر من مأساة إنسانية بعيدة. إنها اختبار للخطاب السياسي الرسمي، ومرآة لأزمة داخلية عميقة بين الدولة والمجتمع، وفرصة نادرة لاستعادة النقاش العام في بلد أنهكته الأزمات. وكما قال محمد للصحيفة: “الشعب لن يصمت بعد الآن. هذه الحكومة لم تفعل شيئاً من أجل فلسطين ولا من أجل قضايا المسلمين. عليها الآن إما أن تتنحى أو تتحرك، لأن الناس سئموا. لن نتراجع”.
اقرأ المزيد
جحيم الحرائق يضرب الجزائر وتونس.. النيران تلتهم الغابات والمنازل والموسم السياحي تحت الخطر
حرائق بنزرت تلتهم الغابات وتقترب من المنازل… والجيش والطائرات في سباق مع الزمن لمنع كارثة أكبر

