وطن-أعادت الهزيمة الانتخابية التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية فتح التساؤلات بشأن مستقبل الحرب مع إيران، وما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيتجه إلى خفض التصعيد والبحث عن تسوية، أم أن خسارة حزبه قد تدفعه إلى استئناف العمليات العسكرية ضد طهران.
وجاءت نتائج الانتخابات في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب، خصوصاً ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة. وتمكن الديمقراطيون من انتزاع السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، في تحول سياسي كبير سيمنحهم صلاحيات أوسع للتحقيق والرقابة على أداء الإدارة خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.
وقال موقع «ميدل إيست آي» إن نتائج الانتخابات طرحت سؤالاً أساسياً بشأن حسابات الرئيس الأمريكي: هل ستجعله الهزيمة أكثر ميلاً إلى إنهاء الحرب، أم أنه سيعتبر تراجع القيود الانتخابية فرصة للتحرك عسكرياً من جديد؟
من توقعات التصعيد إلى حسابات ما بعد الانتخابات
قبل الانتخابات، بدت واشنطن وكأنها تستعد لاحتمال تنفيذ هجوم أمريكي جديد واسع ضد إيران، في ظل إجلاء عائلات دبلوماسيين أمريكيين من المنطقة، وتعزيز الوجود العسكري في الشرق الأوسط، إلى جانب تحذيرات إقليمية من تداعيات حرب قد تتسع رقعتها. لكن الهجوم الذي توقعه عدد من الدبلوماسيين والمحللين لم يقع قبيل التصويت. وبدلاً من ذلك، تحول ملف الحرب إلى محور من محاور الجدل داخل الحزب الجمهوري بعد الخسارة الانتخابية، مع توجيه انتقادات إلى استمرار العمليات العسكرية وتداعياتها الاقتصادية.
وأقر ترامب بأن الحرب وارتفاع أسعار الوقود المرتبط بها أسهما في تراجع نتائج حزبه، وقال إن ذلك كان «صحيحاً إلى حد كبير»، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يشعر بالندم على قراره العسكري، مضيفاً أنه لم يكن ليتصرف بطريقة مختلفة بشأن الحرب. وكان موقف نائب الرئيس جي دي فانس أكثر مباشرة، إذ حمّل الحرب مسؤولية الخسارة، قائلاً: «سبب خسارتنا هو الحرب». كما انتقد ارتباط إدارة ترامب الوثيق بإسرائيل، معتبراً أن هذا النهج أسهم في إبعاد جزء من الناخبين عن الجمهوريين.
وأبدى دونالد ترامب الابن دعمه للتحليل الذي قدمه فانس، وفق ما أورده الموقع، في مؤشر على وجود تباينات داخل الدائرة المحيطة بالرئيس بشأن التدخلات العسكرية والسياسة الأمريكية تجاه إيران.
هبوط أسعار النفط يعكس تبدل توقعات الأسواق
تزامنت نتائج الانتخابات مع تراجع حاد في أسعار النفط، إذ هبطت العقود الآجلة بأكثر من 8% في إحدى جلسات التداول، وسط تفاؤل الأسواق بإمكانية تراجع احتمالات التصعيد العسكري والتوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران. ورأت ميريسا خورما، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة «أمينا ستراتيجيز»، أن نتائج الانتخابات قد تمنح الدائرة المقربة من ترامب والكونغرس فرصة أكبر للضغط باتجاه تغيير المسار الأمريكي تجاه إيران.
وقالت خورما، وهي زميلة غير مقيمة في معهد بيكر بجامعة رايس، إن الأمر يتوقف على مدى تعاون الأعضاء المنتخبين في مجلسي النواب والشيوخ، وعلى طبيعة النصائح التي سيقدمها مستشارو الرئيس له خلال المرحلة المقبلة. لكن تراجع أسعار النفط لا يعني بالضرورة أن الحرب اقتربت من نهايتها؛ فالأسواق تتفاعل مع التوقعات السياسية واحتمالات التوصل إلى اتفاق، وليس فقط مع التطورات العسكرية الفعلية. كما أن استمرار الخلافات بين واشنطن وطهران قد يعيد الضغوط إلى أسواق الطاقة إذا تجدد التصعيد.
الكونغرس الديمقراطي يفرض قيوداً سياسية على ترامب
من المتوقع أن يؤدي انتقال السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ إلى الديمقراطيين إلى تغيير طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، بعدما كان الجمهوريون يوفرون لترامب دعماً تشريعياً واسعاً خلال العامين الأولين من ولايته الثانية.
ووفق النتائج الأولية التي أوردتها وسائل إعلام أمريكية، حصل الديمقراطيون على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، فيما تجاوزوا عتبة الأغلبية في مجلس النواب، مع استمرار فرز بعض الأصوات في عدد من الدوائر. وتشير التقديرات إلى أن الأغلبية الديمقراطية في المجلس قد تصل إلى نحو 237 مقعداً، لكن الحصيلة النهائية لم تكن قد استقرت بالكامل عند نشر التقارير.
ويمنح هذا التحول الديمقراطيين قدرة أكبر على إجراء التحقيقات والاستدعاءات وممارسة الرقابة على الإدارة، فضلاً عن التأثير في الموازنات والتشريعات والإنفاق العسكري. ومع ذلك، لا يعني فقدان الجمهوريين السيطرة على الكونغرس أن الرئيس سيصبح عاجزاً عن اتخاذ قرارات عسكرية. فالدستور الأمريكي يمنح الكونغرس صلاحية إعلان الحرب، لكن الرؤساء الأمريكيين استخدموا في حالات عديدة سلطات تنفيذية وأطر تفويض سابقة لإصدار أوامر بعمليات عسكرية من دون إعلان رسمي للحرب.
كما أن قدرة الكونغرس على وقف العمليات العسكرية تتطلب تحركاً سياسياً وتشريعياً، وقد تواجه أي محاولة لتقييد الرئيس عقبات تتعلق بالإجراءات التشريعية واحتمال استخدام حق النقض الرئاسي.
شومر يتعهد بإنهاء الحرب
وضع زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، الحرب على إيران في صدارة أولويات حزبه بعد الفوز الانتخابي، معلناً أن الديمقراطيين سيعملون على إنهائها. وقال شومر: «سننهي الحرب»، مشيراً إلى وجود جمهوريين مستعدين للتعاون مع الديمقراطيين في هذا الاتجاه.وأضاف أن الآباء المؤسسين منحوا الكونغرس سلطة التحكم في الإنفاق باعتبارها إحدى الوسائل التي يمكن استخدامها لمواجهة أي رئيس يشن حرباً من دون موافقة الشعب الأمريكي.
وتعكس تصريحات شومر توجهاً لدى القيادة الديمقراطية لاستخدام الأغلبية الجديدة في الضغط على البيت الأبيض، خصوصاً عبر ملفات التمويل والرقابة البرلمانية، غير أن ترجمة هذا التعهد إلى قرارات ملزمة ستتوقف على حجم التوافق بين أعضاء الحزبين.
الانتشار العسكري الأمريكي يبقي خيار التصعيد قائماً
على الرغم من الضغوط السياسية والاقتصادية، لا تزال التحركات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط عاملاً أساسياً في تقدير احتمالات المرحلة المقبلة. وبحسب ما أورده «ميدل إيست آي»، تحتفظ الولايات المتحدة بقدرات بحرية كبيرة في المنطقة، تشمل مجموعتين من حاملات الطائرات وسفينة هجوم برمائي في بحر العرب، بالتزامن مع تحرك مجموعة ثالثة من حاملات الطائرات باتجاه المنطقة.
ويعني استمرار هذا الانتشار أن الخيار العسكري لم يُسحب من الحسابات الأمريكية، حتى مع تزايد الضغوط الداخلية لإنهاء الحرب. كما يمنح واشنطن قدرة على تنفيذ عمليات إضافية إذا اتخذ البيت الأبيض قراراً بالتصعيد. لكن وجود القوات والسفن الحربية لا يثبت وحده أن هجوماً جديداً وشيك، إذ يمكن أن يُستخدم الانتشار العسكري أيضاً للردع وحماية المصالح الأمريكية وحلفائها، أو لتعزيز الموقف التفاوضي في أي محادثات محتملة.
طهران ترى في نتائج الانتخابات هزيمة سياسية لترامب
في المقابل، تعاملت القيادة الإيرانية مع نتائج الانتخابات باعتبارها ضربة سياسية للرئيس الأمريكي، مستفيدة من الاعترافات الصادرة عن مسؤولين في واشنطن بشأن تأثير الحرب على تراجع شعبية الجمهوريين. ونقل «ميدل إيست آي» عن محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، قوله في منشور على منصة «إكس» إن إيران ألحقت بترامب هزيمة استراتيجية في ساحة المعركة ومضيق هرمز، وهزيمة سياسية في واشنطن.
وتعكس هذه التصريحات محاولة إيرانية لتقديم نتائج الانتخابات بوصفها دليلاً على أن استمرار الحرب يفرض تكاليف سياسية واقتصادية على الإدارة الأمريكية، وقد يحد من قدرتها على مواصلة المواجهة بالوتيرة نفسها. لكن خسارة الجمهوريين لا تعني بالضرورة أن طهران باتت في موقع تفاوضي مريح؛ إذ تظل موازين القوة العسكرية والملفات النووية والأمنية والعقوبات الاقتصادية عوامل مؤثرة في أي تسوية محتملة.
هل يصبح ترامب أكثر حرية في شن هجوم جديد؟
رغم الضغوط التي يواجهها الرئيس الأمريكي، يرى بعض الخبراء أن فقدان الحزب الجمهوري السيطرة على الكونغرس قد لا يمنع ترامب من استئناف العمليات العسكرية، بل ربما يقلل بعض القيود السياسية التي كانت تفرضها عليه الحسابات الانتخابية.
وقال آلان آير، المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية المختص بالشأن الإيراني والباحث في معهد الشرق الأوسط، إن ترامب قد يكون أصبح أكثر تحرراً في اتخاذ قرار شن جولة جديدة من الضربات، بعد انتهاء الانتخابات. وأضاف آير أن الكونغرس الجديد لن يبدأ عمله قبل يناير المقبل، وحتى بعد انعقاده، لا يزال من غير الواضح مدى قدرته الفعلية على تقييد الرئيس في الملف العسكري.
وتعكس هذه القراءة أحد السيناريوهات المطروحة، إذ قد يرى ترامب أن خسارة حزبه لا تستدعي التراجع في السياسة الخارجية، بل قد تدفعه إلى إظهار الحزم العسكري في مواجهة إيران، خصوصاً إذا تعثرت المساعي الدبلوماسية أو ظهرت تطورات أمنية جديدة. وفي المقابل، تشير تصريحات فانس وشومر، إلى جانب تراجع أسعار النفط، إلى وجود ضغوط سياسية واقتصادية متزايدة تدفع باتجاه إنهاء الحرب أو على الأقل تجميد التصعيد.
وبين هذين المسارين، لا تزال الخيارات الأمريكية مفتوحة بين مواصلة العمليات العسكرية المحدودة، والعودة إلى المفاوضات، أو تنفيذ ضربات جديدة ضد إيران. وفي الوقت الذي تراهن فيه الأسواق على تراجع احتمالات المواجهة، يبقى القرار النهائي مرتبطاً بحسابات ترامب العسكرية والسياسية، وبمدى قدرة الكونغرس الجديد على تحويل اعتراضه على الحرب إلى قيود فعلية على قرارات البيت الأبيض.
اقرأ المزيد
كريس ميرفي يحذر من خطة أمريكية «جنونية» لاستئناف الحرب على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي
مأزق تشكيل الحكومة في إسرائيل يعلّق قرار الحرب على إيران.. نتنياهو يترقب انتخابات أميركا
هل يلوّح ترامب بالسلاح النووي ضد إيران؟ تاكر كارلسون يكشف سيناريو خطيراً

