وطن-يُعد ارتفاع حمض اليوريك من المشكلات الصحية الصامتة التي قد تبدأ بأرقام مرتفعة في تحليل الدم، ثم تتحول مع الوقت إلى نوبات مؤلمة من النقرس أو حصوات في المسالك البولية ومضاعفات كلوية. ورغم أن كثيرين يربطون هذه الحالة مباشرة بتناول اللحوم الحمراء فقط، فإن الصورة الطبية أوسع من ذلك، وتشمل السكر الصناعي، وقلة شرب الماء، والكحول، والأنظمة الغذائية القاسية.
وقالت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية في تقريرها إن حمض اليوريك هو مركب ناتج عن عمليات طبيعية داخل الجسم، وتحديداً عند تكسير مواد تُعرف باسم «البيورينات». وفي الوضع الصحي الطبيعي، يذوب هذا المركب في الدم، ثم ينتقل إلى الكلى ليُطرح خارج الجسم عبر البول دون أن يسبب مشكلات.
لكن الخلل يبدأ عندما يرتفع إنتاج حمض اليوريك داخل الجسم، أو عندما تفقد الكلى جزءاً من قدرتها على التخلص منه بكفاءة. وعند تجاوز مستواه في الدم نحو 6.8 ملغم/ديسيلتر، يبدأ حمض اليوريك في الخروج من حالته الذائبة ويتحول إلى بلورات دقيقة وحادة تشبه الإبر الصغيرة.
وأضافت المجلة أن هذه البلورات قد تترسب بصمت داخل الأنسجة والمفاصل، خصوصاً في إصبع القدم الكبير والكاحلين والركبتين، قبل أن تظهر لاحقاً على شكل نوبات ألم حادة تعرف بالنقرس. ومع استمرار ارتفاع حمض اليوريك دون تدخل، قد تزيد مخاطر تشوه المفاصل، وحصوات المسالك البولية، ومشكلات الكلى.
خفض حمض اليوريك يبدأ من نمط الحياة
عند اكتشاف ارتفاع حمض اليوريك، يتجه كثير من المرضى مباشرة إلى البحث عن أدوية تقلل إنتاجه. غير أن التقرير الإسباني أوضح أن أطباء الروماتيزم يشددون على أهمية تعديل نمط الحياة أولاً، خصوصاً في الحالات التي يحدد الطبيب أنها قابلة للتحسن بالتغذية والسلوك اليومي، على أن يكون استخدام الدواء وفق تقييم طبي لا يُستغنى عنه عند الحاجة.
وبحسب ما أوردته مجلة “لا فيدا لوثيدا” ، فإن فترة 3 أسابيع يمكن أن تكون كافية لملاحظة تحسن واضح في بعض المؤشرات، إذا جرى تقليل مصادر البيورينات الخارجية، وتحسين قدرة الكلى على طرح حمض اليوريك، والتوقف عن العادات التي تعطل عملية الإخراج الطبيعية.
ولا يعني ذلك الدخول في حميات قاسية أو حرمان غذائي، بل يعتمد الأمر على تعديل 4 عادات يومية مؤثرة، يمكن أن تخفف العبء الأيضي عن الكبد والكلى، وتساعد الجسم على استعادة توازنه بشكل أكثر أماناً واستدامة.
أولاً: إيقاف الفركتوز الصناعي والسكريات المخفية
لفترة طويلة، كان اللوم الأكبر في ارتفاع حمض اليوريك موجهاً إلى اللحوم الحمراء وحدها. لكن الصحيفة الإسبانية أشارت إلى أن الأدلة الطبية الحديثة تضع شراب الذرة عالي الفركتوز والسكريات المضافة بين أبرز العوامل التي تسرّع ارتفاع حمض اليوريك في العصر الحديث.
فالفركتوز يختلف عن الجلوكوز؛ إذ لا تستخدمه خلايا الجسم كلها كمصدر مباشر للطاقة، بل تتم معالجته بصورة رئيسية في الكبد. وعندما يتلقى الكبد كميات كبيرة منه عبر المشروبات الغازية، والعصائر المعلبة، والبسكويت، والحلويات، والصلصات التجارية، يحدث استنزاف سريع لمخزون الطاقة داخل خلايا الكبد.
هذا الاستنزاف يؤدي إلى تسريع تكسير مركبات داخلية معينة، ما ينتج عنه ارتفاع سريع في تصنيع حمض اليوريك بعد وقت قصير من تناول هذه المنتجات. لذلك، تتمثل القاعدة الذهبية خلال الأسابيع الثلاثة في قراءة الملصقات الغذائية بدقة، واستبعاد أي منتج يحتوي على سكريات مضافة أو شراب الذرة عالي الفركتوز.
وقالت مجلة “لا فيدا لوثيدا” إن هذا التغيير وحده قد يقلل إنتاج حمض اليوريك في الكبد بصورة ملموسة، لأنه يقطع أحد أهم المسارات الغذائية المسؤولة عن ارتفاعه، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يستهلكون المشروبات المحلاة يومياً.
ثانياً: إعادة اختيار مصادر البروتين وفهم حقيقة الخضراوات
العامل الثاني في خفض حمض اليوريك يرتبط بنوعية البروتينات. فبحسب التقرير الإسباني، يجب خلال هذه الفترة تقليل أو تجنب الأطعمة شديدة الثراء بالبيورينات، مثل الأحشاء الداخلية كالكبد والكلى، وبعض اللحوم المصنعة أو المعتقة، إلى جانب المأكولات البحرية القشرية مثل الجمبري وبلح البحر وسرطان البحر.
لكن ما يلفت الانتباه أن أطباء الروماتيزم لم يعودوا يتعاملون مع الخضراوات الغنية بالبيورينات بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها مع مصادر البيورينات الحيوانية. فالسبانخ، والهليون، والفطر، والعدس، رغم احتوائها على بيورينات نباتية، لا ترتبط بالطريقة نفسها بارتفاع حمض اليوريك أو زيادة نوبات النقرس لدى معظم الأشخاص.
وأضافت المجلة أن السبب يعود إلى اختلاف امتصاص المركبات النباتية مقارنة بالمركبات الحيوانية، فضلاً عن وجود الألياف والعناصر النباتية الواقية التي تساعد على تقليل التأثير السلبي المتوقع.
وخلال الأسابيع الثلاثة، يمكن الاعتماد على مصادر بروتين أخف، مثل البيض الكامل، ومنتجات الألبان قليلة أو منزوعة الدسم، كالزبادي اليوناني غير المحلى والجبن الطازج، إلى جانب اللحوم البيضاء قليلة الدهون مثل الدجاج أو الديك الرومي المشوي. هذه الخيارات توفر احتياجات الجسم من البروتين دون تحميل الكلى عبئاً زائداً.
ثالثاً: شرب الماء بانتظام ووقف الكحول
تلعب الكلى الدور الأهم في التخلص من حمض اليوريك، إذ تطرح النسبة الأكبر منه خارج الجسم. وعندما يقل شرب الماء، يصبح حمض اليوريك أكثر تركيزاً في الدم والبول، ما يزيد احتمال ترسب البلورات وحدوث الألم.
وبحسب ما أوردته مجلة الإسبانية، يوصي المختصون خلال فترة الـ3 أسابيع بالالتزام بشرب الماء وفق احتياج الجسم، بمعدل تقريبي يبلغ 35 ملليلتراً لكل كيلوغرام من وزن الجسم يومياً، ما لم يكن لدى الشخص مانع طبي مثل أمراض القلب أو الكلى التي تتطلب تحديد كمية السوائل من الطبيب.
ويمكن أن يساعد تناول كوب ماء صباحاً مع عصير نصف ليمونة طازجة في دعم طرح حمض اليوريك، إذ إن الليمون، رغم طعمه الحمضي، يترك أثراً قلوياً نسبياً في البول بعد استقلابه، ما قد يساعد على تحسين ذوبان حمض اليوريك وتسهيل خروجه.
وفي المقابل، شددت الصحيفة على ضرورة إيقاف الكحول خلال هذه الفترة، خصوصاً البيرة، لأنها تحتوي على مركبات بيورينية قابلة للامتصاص، كما أن الكحول ينافس حمض اليوريك داخل مسارات الإخراج الكلوي. وعندما ينشغل الجسم بالتخلص من الكحول، تتراجع قدرة الكلى على طرح حمض اليوريك، ما يؤدي إلى بقائه أو إعادة امتصاصه في الدم.
رابعاً: تجنب الصيام الطويل وخسارة الوزن القاسية
من الأخطاء الشائعة عند محاولة تحسين الصحة بسرعة اللجوء إلى صيام طويل أو حميات قاسية قليلة السعرات. غير أن هذا السلوك قد يعطي نتيجة عكسية لدى من يعانون ارتفاع حمض اليوريك.
وقالت المجلة الإسبانية إن الجسم عندما يدخل في حالة حرمان شديد أو يبدأ بحرق الدهون بسرعة كبيرة، تتراكم في الدم أجسام كيتونية. هذه المركبات تنافس حمض اليوريك في الكلى، وتقلل قدرة الجسم على التخلص منه بكفاءة.
كما أن الهدم السريع لأنسجة الجسم للحصول على الطاقة يحرر بيورينات داخلية إلى مجرى الدم، ما قد يرفع حمض اليوريك بدلاً من خفضه. لذلك، لا ينصح بالأنظمة القاسية أو الانقطاع الطويل عن الطعام باعتبارها وسيلة سريعة لحل المشكلة.
وتقوم التوصية العملية خلال 3 أسابيع على تناول 3 وجبات متوازنة يومياً، مع تقليل السكريات والمأكولات عالية البيورينات الحيوانية، والحفاظ على شرب الماء، وتجنب الكحول. هذا النمط يساعد على خفض حمض اليوريك بشكل تدريجي وأكثر أماناً، دون التسبب في اضطرابات أيضية جديدة.
متى يجب مراجعة الطبيب؟
على الرغم من أن تعديل العادات اليومية قد يساعد كثيراً في خفض حمض اليوريك، فإن ظهور ألم شديد ومفاجئ في المفاصل، أو تورم واحمرار في إصبع القدم الكبير أو الركبة أو الكاحل، أو تكرار حصوات الكلى، يستدعي مراجعة الطبيب. كما أن بعض الحالات تحتاج إلى أدوية منتظمة، خصوصاً عند تكرار نوبات النقرس أو وجود أمراض كلوية.
وخلاصة ما أوردته المجلة الإسبانية أن خفض حمض اليوريك لا يعتمد على خطوة واحدة، بل على مزيج من الامتناع عن السكريات الصناعية، واختيار البروتينات بحذر، وشرب الماء بانتظام، وتجنب الكحول والحميات القاسية. ومع الالتزام بهذه العادات لمدة 3 أسابيع، يمكن للجسم أن يبدأ في استعادة توازنه، شرط أن تتم المتابعة الطبية عند الحاجة.
اقرأ أيضاً
قبل الثامنة مساءً.. 4 أطعمة قد تساعد على النوم العميق وتحفّز إنتاج الميلاتونين طبيعياً
بدائل البيض الغنية بالبروتين.. 10 أطعمة تساعد على تثبيت سكر الدم في وجبة الإفطار
ليس مجرد إرهاق.. 6 علامات خفية في قدميك تحذرك من خطر ضعف الدورة الدموية

