وطن-سجلت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 حضوراً لافتاً لنساء مسلمات محجبات في الحياة السياسية، بعدما فازت أربع مرشحات بمقاعد في مجالس شيوخ الولايات، بالتزامن مع إعادة انتخاب عضوة الكونغرس إلهان عمر، في نتائج وصفتها تقارير إعلامية بأنها محطة غير مسبوقة في تمثيل النساء المسلمات داخل المؤسسات المنتخبة في الولايات المتحدة.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» إن هذه الانتصارات جاءت في مناخ سياسي شهد تصاعداً في الخطاب المعادي للمسلمين، واستهداف شخصيات عامة بسبب هويتها الدينية، خصوصاً منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025.
وتنتمي الفائزات الأربع إلى التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، بحسب الصحيفة، فيما تعكس نتائجهن اتساع مشاركة النساء المسلمات في المنافسة على المناصب العامة، وعدم الاكتفاء بالحضور في الحملات المدنية والأنشطة المجتمعية.
وأشارت الصحيفة إلى أن منظمة مجلس الشؤون العامة الإسلامية حذرت، قبل الانتخابات، من تصاعد الاستفزازات التي تستهدف المسلمين في الولايات المتحدة، ومن احتمال أن تؤدي أجواء التوتر والتهديدات الأمنية إلى تثبيط مشاركة بعض الناخبين المسلمين. ورغم أن البيانات التفصيلية بشأن نسب المشاركة الانتخابية بين الفئات الديموغرافية لم تكن قد اكتملت، فإن النتائج أظهرت فوز عدد من المرشحات المسلمات الشابات، اللواتي خضن المنافسة السياسية في ولايات مختلفة.
روى رومان.. من جورجيا إلى مجلس شيوخ الولاية
في ولاية جورجيا، فازت النائبة المحلية روى رومان بمقعد في مجلس شيوخ الولاية، بعدما كانت قد دخلت التاريخ بوصفها أول امرأة مسلمة محجبة تشغل مقعداً في الهيئة التشريعية للولاية. وبرز اسم رومان على المستوى الوطني خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2024، عندما طالب ديمقراطيون مؤيدون للفلسطينيين بالسماح لمتحدث فلسطيني بالمشاركة في مؤتمر الحزب الديمقراطي، لكن الطلب قوبل بالرفض.
وبحسب «ميدل إيست آي»، كان من المفترض أن تكون رومان المتحدثة الفلسطينية في المؤتمر، خصوصاً أن جدها وُلد في القدس، وكانت تشغل حينها منصباً منتخباً منذ عامين. وجاء هذا الموقف في سياق الجدل داخل الحزب الديمقراطي بشأن دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال الحرب على غزة، وهو ملف أثار انتقادات واسعة داخل قطاعات من القاعدة الديمقراطية، ولا سيما بين الشباب والناخبين المؤيدين للفلسطينيين.
عبير قواس.. فلسطينية أمريكية تدخل مجلس شيوخ نيويورك
وفي نيويورك، فازت عبير قواس بمقعد في مجلس شيوخ الولاية، على أن تبدأ مهامها في يناير المقبل، لتصبح من أبرز الوجوه الفلسطينية الأمريكية الصاعدة في السياسة المحلية. وبحسب «ميدل إيست آي»، فإن قواس، وهي ابنة عائلة فلسطينية مهاجرة إلى الولايات المتحدة، تحدثت في وقت سابق عن أهمية العمل الجماعي والمشاركة المدنية داخل المجتمع المحلي، معتبرة أن ذلك يمثل طريقاً نحو المصالحة وبناء الثقة.
وترتبط تجربتها السياسية أيضاً بقصة عائلية تعود إلى مرحلة ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، حين اعتقلت سلطات الهجرة الأمريكية والدها، الذي كان يقيم في الولايات المتحدة من دون وضع قانوني منتظم. وقالت الصحيفة إن والد قواس احتُجز قرابة 3 سنوات قبل ترحيله إلى الأردن، وإنها لا تزال تستحضر من طفولتها مشاهد والدتها وهي تتحدث إلى زوجها عبر لوح زجاجي داخل مركز الاحتجاز. وتعكس هذه التجربة، وفق التقرير، أثر السياسات الأمنية التي استهدفت مسلمين ومهاجرين في الولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر، وما تركته من آثار على عائلاتهم وأطفالهم.
نبيلة سيد.. فوز في إلينوي بعد منافسة انتخابية
وفي ولاية إلينوي، فازت النائبة المحلية نبيلة سيد، البالغة من العمر 27 عاماً، بمقعد في مجلس شيوخ الولاية، بعدما حصلت على 57% من الأصوات، وفق الأرقام التي أوردتها «ميدل إيست آي». وسيد أمريكية من أصول هندية، وكانت قد دخلت الهيئة التشريعية في عام 2022، قبل أن تخوض المنافسة الجديدة، مستندة إلى برنامج ركز على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة وتحقيق العدالة في الحصول على الرعاية الصحية.
وحصلت سيد خلال حملتها على تأييد صحيفتي «ذا ديلي هيرالد» و«شيكاغو تريبيون»، بحسب التقرير. كما اتخذت مواقف منتقدة للسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل. فبعد يوم واحد من هجمات 7 أكتوبر 2023 التي قادتها حركة حماس في جنوب إسرائيل، وقعت سيد مع عدد من مشرعي إلينوي رسالة طالبت واشنطن بالعمل من أجل وقف إطلاق النار.
وأثارت الرسالة انتقادات من جهات اعتبرتها دفاعاً عن حماس، لكن نصها أكد أن تحقيق السلام يظل مستحيلاً ما دام ملايين الفلسطينيين محرومين من حقوقهم الإنسانية الأساسية، داعياً الولايات المتحدة والمجتمع الدولي إلى البحث عن حلول طويلة الأمد تعالج جذور العنف.
مريم خان.. من التعليم الخاص إلى مجلس شيوخ كونيتيكت
وفي ولاية كونيتيكت، فازت النائبة المحلية مريم خان بمقعد في مجلس شيوخ الولاية، بعد منافسة انتخابية تمكنت خلالها من التفوق على مرشح الحزب الجمهوري. وكانت خان، المولودة في باكستان، تشغل منصباً منتخباً منذ عام 2022، كما تولت رئاسة اللجنة المختارة للتعليم الخاص داخل المجلس التشريعي، وشاركت في لجنتي القضاء والتعليم.
ورحب زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس شيوخ كونيتيكت، بوب داف، بانضمامها إلى المجلس، واصفاً إياها بأنها معلمة سابقة في مجال التعليم الخاص ومدافعة عن حقوق الأطفال.
وسبق أن تعرضت خان لانتقادات من جمهوريين بعد وضعها علماً باكستانياً على مكتبها، في أعقاب الدور الذي أدته باكستان في المساعدة على ترتيب محادثات أمريكية إيرانية. ونقلت صحيفة «ذا كونيتيكت ميرور» عنها قولها إن وضع العلم كان تعبيراً عن إرثها واعتزازها الشخصي، وإن ربط ذلك بعدم الولاء للولايات المتحدة أمر غير دقيق. وأضافت أن باكستان شريك دبلوماسي قديم لواشنطن، وأن الاعتزاز بالخلفية الشخصية لا يتعارض مع الالتزام بخدمة البلاد وسكان الولاية.
إلهان عمر.. إعادة انتخاب وسط استهداف سياسي متواصل
وفي ولاية مينيسوتا، فازت عضوة الكونغرس إلهان عمر بولاية خامسة في مجلس النواب الأمريكي، في نتيجة حملت رمزية خاصة بالنظر إلى الهجمات السياسية والإعلامية التي تعرضت لها على مدار سنوات. وكانت عمر قد دخلت الكونغرس عام 2018، لتصبح واحدة من أوائل المسلمات اللواتي شغلن مقاعد في مجلس النواب، والوحيدة بينهن التي ترتدي الحجاب، وفق ما أوردته «ميدل إيست آي».
وُلدت عمر في الصومال، ووصلت إلى الولايات المتحدة عام 1995 طفلةً لاجئة، قبل أن تحصل على الجنسية الأمريكية في سن السابعة عشرة، بعد حصول والدها الراحل على الجنسية. ومنذ دخولها الحياة السياسية الوطنية، أصبحت هدفاً متكرراً لهجمات الرئيس دونالد ترامب وحلفائه، الذين طالبوا مراراً بالتحقيق في وضعها القانوني، وروجوا اتهامات بشأن زواجها من شقيقها لأغراض تتعلق بالهجرة، وهي اتهامات نفتها عمر.
كما نقلت «ميدل إيست آي» عن تقارير إعلامية أن جهات في الإدارة الأمريكية كانت تدرس إجراءات تتعلق بجنسيتها، فيما ذكرت الصحيفة أن عناصر فيدراليين نفذوا مداهمة لمنزلها قبل الانتخابات وصادروا أجهزة إلكترونية. وفي تجمعات انتخابية سابقة، ردد ترامب عبارات تطالب بإعادتها إلى البلد الذي جاءت منه، في خطاب اعتبره منتقدون استهدافاً لها بسبب أصولها الصومالية وهويتها المسلمة.
تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين في السياسة الأمريكية
ولم تقتصر مظاهر الاستهداف على عمر وحدها، إذ أوردت «ميدل إيست آي» أن عدداً من الجمهوريين نشروا منذ بداية عام 2025 محتوى سلبياً عن الإسلام والمسلمين، بينما دعا بعضهم إلى ترحيل مسلمين من الولايات المتحدة. كما نقل التقرير عن مركز دراسة الكراهية المنظمة أنه رصد، خلال الفترة الممتدة من فبراير 2025 إلى مارس 2026، ما وصفه بحملة منسقة معادية للمسلمين، شملت 1111 منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي و8 مشاريع قوانين وتكتلاً في الكونغرس يضم 62 عضواً.
وتشير هذه المعطيات، وفق المركز، إلى أن الخطاب المعادي للمسلمين لم يعد مقتصراً على تصريحات فردية، بل امتد إلى أنشطة سياسية وتشريعية وحملات عبر المنصات الرقمية. وفي المقابل، حذر مجلس الشؤون العامة الإسلامية من أن تصاعد الاستفزازات والتهديدات قد يدفع بعض المسلمين إلى تجنب المشاركة السياسية أو المطالبة بإجراءات أمنية إضافية خلال الفعاليات العامة.
«الإسلاموفوبيا لم تكن استراتيجية رابحة»
وقال حارس تارين، نائب رئيس السياسات والبرامج في مجلس الشؤون العامة الإسلامية، في تصريحات نقلتها «ميدل إيست آي»، إن المناخ المعادي للمسلمين الذي ساد خلال الفترة الماضية لم يمنع المرشحات المسلمات من تحقيق انتصارات انتخابية. وأضاف أن إلهان عمر فازت بهامش أكبر مقارنة بانتخابات سابقة، فيما تمكنت نساء مسلمات أخريات، يظهرن هويتهن الدينية بوضوح من خلال ارتداء الحجاب، من الوصول إلى مواقع تشريعية في ولايات مختلفة.
واعتبر تارين أن هذه النتائج تبعث برسالة مفادها أن خطاب التخويف والتحريض لم ينجح في إبعاد المرشحات المسلمات عن المنافسة السياسية، قائلاً إن «الإسلاموفوبيا لم تكن استراتيجية رابحة في هذه الدورة الانتخابية». وتسلط هذه النتائج الضوء على اتساع حضور المسلمين، ولا سيما النساء المحجبات، في المؤسسات السياسية الأمريكية، في وقت لا يزال فيه الجدل حول الإسلام والهجرة والهوية والتنوع الديني حاضراً بقوة في الخطاب الانتخابي.
اقرأ المزيد
ترامب يقرّ بتأثير حرب إيران على خسائر الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي
تسونامي ديمقراطي في انتخابات التجديد النصفي.. الأميركيون يوجّهون ضربة قاسية لترامب
ديمقراطي بارز يتوعد بفتح ملفات عائلة ترامب.. استثمارات إماراتية وصفقات عملات مشفرة تحت المجهر
عبد السيد يدخل التاريخ.. أول مسلم يُنتخب لمجلس الشيوخ الأميركي ويواجه تمويل إسرائيل

