وطن-أقرّ البرلمان الفرنسي، الثلاثاء، بشكل نهائي قانوناً يحظر وصول الأطفال دون سن 15 عاماً إلى شبكات التواصل الاجتماعي، في خطوة غير مسبوقة على مستوى أوروبا، تسعى الحكومة الفرنسية إلى بدء تطبيقها مع انطلاق العام الدراسي المقبل.
وبحسب ما أوردته وكالة «إفي»، تصبح فرنسا بهذا التشريع أول دولة أوروبية تفرض قيوداً عامة بهذا الحجم على استخدام القاصرين لمنصات التواصل الاجتماعي، في إطار سياسة جديدة تهدف إلى حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر الفضاء الرقمي، وتنظيم حضورهم على الإنترنت بصورة أكثر صرامة.
وفي تعليق سريع عقب التصويت النهائي، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في مقطع فيديو نشره عبر حساباته على شبكات التواصل الاجتماعي، إن «فرنسا تفتح الطريق في أوروبا لحماية أطفالنا ومراهقينا. نواصل المضي قدماً»، معتبراً أن إقرار القانون يمثل وفاءً بأحد تعهداته خلال ولايته الرئاسية الثانية والأخيرة.
وأضاف ماكرون، في منشور على منصة «إكس» نقلته وكالة «إفي»: «لقد تعهدت بذلك، وها هو الآن قد أُقرّ: ستكون شبكات التواصل الاجتماعي محظورة على من هم دون 15 عاماً ابتداءً من بداية العام الدراسي». كما وجّه الشكر إلى البرلمانيين الذين دعموا النص التشريعي، مؤكداً أن الخطوة التالية ستكون بيد المجلس الدستوري الفرنسي، الذي يتعين عليه النظر في القانون قبل دخوله حيّز التنفيذ.
وشدد الرئيس الفرنسي على أن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة التطبيق العملي، قائلاً إن الوقت سيحين بعد ذلك «للتحرك من أجل جعل هذا الإجراء فعالاً وحماية أطفالنا على الإنترنت».
وحظي القانون بتأييد واسع داخل مجلس الشيوخ الفرنسي، حيث أُقرّ بأغلبية 243 صوتاً مقابل صوتين فقط معارضين. وبعد ساعات، صادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية بأغلبية 279 صوتاً مقابل 81 صوتاً، لينهي بذلك مساراً تشريعياً استمر عدة أشهر داخل البرلمان.
ووفقاً لما نقلته وكالة «إفي»، ينص القانون الجديد على منع القاصرين دون سن 15 عاماً من الوصول إلى خدمات شبكات التواصل الاجتماعي التي تقدمها المنصات الرقمية. ويشمل ذلك منصات كبرى مثل «فيسبوك» و«تيك توك» وغيرها من الخدمات التي تتيح التفاعل الاجتماعي ونشر المحتوى والتواصل بين المستخدمين.
في المقابل، يستثني النص التشريعي بعض المواقع والخدمات الرقمية من نطاق الحظر، بينها الموسوعات الإلكترونية مثل «ويكيبيديا»، إلى جانب منصات تطوير وتوزيع البرمجيات الحرة، والمشروعات التعليمية مفتوحة المصدر، باعتبارها أدوات معرفية أو تعليمية لا تندرج ضمن الاستخدام التقليدي لشبكات التواصل الاجتماعي.
ولا يحدد القانون الفرنسي آلية موحدة للتحقق من عمر المستخدمين، ما يعني أن المسؤولية ستقع على عاتق المنصات الرقمية نفسها لوضع أنظمة فعالة للتحقق من سن المستخدم قبل السماح له بفتح حساب أو استخدام الخدمة. وبحسب ما أوردته «إفي»، سيكون على شركات مثل «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام»، و«تيك توك»، تطوير حلول تقنية تضمن الالتزام بالحظر الجديد.
ولا يقتصر التشريع على تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال، بل يوسع أيضاً نطاق حظر استخدام الهواتف المحمولة داخل المؤسسات التعليمية. فبعدما كان المنع مطبقاً في المدارس الابتدائية والإعدادية، سيشمل الآن المعاهد والمدارس الثانوية، مع ترك هامش للمؤسسات التعليمية لوضع استثناءات محددة ضمن لوائحها الداخلية.
وتخطط الحكومة الفرنسية لتطبيق الحظر اعتباراً من 1 سبتمبر المقبل على الحسابات الجديدة التي سيتم إنشاؤها على المنصات المشمولة بالقانون. أما الحسابات القائمة بالفعل، فستُمنح فترة انتقالية مدتها أربعة أشهر، على أن يبدأ تطبيق الإجراءات عليها اعتباراً من 1 يناير 2027.
وقالت الوزيرة المنتدبة لشؤون الرقمنة في فرنسا، آن لو هينانف، أمام مجلس الشيوخ، إن بلادها «رائدة في أوروبا» من خلال إقرار ما وصفته بـ«سن الرشد الرقمي» عند 15 عاماً. وأضافت، بحسب ما نقلته وكالة «إفي»، أن ائتلافاً يضم 15 دولة أوروبية، من بينها إسبانيا، يدرس إدخال تنظيمات مشابهة في تشريعاته الوطنية خلال الفترة المقبلة.
وتأتي الخطوة الفرنسية في وقت تتصاعد فيه المخاوف عالمياً من تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، خصوصاً ما يتعلق بالإدمان الرقمي، والتنمر الإلكتروني، والتعرض للمحتوى غير المناسب، وانتهاك الخصوصية. كما تفتح التجربة الفرنسية الباب أمام نقاش أوسع داخل الاتحاد الأوروبي حول مستقبل تنظيم استخدام القاصرين للمنصات الرقمية.
وكانت أستراليا أول دولة في العالم تعتمد قيوداً مشابهة على استخدام القاصرين لشبكات التواصل الاجتماعي، لكنها رفعت السن إلى أقل من 16 عاماً، بينما اختارت فرنسا تحديد الحد الأدنى عند 15 عاماً، في خطوة قد تتحول إلى نموذج أوروبي إذا مضت دول أخرى في الاتجاه نفسه.
اقرأ المزيد
استخدام الشبكات الاجتماعية… متى تتحول مواقع التواصل إلى إدمان؟

