وطن-تتجه المواجهة السياسية في واشنطن إلى مرحلة جديدة، بعدما توعّد النائب الديمقراطي روبرت غارسيا بفتح تحقيقات واسعة في التعاملات التجارية والمالية لعائلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في أعقاب المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي، واستعادتهم السيطرة على مجلسي الكونغرس.
ووجّه غارسيا، الذي يُتوقع أن يتولى رئاسة لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب، رسالة تحذيرية إلى ترامب وإدارته وحلفائه، نشر فيها عبارة «استعينوا بمحامين»، في إشارة إلى التحقيقات التي يعتزم الديمقراطيون إطلاقها مع بدء انعقاد الكونغرس الجديد في يناير 2027.
وقال غارسيا، في حديث إلى موقع «بانشبول نيوز»، إن اللجنة ستولي اهتماماً بما وصفه بـ«مخططات عائلة ترامب في العملات المشفرة»، إلى جانب علاقات أفراد من العائلة، ومن بينهم جاريد كوشنر، بشركات ومجالس إدارات وعقود تجارية. وأضاف أن الأشخاص الذين تربطهم علاقات وثيقة بعائلة ترامب لن يكونوا بمنأى عن مساءلة اللجنة، مؤكداً أن الديمقراطيين لا يبدأون من الصفر، بعدما أمضوا أشهراً في إعداد ملفاتهم وجمع المعلومات المتعلقة بالقضايا التي يرغبون في التحقيق فيها.
العملات المشفرة في صدارة التحقيقات المرتقبة
تأتي صفقات العملات المشفرة المرتبطة بعائلة ترامب في مقدمة الملفات التي يُرجّح أن تستقطب اهتمام لجنة الرقابة، خصوصاً في ظل الاستثمارات الأجنبية التي دخلت إلى شركات مرتبطة بالرئيس وأبنائه، وما أثارته من تساؤلات بشأن احتمال تداخل المصالح التجارية الخاصة مع القرارات الحكومية.
ومن أبرز هذه الصفقات استثمار أُعلن عنه في يناير 2025، قبل أربعة أيام فقط من تنصيب ترامب رئيساً للولايات المتحدة، إذ وافق مستثمرون مرتبطون بالإمارات على ضخ 500 مليون دولار مقابل حصة تبلغ 49% في شركة «وورلد ليبرتي فاينانشال» المتخصصة في العملات المشفرة، والتي شارك في تأسيسها دونالد ترامب الابن وإريك ترامب.
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، ارتبط الاستثمار بجهة إماراتية مدعومة من الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق رئيس الدولة. وأفاد التقرير بأن 187 مليون دولار من الدفعة الأولية ذهبت إلى كيانات مرتبطة بعائلة ترامب، فيما حصلت جهات مرتبطة بعائلة ستيف ويتكوف، الذي أصبح لاحقاً مبعوثاً أمريكياً إلى الشرق الأوسط، على ما لا يقل عن 31 مليون دولار.
وأثارت الصفقة تساؤلات بشأن توقيتها وحجمها والجهات المستفيدة منها، لا سيما أن الشيخ طحنون كان من أبرز المسؤولين الإماراتيين الساعين إلى تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
استثمار إماراتي في «بينانس» يضيف أسئلة جديدة
لم تتوقف علاقات «وورلد ليبرتي فاينانشال» بالاستثمارات الإماراتية عند صفقة شراء الحصة، إذ برزت الشركة مجدداً في مايو 2025، عندما استخدمت شركة «إم جي إكس» الاستثمارية المدعومة من أبوظبي العملة المستقرة «يو إس دي 1»، التابعة لشركة ترامب، لتسهيل استثمار بقيمة ملياري دولار في منصة تداول العملات المشفرة «بينانس».
وفي هذه العملية، كانت «إم جي إكس» هي الجهة المستثمرة، بينما تلقت «بينانس» الأموال، لكن استخدام العملة المستقرة المرتبطة بشركة عائلة ترامب أثار تساؤلات حول العوائد المالية المحتملة التي يمكن أن تحققها الشركة من الأصول المستخدمة لدعم العملة، بما في ذلك الفوائد والمنافع التجارية الأخرى. وزادت القضية حساسية بعدما أصدر ترامب عفواً رئاسياً عن مؤسس «بينانس» تشانغبينغ تشاو في أكتوبر 2025، بعدما كان الأخير قد أقر في عام 2023 بانتهاك متطلبات مكافحة غسل الأموال في الولايات المتحدة.
وأعاد تزامن الاستثمار الإماراتي واستخدام العملة المستقرة ثم العفو الرئاسي طرح تساؤلات سياسية بشأن احتمال وجود تضارب في المصالح، وهي أسئلة يُتوقع أن تكون موضع اهتمام المشرعين الديمقراطيين. ولا يعني هذا التزامن، في حد ذاته، ثبوت وجود علاقة سببية أو مخالفة قانونية.
تقرير ديمقراطي يتحدث عن 10 قرارات استفادت منها الإمارات
وفي يونيو 2026، نشر الموظفون الديمقراطيون في لجنة البنوك والإسكان والشؤون الحضرية بمجلس الشيوخ تقريراً تناول الاستثمارات الإماراتية في مشاريع العملات المشفرة المرتبطة بعائلة ترامب، وربط بينها وبين ما لا يقل عن 10 إجراءات سياسية اتخذتها إدارة ترامب، قال التقرير إنها أفادت الإمارات.
ومن بين الملفات التي أشار إليها التقرير تسهيل حصول الإمارات على رقائق أمريكية متقدمة للذكاء الاصطناعي، بعدما كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن قد فرضت قيوداً على تصدير بعض التقنيات المتقدمة. وطرح التقرير تساؤلات بشأن احتمال وجود مقايضة بين الاستثمارات المالية والمنافع السياسية، لكنه يعبر عن تقييم موظفي الأقلية الديمقراطية في اللجنة، ولا يمثل حكماً قضائياً يثبت وقوع فساد أو اتفاق غير قانوني.
جاريد كوشنر والاستثمارات السعودية
ولا تقتصر الأسئلة المتعلقة بالمصالح المالية لعائلة ترامب على الإمارات، بل تمتد إلى العلاقات التجارية مع السعودية، خصوصاً من خلال جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه السابق في البيت الأبيض. فبعد مغادرته إدارة ترامب الأولى، حصلت شركة «أفينيتي بارتنرز» الاستثمارية التي أسسها كوشنر على استثمار بقيمة ملياري دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، الذي يرأسه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
وكان كوشنر قد أقام علاقات وثيقة مع ولي العهد السعودي خلال عمله في البيت الأبيض، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن طبيعة الصلة بين علاقاته السياسية السابقة ومصالحه الاستثمارية اللاحقة. كما واصلت منظمة ترامب توسيع حضورها التجاري في منطقة الخليج من خلال مشاريع عقارية واتفاقيات ترخيص في السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان، شملت مشروعات سكنية وفنادق ومنتجعات غولف روّج لها أبناء الرئيس الأمريكي.
وتثير هذه الأنشطة اهتمام الديمقراطيين في ظل تساؤلات أوسع حول تعاملات الشركات المرتبطة بالرئيس مع مستثمرين أجانب، ومدى تأثير تلك العلاقات المحتمل في القرارات السياسية والاقتصادية للإدارة الأمريكية.
مليارات الدولارات في مشاريع العملات الرقمية
وفي سياق متصل، أشار تقرير صادر عن الديمقراطيين في لجنة الرقابة بمجلس النواب عام 2026 إلى أن عائلة ترامب حققت، وفق تقديرات التقرير، نحو 2.25 مليار دولار من الأرباح الفعلية المرتبطة بمشاريع العملات الرقمية ومدفوعات أخرى من جهات أجنبية.
وذكر التقرير أن القيمة قد تصل إلى نحو 9.72 مليار دولار عند احتساب الثروات غير المحققة المقدّرة، أي المكاسب الورقية المرتبطة بقيمة الأصول والاستثمارات التي لم تتحول بالضرورة إلى أموال محصلة. وتعكس هذه الأرقام تقديرات أوردها مشرعون ديمقراطيون في إطار انتقاداتهم للمصالح التجارية للرئيس وعائلته، وليست حكماً قضائياً نهائياً بشأن حجم الأرباح أو قانونية مصادرها.
تحقيقات تشمل الهجرة وملف إبستين
ولا يقتصر برنامج التحقيقات الذي أعلن عنه غارسيا على الأعمال التجارية لعائلة ترامب، إذ يشمل أيضاً مزاعم الانتهاكات داخل وزارة الأمن الداخلي ووكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك، فضلاً عن ملفات الفساد المؤسسي وطريقة تعامل الإدارة مع الوثائق المتعلقة بجيفري إبستين. وقال غارسيا إن اللجنة تعتزم عقد جلسات استماع علنية بشأن قضية إبستين، مع التركيز على الناجين والناجيات، كما أشار إلى أن الديمقراطيين يريدون مساءلة مسؤولين وشخصيات كانت على صلة وثيقة بالإدارة الجمهورية.
ومع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي الكونغرس، ستصبح اللجان التابعة لهم قادرة على استخدام أدوات رقابية أوسع، من بينها استدعاء الشهود وطلب الوثائق وإصدار مذكرات الإحضار، وفق الصلاحيات والإجراءات المعمول بها في الكونغرس.
ترامب لا يستبعد العفو عن نفسه ومساعديه
وتكتسب هذه المواجهة أهمية إضافية بعدما أشار ترامب، قبل انتخابات التجديد النصفي، إلى أنه قد يفكر في إصدار عفو استباقي عن نفسه وعن بعض مساعديه إذا واجهوا تحقيقات يقودها الديمقراطيون. وقال ترامب، في مقابلة مع ميراندا ديفاين، مقدمة برنامج «بود فورس وان» التابع لصحيفة «نيويورك بوست»، إنه قد يفعل ذلك إذا اقتضت الضرورة، مضيفاً أنه لن يتردد حتى في التفكير في هذا الخيار.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يستعد فيه الديمقراطيون لتولي قيادة اللجان الرقابية في الكونغرس، ما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية وقانونية محتملة مع البيت الأبيض خلال المرحلة المقبلة. وبين صفقات العملات المشفرة والاستثمارات الإماراتية والسعودية والمشاريع العقارية في الخليج، تبدو المصالح التجارية لعائلة ترامب مرشحة لتكون أحد أبرز محاور الرقابة الديمقراطية. غير أن ما ستكشفه التحقيقات، وما إذا كانت ستفضي إلى إثبات مخالفات قانونية أو ستبقى في إطار الجدل السياسي وتضارب المصالح، سيعتمد على الوثائق والأدلة التي ستُعرض خلال جلسات الكونغرس.
اقرأ المزيد
ترامب يقرّ بتأثير حرب إيران على خسائر الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي
عامر غالب مستشارًا لترامب لشؤون الأمريكيين العرب.. ماذا تغيّر بعد تعثر ترشيحه سفيرًا؟
ترامب يفتح جبهة جديدة مع إلهان عمر.. مداهمة منزلها تعيد ملف جنسيتها إلى الواجهة
ترامب يغيّر اسم الذكاء الاصطناعي إلى «الذكاء الخارق».. لماذا ازدهرت نطاقات سلوفينيا؟
إدارة ترامب تتحرك لإلغاء 810 ملايين دولار مخصصة للاجئين والمهاجرين.. وغضب في الكونغرس

