وطن-أصبح الحصول على نوم عميق ومريح واحداً من أبرز تحديات الحياة الحديثة، خصوصاً مع تسارع نمط المعيشة، وكثرة التعرض للشاشات، واستمرار نشاط الذهن حتى ساعات متأخرة من الليل. وفي الوقت الذي يلجأ فيه كثيرون إلى المكملات الغذائية أو أقراص الميلاتونين بحثاً عن نوم أسرع، تشير دراسات في علم الأعصاب والساعة البيولوجية إلى أن الحل قد يبدأ من مائدة العشاء، لا من رفوف الصيدليات.
وقالت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية إن علم الأعصاب الحديث يربط جودة النوم بدرجة كبيرة بتوازن الإيقاع اليومي للجسم، وباختيار توقيت ومكونات الوجبة الأخيرة في اليوم. فالجسم لا يحتاج فقط إلى الظلام حتى يفرز هرمون النوم، بل يحتاج أيضاً إلى عناصر غذائية محددة تساعد الدماغ على إنتاج الميلاتونين بصورة طبيعية.
ويُعرف الميلاتونين شعبياً باسم «هرمون النوم»، وهو الهرمون الذي تفرزه الغدة الصنوبرية في الدماغ عندما يستعد الجسم للدخول في حالة الراحة والتجدد. لكن إنتاج هذا الهرمون لا يحدث بمعزل عن الغذاء؛ إذ يعتمد الدماغ على مجموعة من الأحماض الأمينية والمعادن والفيتامينات التي يحصل عليها الجسم خلال الساعات السابقة للنوم.
وبحسب ما أوردته المجلة الإسبانية، فإن أطباء الأعصاب ينصحون بتناول العشاء قبل الساعة الثامنة مساءً، مع إدخال أطعمة محددة قادرة على دعم إفراز الميلاتونين، سواء عبر تزويد الجسم به مباشرة أو من خلال توفير المواد الأولية التي يحتاجها الدماغ لتصنيعه. والنتيجة المتوقعة ليست مجرد النوم بسرعة، بل تحسين جودة النوم العميق وتقليل الاستيقاظ المتكرر خلال الليل.
الكرز الحامض.. مصدر طبيعي مباشر للميلاتونين
يُعد الكرز الحامض، خصوصاً صنف «مونتمورنسي»، من أكثر الأطعمة الغنية بالميلاتونين الطبيعي. وتختلف هذه الثمرة عن الكرز الحلو الشائع بتركيبتها الكيميائية التي تجعلها أكثر فاعلية في دعم النوم، إذ تحتوي على تركيزات ملحوظة من الميلاتونين القابل للاستفادة داخل الجسم.
وكشفت مجلة “لا فيدا لوثيدا” أن دراسات عصبية ركزت على حالات الأرق أظهرت أن تناول عصير الكرز الحامض المركز أو ثماره المجففة بانتظام قد يرفع مستويات الميلاتونين التي يمكن قياسها في البول، كما قد يساعد على إطالة مدة النوم العميق لدى بعض الأشخاص.
ولا تقتصر أهمية الكرز الحامض على احتوائه على الميلاتونين فقط، بل يمتاز أيضاً بغناه بمركبات «البروأنثوسيانيدين»، وهي مضادات أكسدة قوية تقلل من تكسير حمض التريبتوفان، وهو الحمض الأميني الذي يتحول داخل الجسم إلى سيروتونين ثم إلى ميلاتونين.
ولهذا، فإن تناول كمية صغيرة من الكرز الحامض، أو شرب كوب من عصيره غير المحلى قبل موعد التوقف عن الطعام ليلاً، قد يساعد الدماغ على الانتقال بهدوء إلى وضع الاسترخاء الليلي، بعيداً عن الاضطراب الناتج عن الوجبات الثقيلة أو المنبهات المتأخرة.
الفستق.. كنز غير متوقع للساعة البيولوجية
لفترة طويلة، كان الاعتقاد السائد أن النباتات لا تحتوي إلا على آثار بسيطة جداً من الميلاتونين. غير أن اكتشاف وجود كميات مرتفعة نسبياً من هذا الهرمون في الفستق غيّر نظرة خبراء التغذية الوظيفية إلى دوره في تحسين النوم.
وأضافت مجلة “لا فيدا لوثيدا” الإسبانية أن حفنة جيدة من الفستق يمكن أن تمد الجسم بكمية معتبرة من الميلاتونين، إلى جانب الدهون الصحية والألياف التي تبطئ عملية الامتصاص، ما يسمح بتحرر تدريجي للعناصر الغذائية خلال ساعات الليل.
ويمتاز الفستق أيضاً باحتوائه على فيتامين B6 والكربوهيدرات المعقدة، وهي عناصر تلعب دوراً محورياً في إنتاج هرمونات الاسترخاء. فخاصة فيتامين B6 يساعد الجسم على تحويل التريبتوفان إلى سيروتونين، وهي الخطوة الأساسية التي تسبق إنتاج الميلاتونين في الغدة الصنوبرية.
وتشير المجلة إلى أن إدخال الفستق ضمن وجبة عشاء خفيفة قد يساعد على استقرار كيمياء الدماغ أثناء الليل، وهو ما يقلل احتمالات الاستيقاظ المفاجئ أو ما يعرف بـ«الاستيقاظات الدقيقة» التي تجعل الشخص يشعر في الصباح بأنه لم ينم جيداً رغم قضائه ساعات طويلة في الفراش.
الجوز.. غذاء داعم للدماغ والنوم
يُنظر إلى الجوز غالباً باعتباره غذاءً مفيداً للدماغ، ليس فقط بسبب شكله الذي يشبه الدماغ البشري، بل بسبب تركيبته الغنية بالعناصر الداعمة للجهاز العصبي. فهو يحتوي على ميلاتونين طبيعي يمكن للجسم امتصاصه والاستفادة منه بكفاءة.
وعندما يُتناول الجوز في نهاية اليوم، فإنه قد يرفع مستوى الميلاتونين في مجرى الدم، بما يرسل إشارات بيولوجية تساعد القلب والعضلات والجهاز العصبي على الدخول في حالة من الهدوء التدريجي استعداداً للنوم.
وبحسب ما نقلته مجلة “لا فيدا لوثيدا”، فإن القيمة الحقيقية للجوز لا تكمن في الميلاتونين وحده، بل في توازنه مع أحماض أوميغا 3 الدهنية. فهذه الأحماض تساعد في تقليل الالتهاب العام داخل الجسم، كما تدعم حساسية مستقبلات الدماغ للإشارات المرتبطة بالراحة والاسترخاء.
لذلك، فإن تناول بضع حبات من الجوز مع العشاء لا يعني فقط الحصول على كمية من «هرمون النوم»، بل يساعد أيضاً على تحسين استجابة الدماغ للمؤشرات الطبيعية التي تدفع الجسم إلى الاسترخاء، وهو ما قد ينعكس على جودة النوم وعمقه.
البيض.. بروتين خفيف يدعم النوم الهادئ
يُعد البيض من أكثر الأطعمة اكتمالاً من الناحية الغذائية، ويمكن أن يكون خياراً مناسباً لوجبة العشاء عندما يُتناول بطريقة بسيطة وخفيفة. فهو غني بالتريبتوفان والميلاتونين، كما يوفر بروتيناً سهل الهضم يساعد على استقرار مستويات السكر في الدم طوال الليل.
وقالت المجلة الإسبانية إن تناول بيضتين مسلوقتين أو عجة خفيفة في المساء قد يساعد على تجنب التقلبات الحادة في الغلوكوز، وهي التقلبات التي قد تؤدي أحياناً إلى ارتفاع هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، ما يسبب الاستيقاظ المفاجئ في ساعات الفجر.
ويتركز التريبتوفان في صفار البيض، ويحتاج هذا الحمض الأميني إلى بيئة غذائية مناسبة حتى يصل إلى الجهاز العصبي المركزي. وعندما تكون وجبة العشاء خفيفة وغير مزدحمة بالدهون الثقيلة أو السكريات، يصبح انتقال التريبتوفان إلى الدماغ أكثر سهولة.
وهناك يتحول التريبتوفان إلى المادة الخام التي تحتاجها الغدة الصنوبرية للحفاظ على إنتاج الميلاتونين خلال مراحل النوم العميق، خصوصاً مراحل نوم «دلتا»، المرتبطة بالتعافي الجسدي وترميم الخلايا ودعم الذاكرة.
لماذا قبل الثامنة مساءً تحديداً؟
لا يتوقف تأثير العشاء على نوعية الطعام فقط، بل يرتبط بقوة بتوقيت تناوله. فالجسم البشري، وفق تصميمه البيولوجي، يربط تناول الطعام بساعات النشاط والضوء. وعندما يتأخر العشاء إلى ما بعد الثامنة أو التاسعة ليلاً، يضطر الجهاز الهضمي إلى العمل بقوة في وقت يفترض أن يبدأ فيه الجسم بالانخفاض التدريجي في النشاط.
وأوضحت مجلة “لا فيدا لوثيدا” أن تناول الطعام في وقت متأخر يرفع درجة حرارة الجسم الداخلية ويزيد إفراز الإنسولين في الدم، وهما عاملان يتعارضان مع الاستعداد الطبيعي للنوم. فالنوم العميق يحتاج إلى انخفاض حرارة الجسم وإلى هدوء عمليات الهضم والتمثيل الغذائي.
وتشير التفسيرات البيولوجية إلى وجود علاقة عكسية بين الإنسولين والميلاتونين. فعندما يرتفع الإنسولين بسبب وجبة متأخرة أو دسمة، قد يتعطل إنتاج الميلاتونين في الدماغ، ما يجعل النوم أكثر صعوبة أو أقل جودة.
ولهذا ينصح أطباء الأعصاب، بحسب الصحيفة الإسبانية، بترك فاصل زمني لا يقل عن ساعتين بين العشاء وموعد النوم. فتناول الوجبة قبل الثامنة مساءً يمنح المعدة فرصة للتفريغ، ويساعد حرارة الجسم على الانخفاض، ويعيد الإنسولين إلى مستوياته الهادئة قبل الدخول إلى الفراش.
وفي هذه الحالة، تصبح العناصر الغذائية الموجودة في الكرز الحامض والفستق والجوز والبيض أكثر فاعلية، إذ يمتصها الجسم في توقيت مناسب، وتعمل بالتزامن مع حلول الظلام الطبيعي، بما يسمح للميلاتونين بالارتفاع في الوقت الذي يحتاج فيه الجسم إلى النوم فعلاً.
وبينما لا تُعد هذه الأطعمة علاجاً طبياً بديلاً لحالات الأرق المزمن أو اضطرابات النوم الشديدة، فإن دمجها في عشاء مبكر وخفيف قد يشكل خطوة عملية لتحسين جودة النوم طبيعياً، خاصة عند ربطها بعادات صحية أخرى مثل تقليل التعرض للشاشات ليلاً، وتجنب الكافيين في المساء، والحفاظ على موعد نوم ثابت.
اقرأ ايضاً
بدائل البيض الغنية بالبروتين.. 10 أطعمة تساعد على تثبيت سكر الدم في وجبة الإفطار
دراسة تحذر: تناول الأطعمة فائقة المعالجة أكثر من 3 مرات أسبوعياً يزيد خطر سرطان القولون والمستقيم
أفضل وضعية نوم لصحة القلب.. أطباء يكشفون الوضعية المثالية ويحذرون من النوم على البطن

