وطن-في ليلة صيفية خانقة على مشارف نيويورك، وتحت شمس حادة وملعب جاف لم يساعد كثيراً على كرة القدم الجميلة، كتبت إسبانيا فصلاً جديداً في تاريخها الكروي، بعدما تُوجت بطلة لكأس العالم 2026 بفوزها على الأرجنتين بهدف قاتل لفيران توريس في الوقت الإضافي، في نهائي احتضنه ملعب «ميت لايف» في نيوجيرسي وسط أجواء استثنائية وحضور سياسي وفني وجماهيري غير مسبوق.
وقالت صحيفة “أتالايار” الإسبانية إن نهائي كأس العالم 2026 جاء في نسخة هي الأكثر ارتباطاً بالطابع الأميركي في تاريخ البطولة، حتى أكثر من مونديال 1994، بعدما اختار الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» مدينة نيويورك الكبرى لتكون مسرحاً للمشهد الختامي. المدينة التي لا تنام، كما وصفتها الصحيفة، تحولت إلى منصة ضخمة لتسويق كرة القدم في الولايات المتحدة، بعروض فنية بدأت قبل المباراة بنحو أربع ساعات، ثم حضور لأسماء مثل مادونا وجاستن بيبر وشاكيرا خلال فقرات الحفل والاستراحة.
وبحسب ما أوردته وكالة “رويترز”، شهدت مراسم التتويج حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، حيث التقط ترامب الصور الرسمية مع أبطال العالم، في مشهد لافت لرياضة لا يُعرف عنه أنه من كبار متابعيها، لكنه كان حاضراً بقوة في النهائي الذي أرادته «فيفا» واجهة كبرى للنسخة الأميركية من المونديال.
إسبانيا دخلت النهائي وهي بطلة أوروبا والمرشحة الأبرز للقب العالمي، لكنها وصلت إلى الموعد الحاسم بصورة أقل لمعاناً بعد تعادلها السابق مع الرأس الأخضر، ما فتح باب الشكوك حول قدرتها على الذهاب حتى النهاية. غير أن صحيفة “أتالايار” رأت أن ما لم يكن ظاهراً خارج غرفة الملابس هو قوة المدرب لويس دي لا فوينتي، الذي بات بمثابة القائد الروحي لمجموعة تؤمن تماماً بفكرته وطريقته في فهم كرة القدم.
وأضافت الصحيفة أن هذا الجيل الإسباني لم يعد يعيش عقدة الماضي كما كان الحال قبل تتويج 2010 في جنوب أفريقيا. قبل 16 عاماً، كانت إسبانيا مطالبة بهدم جدران تاريخ طويل من الإخفاقات، أما الآن، فهي قادرة على لعب كرة قدم مقنعة وجذابة، تفرض بها شخصيتها وتخطف إعجاب العالم.
لم يكن أحد في المعسكر الإسباني يتمنى مواجهة الأرجنتين في النهائي، ولا مواجهة ليونيل ميسي تحديداً. فالمنتخب الأرجنتيني، بخبرته وشراسته وقدرته على إغلاق المساحات، لم يكن الخصم المثالي لأسلوب “لا روخا”. ووفقاً لما ذكرته “أتالايار”، ربما كانت إنجلترا ستكون منافساً أكثر ملاءمة لإسبانيا، خاصة بعد الطريقة التي خسرت بها نصف النهائي، لكن كرة القدم اختارت مواجهة كبرى أمام بطل العالم السابق وقائده التاريخي.
ومنذ الساعات الأولى من صباح يوم النهائي، اكتست مدرجات ملعب “ميت لايف” بالألوان الأرجنتينية. نحو 40 ألف قميص أبيض وسماوي ملأت المدرجات، مقابل قرابة 10 آلاف مشجع إسباني فقط. وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن تكلفة الرحلة بالنسبة للمشجعين القادمين من إسبانيا وصلت إلى نحو 9 آلاف يورو للشخص الواحد، شاملة الطيران والفندق، وهو رقم جعل الحضور الإسباني محدوداً، في حين لا تزال جماهير إسبانيا، كما قالت الصحيفة، لا ترهن منازلها ولا تضحي بتعليم أبنائها من أجل حضور نهائي.
على أرض الملعب، كانت إسبانيا هي من قدّمت كرة القدم. ورغم أن العشب الجاف لم يساعد على سرعة التمرير، واضطرت «فيفا» إلى ريه خلال فترات التوقف الخاصة بشرب المياه، فإن المنتخب الإسباني فرض إيقاعه بالكامل. وقالت “أتالايار” إن الأرجنتين تنازلت عن الكرة وعن أرقام المباراة، بعدما أنهت اللقاء دون أي تسديدة على المرمى، وبنسبة استحواذ لم تتجاوز 35%، إلى جانب ست بطاقات صفراء وبطاقة حمراء.
في المقابل، مررت إسبانيا ما يقارب 800 تمريرة ذات معنى، مقابل نحو 350 تمريرة فقط لمنتخب ميسي، الذي بدا في فترات طويلة عاجزاً عن الاحتفاظ بالكرة أو الخروج من ضغط الإسبان. وبحسب الصحيفة، تحولت الأرجنتين إلى فريق يطارد الكرة ويدافع أمام أسلوب إسباني منظم، بينما كان «لا روخا» يتحرك بثقة وهدوء.
وكان رودري هو محور كل شيء. لاعب الوسط الإسباني، الذي تُوج بجائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في كأس العالم، قاد إيقاع المباراة وفرض المعايير الفنية للفريق كما فعل تشابي ألونسو في جيل 2010. ونقلت رويترز صور رودري إلى جانب أوناي سيمون، الفائز بالقفاز الذهبي، وباو كوبارسي، المتوج بجائزة أفضل لاعب شاب من «فيفا»، في لحظة أكدت حجم التفوق الإسباني الفردي والجماعي في البطولة.
وفي المدرجات، عاش نجوم الجيل الذهبي الإسباني لحظات توتر وفخر معاً. حضر تشافي وراموس وكاسياس وبويول ولورينتي، وهم الذين لمسوا المجد قبل 16 عاماً، لمشاهدة جيل جديد يعيد إسبانيا إلى قمة العالم. كما دعمت إسبانيا شخصيات بارزة من المدرجات والمقصورة، من بينها العائلة الملكية، ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز، ونجم التنس كارلوس ألكاراز، والممثل خافيير باردم.
وبحسب ما أوردته وكالة “رويترز”، شهدت المقصورة الرئيسية حضوراً سياسياً ورياضياً واسعاً قبل تسليم الكأس، تقدمه جياني إنفانتينو، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيسة المكسيك كلوديا شينباوم، ورئيس وزراء كندا مارك كارني، والملك فيليبي السادس، ورئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم رافائيل لوزان، ورئيس الاتحاد الأرجنتيني كلاوديو تابيا، ورئيس «كونميبول» أليخاندرو دومينغيز، ورئيس «كونكاكاف» فيكتور مونتالياني.
المباراة سارت كما توقعت إسبانيا تقريباً. سيطرة واضحة، ضغط مستمر، ومحاولات خطيرة عبر لامين يامال وميكيل أويارزابال، لكن الكرات كانت تنتهي غالباً بين يدي الحارس إيميليانو مارتينيز «ديبو». في الجهة الأخرى، اختفى ميسي لفترات طويلة، وبدا بعيداً عن صناعة الفارق حتى الدقائق الأخيرة.
وقالت صحيفة “أتالايار” إن الحكم السلوفيني سلافكو فينتشيتش بذل جهداً كبيراً للحفاظ على توازن المباراة وعدم إشهار البطاقات مبكراً رغم الخشونة الأرجنتينية. أما ليونيل سكالوني، فوجد نفسه أمام إصابات وتبديلات اضطرارية أثرت على مستوى الأرجنتين، التي امتلكت أسماء قوية وحضوراً بدنياً، لكنها لم تمتلك كرة قدم كافية للتفوق على إسبانيا.
كاد لامين يامال أن ينهي كل شيء قبل الوصول إلى الوقت الإضافي، بعدما نفذ ركلة حرة من على حدود المنطقة أجبرت ديبو مارتينيز على تصدٍ رائع. وقبل ذلك، ألغى الحكم هدفين لإسبانيا؛ الأول سجله نيكو ويليامز في لقطة أثارت الجدل بعدما احتسب فينتشيتش خطأ على ميكيل ميرينو، رغم أن الإعادة لم تُظهر مخالفة واضحة، والثاني حمل توقيع فيران توريس، لكن تقنية التسلل حرمت إسبانيا من التقدم.
وجاء الحسم في الدقيقة 106، قبل عشر دقائق من توقيت هدف أندريس إنييستا التاريخي في نهائي جوهانسبرغ عام 2010. هجمة إسبانية متقنة بدأت بتمريرة عميقة إلى نيكو ويليامز، أعقبها تمرير بالرأس إلى الخلف، ثم لمسة دقيقة من فيران توريس سكنت شباك إيميليانو مارتينيز، لتنفجر فرحة إسبانيا وتبدأ عشرون دقيقة من الضغط العصبي الكامل.
وأضافت “أتلايار” أن الأرجنتين حاولت استدعاء روح عوداتها السابقة أمام مصر وإنجلترا، فلجأت إلى الكرات على الأطراف، والعرضيات داخل المنطقة، والتسديد من خارجها، والبحث المستمر عن ميسي كي يمرر كرة أخيرة قد تغير مصير النهائي. أجرى سكالوني خمسة تغييرات، ورد دي لا فوينتي بستة تغييرات، لكن جودة الأرجنتين كانت تتراجع مع مرور الوقت، بينما بقيت إسبانيا ثابتة على خطتها.
امتلكت الأرجنتين فرصتين واضحتين للعودة؛ الأولى عبر رأسية من سينيسي مرت خارج المرمى، والثانية بتسديدة من سيميوني علت العارضة. وبعدها منح الحكم خمس دقائق وقتاً بدلاً من الضائع، كانت كافية نظرياً لانتظار ومضة من ميسي، لكنها لم تكن كافية لإسقاط كرة القدم الإسبانية المنظمة.
وبحسب “رويترز”، بدا ميسي محبطاً بعد صافرة النهاية، بينما احتفل لاعبو إسبانيا بلقبهم العالمي الثاني. أما دي لا فوينتي، فظهر وهو يرفع كأس العالم وسط لاعبيه، في مشهد أعاد إلى الأذهان لحظة إيكر كاسياس في 2010، لكنه حمل هذه المرة توقيع جيل جديد يقوده رودري ولامين يامال ونيكو ويليامز وفيران توريس وباو كوبارسي.
إسبانيا لعبت 120 دقيقة بخطة واضحة وتنفيذ شبه مثالي. كل لاعب عرف دوره، سواء من بدأ المباراة أو من انتظر فرصته على مقاعد البدلاء. حتى إريك غارسيا ومارتين زوبيميندي، اللذان ظهرا لأول مرة في كأس العالم عند الدقيقة 100، دخلا ضمن المنظومة دون اهتزاز. لم يخرج شيء تقريباً عن النص الإسباني.
وفي النهاية، رفع رودري كأس العالم الثانية في تاريخ إسبانيا، بعد 16 عاماً من تتويج كاسياس في جنوب أفريقيا. وقالت صحيفة “أتلايار” إن إسبانيا وجّهت رسالة واضحة للعالم: إنها عادت لتكون ملكة كرة القدم. وبين لقب 2026 وموعد 2030 المنتظر، تبدو البلاد، رغم ما تمر به من أزمات، موحدة خلف لعبة قادرة دائماً على جمع الناس حول لحظة فرح كبرى.
اقرأ المزيد
ليست كرة قدم فقط.. لماذا أصبح منتخب إسبانيا “منتخب القلوب” عربيًا؟
بروتوكول عنصرية أم ثورة غضب؟ السر الحقيقي وراء إشارة الـ “X” التي قام بها حسام حسن أمام الأرجنتين
الريمونتادا المشبوهة: كيف غيرت قرارات الـ (VAR) مسار القمة الدرامية بين الفراعنة والتانغو؟
من جزر صغيرة إلى قلوب الملايين.. الحكاية الملهمة لمنتخب الرأس الأخضر

