وطن-تتجه الأزمة المالية الفلسطينية إلى منعطف خطير، بعد أن أبلغ بنكان إسرائيليان رئيسيان مصارف فلسطينية بنيتهما وقف خدمات مصرفية حيوية خلال أسابيع، في خطوة قد تربك التجارة، وتؤخر الرواتب، وتعطل الواردات والتحويلات المالية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وبحسب ما أوردته وكالة “فرانس برس”، فإن بنكي «هبوعليم» و«ديسكونت» الإسرائيليين أخطرا مصارف فلسطينية بعزمها إنهاء خدمات المراسلة المصرفية، وهي الخدمات التي تمثل شرياناً أساسياً لربط النظام المصرفي الفلسطيني بالمنظومة المالية الإسرائيلية.
وقالت وكالة “فرانس برس”، نقلاً عن مسؤولين مصرفيين فلسطينيين، إن خمسة بنوك فلسطينية تعتمد على بنك هبوعليم في خدمات المراسلة المصرفية ستفقد إمكانية الوصول إلى هذه الخدمات اعتباراً من 13 أغسطس، فيما تواجه البنوك التي تنفذ معاملاتها عبر بنك ديسكونت المصير نفسه في 1 سبتمبر.
وأوضحت وزارة المالية الإسرائيلية أن القرار جاء بسبب ما وصفته بـ«تزايد المخاطر العامة والمخاوف من دعاوى قضائية خاصة قد تستهدف مؤسسات مصرفية إسرائيلية». وأضافت الوزارة، في بيان، أنها تجري محادثات مع البنكين لضمان استمرار خدمات المراسلة المصرفية «بطريقة آمنة ومسؤولة»، مع حماية ما قالت إنها المصالح الأمنية والاقتصادية لإسرائيل.
وتكمن خطورة القرار في أن البنوك الفلسطينية ترتبط ببنكي هبوعليم وديسكونت من خلال علاقات المراسلة المصرفية، وهي آلية تشغيلية تسمح بربط النظام المصرفي الفلسطيني بالنظام المالي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل اعتماد السوق الفلسطينية بدرجة كبيرة على الشيكل الإسرائيلي في التعاملات اليومية والتجارية.
وبحسب تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي“، فإن هذه العلاقة المصرفية تتيح تنفيذ المدفوعات بالشيكل بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية، وتسوية المدفوعات الخاصة بالواردات الفلسطينية من إسرائيل، التي تشكل الجزء الأكبر من التجارة الفلسطينية، إضافة إلى استقبال وتحويل أجور العمال الفلسطينيين العاملين داخل إسرائيل والمستوطنات.
كما تسمح هذه الترتيبات بإعادة فائض الأوراق النقدية من الشيكل، المتراكمة لدى البنوك الفلسطينية، إلى النظام المصرفي الإسرائيلي، إلى جانب تسهيل التحويلات بين الشركات الفلسطينية والإسرائيلية. ومن دون هذه القنوات، قد تجد البنوك الفلسطينية نفسها أمام أزمة سيولة وتكدس نقدي أشد تعقيداً.
وقالت وكالة “فرانس برس” إن قطع هذه العلاقات من دون إيجاد بديل عملي قد يؤدي إلى تداعيات واسعة، من بينها تعطيل المدفوعات بين الشركات الفلسطينية والإسرائيلية، وعرقلة استيراد السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود والدواء، فضلاً عن مفاقمة أزمة تراكم الشيكل داخل البنوك الفلسطينية، وهي أزمة قائمة أصلاً نتيجة القيود المفروضة على إعادة الفائض النقدي إلى إسرائيل.
وتبدو السلطة الفلسطينية من أكثر الجهات عرضة للتأثر بهذا القرار، إذ سيتوقف حجم الضرر على مدة التعطيل، وما إذا كان سيتم التوصل إلى حل مؤقت أو دائم. ففي حال تم قطع علاقات المراسلة المصرفية فعلياً، قد تواجه السلطة صعوبات في دفع رواتب موظفي القطاع العام، بسبب تأخر التحويلات المالية أو ارتفاع كلفتها.
وأضاف تقرير “ميدل إيست آي” أن اضطراب التجارة قد يؤدي أيضاً إلى تراجع الإيرادات الضريبية، بما يزيد الضغط المالي على السلطة الفلسطينية، في وقت تعاني فيه أصلاً من أزمات متراكمة. كما أن تأخر المدفوعات ونقص السيولة بالشيكل قد يضعفان ثقة الجمهور بالنظام المصرفي الفلسطيني.
وقال الخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم، في حديث لموقع «ميدل إيست آي»، إن الحكومة الإسرائيلية تنفذ منذ نحو أربع سنوات «كل السياسات الممكنة لإخضاع الفلسطينيين بطريقة أو بأخرى». واعتبر أن الخطوة ذات دوافع سياسية، وستضيف عبئاً جديداً إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها الفلسطينيون.
وأشار عبد الكريم إلى أن الفلسطينيين يواجهون بالفعل نقصاً في الوقود، وتأخراً في صرف الرواتب، وفائضاً كبيراً من الشيكل داخل البنوك المحلية، إلى جانب ارتفاع البطالة بين الشباب وتدهور الأوضاع المعيشية. وقال إن القرار الإسرائيلي سيضع مزيداً من الضغط على التجار والقطاع الخاص الفلسطيني.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن قرارات البنوك عادة تقوم على تقليل المخاطر وحماية مصالح المساهمين والمودعين، لكن حالة عدم اليقين التي خلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، وفق تعبيره، لم تترك للبنوك هامشاً واسعاً للمناورة، فاختارت قطع العلاقة. ورأى أن هذه الخطوة تأتي في سياق «سياسات توسعية» أوسع.
ومن بين التحديات التي قد تتفاقم مع وقف خدمات المراسلة المصرفية، ازدياد الاعتماد على النقد بدلاً من التحويلات الإلكترونية، وهو ما يرفع المخاطر التشغيلية والتكاليف على البنوك والشركات والمستهلكين. كما قد تتراجع قدرة المصارف الفلسطينية على تقديم بعض الخدمات لعملائها إذا طال أمد التعطيل.
وبحسب ما أورده “ميدل إيست آي”، حذر مسؤولون فلسطينيون وهيئات دولية من أن أي انقطاع طويل في هذه الخدمات قد يقود إلى أزمة مصرفية واقتصادية أوسع، ما لم يتم التوصل إلى آلية بديلة أو تمديد الترتيبات الحالية التي تربط البنوك الفلسطينية بالنظام المالي الإسرائيلي.
وفي السياق ذاته، قال المحلل السياسي محمد القيق لموقع «ميدل إيست آي» إن إسرائيل تسعى، بشكل متعمد، إلى قطع الروابط مع السلطة الفلسطينية تمهيداً لإضعافها أو دفعها نحو الانهيار، عبر التعامل مع شركات خاصة يمكن أن تقوم بدور بديل عنها في إدارة بعض الملفات الاقتصادية والخدمية.
وأوضح القيق أن هذا التوجه يسمح لإسرائيل بالتعامل مع الفلسطينيين من دون المرور عبر السلطة الفلسطينية، مشيراً إلى أن إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها «يهودا والسامرة»، وهو توصيف يحمل رسالة سياسية إلى المجتمع الدولي مفادها، بحسب رأيه، أنه لا توجد دولة فلسطينية ذات سيادة، وأن التعامل سيكون مع شركات لا مع سلطة سياسية فلسطينية.
ويرى القيق أن خطوة البنوك الإسرائيلية تمثل جزءاً مهماً من خطة أوسع لفرض واقع الضم وتقويض السلطة الفلسطينية، عبر منع الفلسطينيين من امتلاك اقتصاد مستقل أو حتى التحكم في احتياجات أساسية مثل الوقود والتحويلات المالية، بما يحولهم إلى سكان مؤقتين تحت إدارة اقتصادية وأمنية إسرائيلية مباشرة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتصاعد فيه الإجراءات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وسط تحذيرات فلسطينية ودولية من أن استخدام الأدوات المالية والمصرفية للضغط على الفلسطينيين قد يفتح الباب أمام أزمة أعمق، لا تقتصر على البنوك وحدها، بل تمتد إلى السوق، والرواتب، والتجارة، والاستقرار المعيشي لملايين الفلسطينيين.
اقرأ المزيد
الضفة على صفيح ساخن.. قتلى فلسطينيون بعد هجوم مستوطنين تحت حماية الجيش الإسرائيلي
إسرائيل تصادر آلاف الدونمات لتوسعة شارع 60.. مشروع استيطاني يعزل القرى الفلسطينية في الضفة الغربية

