وطنتتواصل في البحرين تداعيات واحدة من أوسع المحاكمات الجماعية التي تطال رجال دين شيعة في تاريخ البلاد الحديث، بعدما أثارت القضية انتقادات حقوقية واسعة بسبب اتهامات بالتعذيب وسوء المعاملة وانتزاع اعترافات تحت الإكراه، إلى جانب مخاوف بشأن ضمانات المحاكمة العادلة.
وتضم القضية 69 متهماً، بينهم 60 رجل دين شيعياً و9 أشخاص مرتبطين بهم، يواجهون اتهامات تتصل بتشكيل جماعة إرهابية ومحاولة تقويض النظام الدستوري والترويج لمبدأ «ولاية الفقيه» الإيراني. وكانت المحكمة الكبرى الجنائية البحرينية قد حددت يوم 8 نوفمبر 2026 موعداً متوقعاً للنطق بالحكم، قبل أن تؤجل الجلسة إلى 22 نوفمبر، وفق ما أوردته قناة «الحرة» في تحديث نشرته اليوم.
69 متهماً بينهم 60 رجل دين.. وتهم مرتبطة بإيران
وبحسب بيان مشترك أصدرته 20 منظمة حقوقية في 6 نوفمبر، تشمل القضية 69 متهماً، بينهم 60 رجل دين شيعياً و9 أشخاص مرتبطين بهم. ويوجد 56 متهماً رهن الاحتجاز، من بينهم 47 رجل دين والتسعة الآخرون، فيما تجري محاكمة 13 رجل دين غيابياً.
وتتضمن الاتهامات، وفق البيان الحقوقي، تأسيس جماعة إرهابية بهدف الإطاحة بالنظام الدستوري، والترويج لمبدأ «ولاية الفقيه» من خلال السيطرة على المساجد والتجمعات الدينية المحلية. وتقول السلطات إن القضية ترتبط بمخاوف أمنية تتعلق بالولاء السياسي لإيران، بينما ترى منظمات حقوقية أن توجيه الاتهامات بهذا النطاق يثير مخاوف من تجريم أنشطة دينية سلمية.
شهادات عن التعذيب والضغط لانتزاع الاعترافات
وتتركز أبرز الانتقادات الحقوقية حول ظروف احتجاز المتهمين وما أبلغوا عنه من تعرضهم لسوء المعاملة خلال التحقيقات. ونقل معهد البحرين للحقوق والديمقراطية «بيرد» شهادات تتحدث عن إجبار بعض المحتجزين على الوقوف لفترات طويلة، وتعصيب أعينهم، وتقييد أيديهم، وحرمانهم من النوم، فضلاً عن تهديدهم وأفراد عائلاتهم بالعنف.
ومن بين الشهادات التي أوردتها التقارير، إفادة الشيخ محمد سعيد التيتون، البالغ من العمر 62 عاماً، الذي قال إنه ظل معصوب العينين ومقيداً لمدة أسبوع، وأُجبر على الوقوف رغم معاناته من مشكلات صحية شملت نزيفاً بولياً وحصى في الكلى، كما تحدث عن حرمانه من إجراء عملية جراحية كان يحتاج إليها.
كذلك نقلت التقارير شهادة سيد موسى جواد الوداعي، البالغ 57 عاماً، الذي قال إنه تعرض للضرب والصعق الكهربائي، وإنه تُرك عارياً أثناء احتجازه. وتظل هذه الإفادات اتهامات وشهادات منسوبة إلى أصحابها، ولم يرد في المصادر المتاحة ما يثبت صدور نتائج تحقيق مستقل ونهائي بشأنها. وتطالب المنظمات الحقوقية بفتح تحقيق محايد في جميع مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها إذا ثبتت صحتها.
20 منظمة حقوقية تطالب بضمان المحاكمة العادلة
وقبيل موعد النطق بالحكم، أصدرت 20 منظمة حقوقية دولية وإقليمية بياناً مشتركاً أعربت فيه عن قلقها إزاء ما وصفته بانتهاكات خطيرة لضمانات المحاكمة العادلة، من بينها الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وعقد جلسات سرية، والادعاءات المتعلقة بانتزاع اعترافات بالإكراه. وضمت قائمة الموقعين منظمات بارزة، بينها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إلى جانب معهد البحرين للحقوق والديمقراطية ومنظمة «أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين» والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب.
ودعت المنظمات السلطات البحرينية إلى الإفراج عن المحتجزين تعسفياً، وإسقاط التهم المرتبطة بممارسة الأنشطة الدينية السلمية، وضمان حق جميع المتهمين في الدفاع الفعّال عن أنفسهم. كما طالبت باستبعاد أي اعترافات يثبت أنها انتُزعت تحت التعذيب أو سوء المعاملة، وإجراء تحقيق مستقل وشفاف في الادعاءات المتعلقة بالانتهاكات خلال التحقيق والاحتجاز.
تصعيد أمني في ظل الحرب مع إيران
وتأتي المحاكمة في سياق توتر أمني وسياسي متصاعد في منطقة الخليج، بعد الهجمات الإيرانية التي استهدفت البحرين ودولاً أخرى حليفة للولايات المتحدة خلال الحرب مع إيران. وبحسب تقرير لوكالة رويترز نُشر في 6 نوفمبر، كثفت السلطات البحرينية إجراءاتها الأمنية ضد رجال دين وشخصيات دينية، بعد اتهام بعض الأشخاص بالتعبير عن تأييدهم للهجمات الإيرانية أو إظهار الولاء للمرشد الأعلى الإيراني والتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني.
ونقلت الوكالة عن رئيس جهاز الأمن الداخلي البحريني، طارق الحسن، قوله إن الإجراءات تستهدف مواجهة أيديولوجية تضع قيادة إيران فوق سيادة الدولة البحرينية، مؤكداً أن السلطات تتعامل مع ما تعتبره تهديداً للأمن الوطني. وفي المقابل، تقول عائلات المحتجزين ومحامون ومنظمات حقوقية إن الإجراءات تتجاوز مواجهة التهديدات الأمنية إلى استهداف الممارسات الدينية والتعبير عن المواقف السياسية، محذرين من أن الخلط بين الانتماء الديني والولاء السياسي لإيران قد يؤدي إلى تضييق أوسع على المجتمع الشيعي في البلاد.
سحب الجنسية من 69 بحرينياً من أصول إيرانية
وتتزامن القضية مع إجراءات أخرى أثارت انتقادات حقوقية، بعدما أعلنت السلطات البحرينية في أبريل 2026 إسقاط الجنسية عن 69 مواطناً من أصول إيرانية، بينهم أطفال، وفقاً لمنظمة هيومن رايتس ووتش ومعهد البحرين للحقوق والديمقراطية. وقالت هيومن رايتس ووتش إن غالبية الأشخاص الذين شملهم القرار من المسلمين الشيعة ذوي الأصول الإيرانية، وإن 46 شخصاً على الأقل أصبحوا عديمي الجنسية نتيجة هذه الخطوة، وفقاً لبحث أجراه معهد «بيرد».
وترى المنظمة الحقوقية أن إسقاط الجنسية عن مواطنين بسبب أصولهم العائلية يثير مخاوف بشأن التمييز والحق في الجنسية، بينما تقدم السلطات إجراءاتها في سياق مواجهة ما تصفه بالتهديدات المرتبطة بإيران.
مخاوف من اتساع القيود على الحريات الدينية
وتعيد القضية إلى الواجهة ملف العلاقة بين السلطات البحرينية والمعارضة الشيعية، الذي ظل موضع انتقادات دولية منذ الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية عام 2011 وما أعقبها من حملة اعتقالات وإجراءات أمنية واسعة. ويقول معهد البحرين للحقوق والديمقراطية إن محاكمة هذا العدد من رجال الدين قد تؤثر في الحياة الدينية للمجتمع الشيعي، خصوصاً أن من بين المتهمين أئمة وخطباء وشخصيات تتولى الإرشاد الديني وتقود تجمعات في المساجد.
ووصف سيد أحمد الوداعي، مدير المناصرة في المعهد، القضية بأنها استهداف للهوية الدينية للمجتمع الشيعي، محذراً من أن تجاهل مزاعم التعذيب وحرمان المتهمين من فرصة حقيقية للطعن في الأدلة قد يضعف الثقة في إجراءات العدالة ويعمق الانقسامات داخل البلاد. ومع تأجيل النطق بالحكم إلى 22 نوفمبر، تتجه الأنظار إلى ما ستقرره المحكمة في قضية تتجاوز عدد المتهمين وطبيعة التهم الموجهة إليهم، لتطرح أسئلة بشأن حرية ممارسة الشعائر الدينية، وحق المتهمين في محاكمة عادلة، ومدى الالتزام بحظر التعذيب وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه.
اقرأ أيضاً
وفاة آية الله العظمى موسى شبيري زنجاني.. المرجع الذي عبر انقسامات إيران السياسية دون أن يدخل السلطة
اغتيال إمام سني في إيران.. الحرس الثوري يتهم جماعات كردية مدعومة من واشنطن وتل أبيب

